لا توقف الحياة.. أوقف الألم.. وكن مثل حبة طوارئ
– نور العرادي
في قلب المشهد الثقافي العراقي، تبرز نور العرادي كإحدى البصمات الإبداعية التي جمعت بين جرأة الطرح وعمق الرؤية الإنسانية. هي ابنة البصرة بثرائها الحضاري ودفء أهلها، والكاتبة والإعلامية التي اتخذت من الكلمة جسراً للتعبير عن قضايا المجتمع ومسارات الذات، محولة تجاربها المتنوعة إلى نتاجات فكرية وأدبية تحمل نكهة خاصة وبصمة لا تُخطئها العين.
لم تكن رحلة نور مجرد مسيرة مهنية تقليدية بين الإذاعة والتلفزيون والأدب، بل كانت تجربة وجودية متصلة؛ تنقلت خلالها بين صخب الجنوب وهدوء كردستان، وصاغت من هذا التنوع الجغرافي والثقافي إدراكاً عميقاً للإنسان العراقي وتحولاته. هذا الامتداد أكسبها مرونة عالية في التقاط المنسي والمسكوت عنه، وجعلها قادرة على الحديث بلغة حرة تلامس الواقع دون مواربة.
في عالم الإعلام، خاضت نور الميدان بوعي نقدي يرفض السطحية؛ وفي أروقة الأدب، سحبت القارئ إلى مساحات أكثر اتساعاً تتجاوز السرد التقليدي لتغوص في فلسفة المشاعر، وتحديات المرأة، وأسئلة التغيير المجتمعي. إنها تجسد نموذج الفنان والكاتب الشامل الذي يتنقل بسلاسة بين صناعة المحتوى ورسم العوالم الروائية، متمسكة بمسؤولية الكلمة وأثرها الدائم.
في هذه الرحلة، نرافق نور العرادي في محطات حياتها الفارقة؛ لنكتشف كيف شكلت البصرة وعيها الأول، وكيف صقل الإعلام أدواتها الميدانية، وما أفضت إليه هجرتها ونشاطها الأدبي، وصولاً إلى رؤيتها الخاصة للحياة، الفن، وقضايا الإنسان التي تدافع عنها بشغف لا يهدأ.
نور العرادي.. جذور بصرية تنبض بالحياة والتاريخ
في 6 نيسان/ أبريل عام 1991، ولدت نور العرادي في مركز مدينة البصرة الفيحاء، المدينة العريقة التي شهدت سنوات نشأتها وتفتّح وعيها، والتي تركت أثراً إيجابياً بالغاً في تكوين شخصيتها بعيداً عن مجرد الملامح والموروث. تصف نور نفسها بأنها شخصية “لهلوبة” استمدت حركيتها وحرارتها من طقس البصرة وجوها الحار، إلى جانب العطاء بلا مقابل، والكرم، والحنان الفائض الذي تحيله فخورةً إلى كونها “بصراوية بامتياز”.
تتذكر نور نشأتها في بيئة مدرسة حكومية صقلت الطالب وأعطت قيمة حقيقية للدراسة من خلال دروس النشيد، الفنون، التربية الأسرية، والمسابقات الثقافية والرياضية؛ حيث كانت طالبة في الكشافة ولاعبة لكرة السلة. كما تركت حرب عام 2003 انطباعاً عميقاً في ذاكرتها وهي طفلة في الصف السادس الابتدائي، حين عاصرت قصف الحرب، والدخول البريطاني للبصرة، ومظاهر الصمود البسيط؛ كابتكار حلول للمواد الغذائية، والتكاتف الإنساني، وصورة الأمهات وهنّ يغسلن حدائق البيوت والشوارع أملاً في عودة المفقودين والأسرى مع التغير السياسي بسقوط نظام صدام حسين.

من “أم البرمكية” ومركز البصرة، استمدت نور العرادي قيم الجوار والتلاحم المجتمعي؛ حيث كانت البيوت تتنافس في إبراز جمال حدائقها المليئة بالزرع كرمز للرقي والثقافة. تذكر نور تلك الأماسي الساحرة عندما كان والدها والأهالي يخرجون لرش الشوارع بالماء، وتبادل الأحاديث الدافئة عبر الأسياج المنخفضة. وفي ذاكرتها يتجلى تنوع البصرة الجميل بجوار منطقة الجالية المسيحية بطقوسها ومحبتها، ومجمع سكن الطلاب العرب الوافدين من الأردن، اليمن، السودان، سلطنة عمان، ومصر، والذين كانوا يدرسون ليلاً تحت أضواء “اللالة” في الشارع عند انقطاع الكهرباء.
“هذا التنقل والعيش في مجتمع غني ومختلط”، تعتبره نور “فرصة دائمة لتشكيل وعي مبكر وصقل شخصية انفتحت عينها على العلم والتنوع منذ الصغر”. وتلخص أثر نشأتها البصرية وبداياتها بالقول، إن هذه الصورة التضامنية الأصيلة تشكل بوصلتها الدائمة التي تجعلها متمسكة بهويتها وقيمها الإنسانية مهما تغيرت الظروف.
