عندما أشعر أن الجمهور تفاعل مع عزفي أو غنائي، أتذكر دائماً لماذا بدأت، ولماذا اخترت هذا الطريق
– رواسي نمير
في قلب بغداد، حيث تتمازج الأصالة التاريخية بالدفء العائلي، وُلدت الفنانة العراقية، العازفة والمطربة الشابة رواسي نمير عام 2003، لتنشأ في بيئة عائلية يُدَلّل فيها الأبناء بالنغم والكلمة الصادقة.
لم تكن الموسيقى في بيتها مجرد فن أو هواية عابرة اكتشفتها لاحقاً، بل كانت لغة مألوفة ورفيقة يومية تُسكب في وجدانها منذ نعومة أظفارها مع ألحان بليغ حمدي، وصوت فيروز، وصولاً إلى الأغنية العراقية الأصيلة ودفء صوت ناظم الغزالي.
هذا التنوع الباكر في الاستماع كوّن أذنها الموسيقية وذائقتها، وأسس لديها قناعة راسخة بأن الحياة بلا موسيقى ينقصها شيء أساسي، فهي الوسيلة الأكثر عمقاً للتعبير عما تعجز عنه الكلمات، والملاذ الذي يحتضن كافة التحولات العاطفية للإنسان.
رحلة رواسي نمير الفنية لم تخْلُ من التحديات والبحث المضني عن الذات؛ ففي سن الرابعة بدأت رحلتها الأولى مع آلة الكمان، إلا أن يسراويّتها (تستخدم اليد اليسرى في جل تفاصيل حياتها) وضعتها أمام صعوبات واضحة في التعامل مع الآلة بالطريقة التقليدية. ورغم أن تبديل اتجاه الأوتار كان أمراً ممكناً نظرياً، إلا أنه لم يكن هادئاً أو بسيطاً لطفلة في بداياتها، مما جعل الآلة تبدو وكأنها تقاوم تفاصيلها الجسدية وتدفعها للبحث عن صوت آخر يتقبل طبيعتها ويشبه روحها.
السنطور وصعوبة الترويض: هوية وتاريخ
في سن العاشرة، وبين أروقة “مدرسة الموسيقى والباليه”، وقعت عينها للمرة الأولى على آلة السنطور بينما كانت أستاذتاها (هلا وجنان) تعزفان عليه بشغف. انجذبت رواسي فوراً لشكل الآلة الخشبي الهرمي ولصوتها المتردد بين الرقة والقوة، لتكتشف منذ تلك اللحظة علاقتها الحقيقية بالآلة التي أصبحت مع الأيام امتداداً لصوتها وأنفاسها، ووسيلتها الأولى للتعبير عن هويتها الموسيقية دون الحاجة إلى مطاوعة ذائقة آلة لا تلائمها.
تدرك رواسي أن السنطور آلة لا تُفشي أسرارها بسهولة، بل تتطلب صبراً كبيراً ودقة متناهية؛ بدءاً من كيفية التحكم بالمضارب الخشبية الدقيقة والقوة والسرعة المطلوبتين للاستجابة، وصولاً إلى ضبط وضوح النغم والإيقاع عبر 95 وتراً مشدودة بنظام “الربع تون” الذي يُميز الموسيقى الشرقية.
لم تكن هذه الصعوبات يوماً سبباً لتراجعها، بل كانت تحدياً يزيد من قيمة الإنجاز ورسوخ الارتباط بالآلة. ومع التعمق الأكاديمي والمشاركات الميدانية، أصبحت تنظر إلى عزف السنطور كمسؤولية وطنية وإنسانية لتعريف الأجيال الجديدة بجمال هذه الآلة البابلية العريقة الممتدة لنحو 4500 عام ومكانتها الأصيلة في التراث العراقي.
تحمل رواسي امتناناً عميقاً لأستاذتيها الأوليين (هلا وجنان)، مؤكدة أن الأستاذ الحقيقي لا يقتصر دوره على التعليم التقني وتوجيه اليد وإملاء النوتات، بل يمنح التلميذ الثقة والشغف والأمان للخطأ والتعلم وتجاوز الرهبة الأولى. فالتقنية تُطوّر بالممارسة والتدريب المستمر، لكن الشغف والأمان هما الطاقة التي تضمن الاستمرار وعدم الانكسار أمام صعوبة الآلة.