بين الأثير والحروف: رحلة تلامس الواقع والميدان
لم يكن دخول نور العرادي عالم الإعلام وليد المصادفة، بل جاء تتويجاً لشغفها وتخصصها الأكاديمي كخريجة قسم السمعية والمرئية بكلية الفنون الجميلة عبر اختبارات قبول تنافسية وحضورية صارمة. بدأت مسيرتها المحلية وتدرجت بين المحطات منذ عام 2015 وحتى عام 2023 دون انقطاع؛ فكانت تنتقل من مؤسسة ليدخل سعيها الميداني مرحلة جديدة من النضج والخبرة.
خاضت نور تجارب متعددة في إذاعات البصرة ومؤسساتها، مثل “إذاعة تايم سكوير”، “شناشيل”، “المربد”، “هنا البصرة”، و”الحياة”، وصولاً إلى “راديو الرشيد”. وتعتبر نور أن تجربتها الميدانية كمراسلة لقناة “وطن” الفضائية على مدار 3 سنوات كانت محطة فارقة اختلطت فيها بالشارع والناس بشكل مباشر وصقلت نضجها المهني. كما تظل تجربتها في “إذاعة هنا البصرة” عبر برنامجها الصباحي الذي امتد لـ 3 ساعات يومياً، وتجربتها الفنية والاجتماعية في “راديو شناشيل” من أقرب المحطات إلى قلبها، والتي لا تزال تحتفظ بعلاقات إدارية وزمائلية وثيقة مع كادرها حتى اليوم.
من قلب الميدان يتشكل الوعي، ومن صوت الشارع تنبثق حقيقة المسؤولية
في تجاربها الميدانية والاجتماعية، عاصرت نور تظاهرات البصرة عام 2018 وكانت صوتاً ناقداً لتردي الخدمات ومطالباً بالحقوق. لكن رؤيتها النقدية تطورت مع الوقت؛ إذ أدركت كمراسلة أن الإخفاق الخدمي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطن الذي يلعب دوراً في التغيير والوعي. كما عبرت عن رضاها عن الطفرة العمرانية والخدمية الشاملة التي شهدتها البصرة في السنوات الأخيرة تحت إدارة المحافظ أسعد العيداني، مؤكدة أن سكوتها الحالي عن النقد المباشر يأتي من باب المنطق والإنصاف لكون المدينة شهدت استقراراً وتطوراً سياحياً ومعمارياً ملموساً بعد عقود من المعاناة.
وحول ذاكرة النضال والميدان، تستذكر نور بأسى في حديثها مع “الحل نت” صديقتها الناشطة المغدورة رِهام يعقوب التي اغتيلت في إب/ أغسطس 2021، مؤكدة أن رحيلها المفجع كان خسارة لامرأة مناضلة ومكافحة تعبت على نفسها في دراستها وحياتها الشخصية ورياضتها قبل كل شيء. وتوضح نور أن عتابها الدفين قبل رحيل رِهام كان بسبب حرصها عليها وعياً بالواقع السياسي، ومطالبتها لها بوضع حدود وحماية نفسها من أن تُستغل تضحيات النبلاء لصالح صراعات الكراسي، مشددة على أن ريهام ظلت رمزا للتضحية والجهد الذي لا يُنسى.
من صخب الميكروفون إلى سلام أربيل: البحث عن الذات
بعد مسيرة إعلامية حافلة استمرت 8 سنوات متواصلة، اتخذت نور العرادي قراراً بالابتعاد عن العمل التلفزيوني والإذاعي اليومي والانتقال للاستقرار في أربيل بحلول عام 2023. لم يكن قرار الانتقال مجرد مغادرة جغرافية، بل كان بحثاً عن “السلام الداخلي” ورغبة في العودة إلى العيش البسيط والتلقائي في مجتمع مدني مختلط ومتقبل ومساعد يضمن للإنسان حقوقه الأساسية من بيئة نظيفة، وخدمات مستقرة، واحترام للمساحة الشخصية.
ترى نور في أربيل بيئة مشجعة وحاضنة صقلت إنسانيتها ومكنتها من إعادة اكتشاف ذاتها بعيداً عن ضغوط المشهد الإعلامي المحلي في البصرة، والذي كان يفتقر إلى وجود قنوات فضائية ويتوقف عند حدود الإذاعات المحلية. كما عانت سابقاً في بيئتها الاجتماعية المحافظة من صعوبة تقبل بعض المبادرات الفنية أو السلوكيات البسيطة (كارتداء حزام الأمان أو رفع النفايات) دون تنمر أو أحكام مسبقة، لتجد في أربيل المساحة المسالمة التي تدعم صناعة الذات وتمنح الفرصة لكل صاحب فكرة كي يبدع.
تؤمن نور بأن الإعلام بالنسبة لها كان مرحلة أدت فيها أهم البرامج الاجتماعية والمحلية واكتفت منها، لتركز جهودها على موهبة الكتابة والأدب كمنفذ أكثر عمقاً واستقلالية. وتشدد نور على أن تركيزها الحالي ينصب نحو صياغة الرسائل الفكرية عبر الكلمة المكتوبة والرواية، بعيداً عن صخب منصات التواصل الاجتماعي ومحاولات الاستهلاك المهني غير المجدية.