رواسي نمير بين العزف والغناء وتلاقح الشرق مع الغرب
حول هويتها الفنية وتداخل صوتها البشري مع صوت الآلة، تؤكد رواسي في حديثها مع “الحل نت”، أنها تجد نفسها “عازفة أولاً”؛ فالسنطور رافقها يومياً منذ الطفولة وصنع معها علاقة نضج واستقرار استمرت لسنوات طويلة من التمرين والاندماج.
بينما ترى أن الغناء -ورغم حبها الشديد له واكتشاف أساتذتها لخامة صوتها مصادفة في دروس الكورال لتغني مقطعاً من “الزنجيل”- يرتبط بالجسد والنفس والتنفس والحالة النفسية والنطق، مما يجعل الصوت البشري ينضج بالتوازي مع تجارب الإنسان وعمره وعمقه الوجداني. وهي لا ترى تعارضاً بين العازفة والمطربة داخلها، بل تعتبرهما لغتين لتعبير واحد؛ فالإحساس الذي قد يعجز عنه الصوت يترجمه السنطور بمضاربه، والكلمة الغنائية تُضيف بُعداً عاطفياً جديداً للموسيقى.
على الصعيد الأكاديمي في كلية الفنون الجميلة – قسم الموسيقى، شكل دراستها للموسيقى الغربية (موزارت وباخ) معبراً لفهم البناء الفني والهارموني والتنظيم الصارم، بينما مثلت الموسيقى الشرقية بمقاماتها وأجناسها وزخارفها والأشكال الكلاسيكية كالسماعي واللونجا والبشف، الجذر والأصل الذي تنتمي إليه روحاً وفكراً. هذا التلاقح لم يكن هدفاً لإذابة الشرق في الغرب، بل لمنحها أدوات واسعة لمعالجة التراث بوعي معاصر.
“أنا أؤمن أن الفنان كلما اتسعت معرفته، أصبح أكثر قدرة على حماية هويته، لأن التجديد الحقيقي لا يأتي من الابتعاد عن الجذور، بل من فهمها جيداً ثم تقديمها بوعي معاصر”، تقول رواسي.
تتلخص فلسفتها في تقديم الأغاني التراثية مثل: “يا ابن الحمولة”، “بالحاجب ادعي بخير”، “ريحة الورد”، و”صغيرون” في فهم الأصل أولاً من لحن ومقام وروح ورسالة تاريخية، ثم إضافة لمستها الخاصة وإحساسها الشبابي دون المساس بجوهر العمل، لتقريب هذا الموروث الثقيل من أذن جيل الشباب دون إفقاده أساليبه أو الهوية الوطنية.
“الفرقة الوطنية” و”سومريات”: حضور المرأة والمسرح العالمي
شكل انضمام رواسي لـ “الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي” العراقي بقيادة المايسترو علاء مجيد تحولاً مفصلياً في مسيرة رواسي نمير؛ حيث انتقلت من مرحلة التدريب والمراقبة إلى عضوة أصلية تحمل على عاتقها تمثيل التراث الوطني.
تُعرب رواسي عن امتنانها الكبير للمايسترو علاء مجيد الذي أحاطها برعايته، وشملها بخبرته العميقة وانضباطه العالي، مما مكّنها من اكتساب مهارات العمل الجماعي، والاستماع للآخرين، والتكيف مع مختلف الآلات، والوقوف بثبات على المسرح.
ترى رواسي في تجارب “فرقة سومريات” النسوية مساحة فارقة لإيصال رسالة للعالم عن حضور المرأة العراقية القوية والمبدعة والمثقفة، القادرة على قيادة المشهد الثقافي والحفاظ على التراث الأصيل. وقد أتاحت لها هذه التجارب نقل نغمات السنطور والتراث العراقي إلى مسارح دولية رفيعة؛ من منصة “اليونسكو” في باريس إلى مدريد والإمارات وقطر.
عن تجاربها الدولية تقول: “الشعور لا يمكن وصفه بسهولة، لأن الوقوف على مسرح خارج العراق وأنتِ تحملين آلة عراقية وتراثاً يمتد لآلاف السنين يمنحكِ شعوراً كبيراً بالفخر والمسؤولية في الوقت نفسه. في كل مرة كنت أقف فيها أمام جمهور من ثقافات مختلفة، كنت أشعر أنني لا أمثل نفسي فقط، بل أمثل جزءاً من العراق وتاريخه وهويته”.
“الجميل في الموسيقى أنها لغة لا تحتاج دائماً إلى ترجمة. قد لا يفهم الجمهور كلمات الأغنية العراقية، وقد لا يكون قد سمع المقام العراقي أو آلة السنطور من قبل، لكن الإحساس يصل. ومن أجمل اللحظات بالنسبة لي أن أرى تفاعل أشخاص من ثقافات مختلفة مع موسيقانا؛ لأن ذلك يؤكد أن الفن قادر على تجاوز اللغة والحدود”، تردف رواسي.
خلال حديثها مع “الحل نت”، تصف العزف في أرض الأندلس (إسبانيا) بشعور خاص يتصل بتاريخ طويل من التلاقي الفني وانتقال الثقافات، مشددة على أن الموسيقى لغة عابرة للحدود واللغات، تصل بالإحساس الصادق إلى الجمهور الغربي وغيره حتى لو لم يستطع فهم الكلام.
ثبات المسرح والمستقبل
تعتبر الفنانة والعازفة رواسي نمير، أن الجمهور العراقي صاحب أذن موسيقية واعية وذوق رفيع يحسد عليه، مما يجعل الوقوف أمامه مسؤولية كبيرة وطاقة استثنائية للاستمرار والتقديم بأفضل صورة.
تقول: “أحياناً يمر الفنان بلحظات تعب أو شك أو صعوبات في طريقه، لكن لحظة صادقة مع الجمهور قد تعيد إليه كل الشغف. بالنسبة لي، عندما أشعر بأن الجمهور تفاعل مع عزفي أو غنائي، أتذكر دائماً لماذا بدأت، ولماذا اخترت هذا الطريق. لذلك أعتبر محبة الجمهور واحدة من أكبر الطاقات التي تدفعني للاستمرار”.
تستذكر رواسي مواقف المسرح المفاجئة التي تختبر صلابة الفنان، كحادثة انقطاع صوت المايكروفون إثر تعثر أحد المصورين بالسلك أثناء إحدى الحفلات. هنا واصلت الغناء بصلابة وهدوء دون تشتت، معتبرة أن الثبات والتعامل الحرفي مع الطوارئ هما ما يصنعان العازف والفنان الحقيقي في الأوقات الحرجة.
“تعلمت أن الثبات مهم جداً، وأن الجمهور أحياناً لا يتذكر الخطأ نفسه بقدر ما يتذكر طريقة الفنان في تجاوزه. لذلك أصبحت أرى عثرات المسرح بمثابة دروس تمنحني خبرة وثقة أكثر في كل مرة أقف فيها أمام الجمهور”، تقول رواسي.
عن رؤيتها المستقبلية، تطمح إلى التعمق أكثر في أداء المقامات العراقية بصوتها بطريقة تليق بعظمتها وتعكس أصالتها، إلى جانب تطوير مشروعها الخاص في العزف المنفرد (Solo) على السنطور لتقديمه كآلة قائمة بذاتها وقادرة على قيادة الحفلات الكبرى والمهرجانات العالمية، مؤكدة أن الموسيقى بالنسبة لها ليست مجرد إنجاز بل رحلة تعلم واكتشاف معرفية وإنسانية مستمرة لا تتوقف عند حد.
“أرى نفسي بعد 10 سنوات، فنانة أكثر نضجاً وخبرة، جمعت بين العزف والغناء والدراسة الأكاديمية والتجربة العملية. لا أريد أن أصل إلى مرحلة أشعر فيها أنني انتهيت من التعلم، لأن الموسيقى بالنسبة لي رحلة لا تنتهي. كل ما أتمناه هو أن أكون قد تركت بصمتي الخاصة، وأن أكون ساهمت، ولو بجزء بسيط، في تقديم الموسيقى والتراث العراقي إلى العالم بطريقة تليق بتاريخ العراق وجمال فنه”، تقول الفنانة والعازفة العراقية مُختتمةً.