وفي المقابل، تؤكد نور أن استقرارها العائلي وتقديسها لبيتها يأتيان دائماً في المرتبة الأولى؛ فمنذ بدايات ظهورها الإعلامي كانت متزوجة ومستقرة، ورغم فترة الانفصال الوجيزة التي مرت بها والتي جعلتها تفكر لفترة بالسفر الخارجي، إلا أن حياتها عادت لتتجه نحو التوازن والاستقرار بزواج جديد. وتؤكد نور بحس دافئ أن اهتمامها بعائلتها وبيتها يسبق أي بريق إعلامي، وأن نجاح المرأة الحقيقي يبدأ من قدرتها على حماية بيتها وصناعة سلامها الداخلي.
نور العرادي وحكايات الروح في صفحات الرواية
إلى جانب حضورها كـ “فنانة شاملة” تتنقل بين كتابة الأدب، والسيناريو، والإخراج، والعمل الإداري في الشركات، تجد نور العرادي في عالم الكتابة مساحة حرة للتعبير عن القضايا الإنسانية والمجتمعية المسكوت عنها. فقد أثارت في كتاباتها ورؤيتها قضايا حساسة ومهمة؛ في مقدمتها قضية “تبني الأطفال” وتحديث القوانين العراقية المجحفة بحق النساء والطفولة.
تؤكد نور بجرأة صريحة، أن دفاعها عن ملف التبني لم يأتِ من فراغ بل من قلب المجتمع الذي تعيشه؛ إذ تساءلت باستنكار عن سبب حرمان المرأة التي لم تُنجب وتطلقت لهذا السبب، أو المرأة التي لم تتزوج أساساً وتملك وظيفة وبيتاً ملكاً ومؤهلة تماماً، من حقها في منح أمومتها لطفل يتيم، وتنتقد صرامة البيروقراطية والقوانين قائلة: “الجرأة تنبثق من رحم ظلم جسيم قائم؛ فثمة تعقيدات إجرائية وتشريعات تقسو على الإنسان وتؤذيه؛ تؤذي الطفل المودع في الملاجئ والذي يظل أبد الدهر مأسورا بعقدة أنه طفل بلا نسب، وتسحق نفسية امرأة ورجل جديرَيْن بحق الرعاية، ويَحتاجان لمنح فرصة أُسرية حقيقية”، مطالبة بإعادة النظر بهذه التشريعات لحماية الأطفال والأمهات بعيداً عن القسوة القانونية.
في روايتها التي صدرت هذا العام “ما لم يولد”، جسدت نور هذه الرؤية الإنسانية، ومُقدمة أيضاً صورة منصفة ومشرقة عن شارع المتنبي الثقافي؛ حيث غاصت في كيف يمكن للكتب، ورائحة الورق، والأفكار التنويرية أن تصقل شخصية المرأة وتمنحها قوة التماسك والتصالح مع الذات. وتؤكد نور أنها كانت حريصة على عدم صبغ هذا الشارع الثقافي بأي انطباع سلبي، بل أظهرته كحضن معرفي أعاد بناء بطلة الرواية ومنحها أفقاً جديداً للحياة، رغم نقدها الواقعي والمستقل لبعض مظاهر السلوك الاجتماعي والنظرات السطحية للمرأة في الشوارع العامة ببعض المحافظات.

تتضمن الرواية فلسفة مكثفة حول حركة الزمن والمشاعر؛ تتجلى في عبارة نور المفتاحية: “القلوب تتكاثر وتتغير ونحن لا نملك قلباً واحداً”. تشرح نور هذه العبارة بمفهوم التحول والتطور العمري للإنسان؛ فالفرد في الثلاثينيات لا يملك نفس تفكير أو مشاعر مرحلة العشرينيات أو المراهقة. الإنسان بالنسبة لها في حالة تحول وتغير مستمر في آرائه وأسلوب حبه للأشياء، وما كان يراه رئيساً في الماضي قد يراه مختلفاً اليوم، مما يجعل التغير ميكانيكية طبيعية ونضجاً إنسانياً شاملاً.
كما تفرض الرواية شعار نور الفلسفي في الحياة: “لا توقف الحياة.. أوقف الألم.. وكن مثل حبة طوارئ”. تدعو نور من خلال هذه المقولة إلى ملكة الجرأة في قطع كل مصدر للأذى والوجع فوراً والانسحاب منه؛ سواء كان عملاً، أو علاقة، أو فكرة مكبلة. فالانسحاب من الألم ليس هروباً بل شجاعة، والحياة يجب أن تستمر.
وتختصر نور قضية الرواية في نصيحة ذهبية للقارئ: “غيّر مكانك وغيّر ناسك تلاقِ أحلامك وتحقق طموحك.. ولا تفكر بالزمن، بل انتفض على نفسك قبل أن تنتفض على الآخرين”. وتكشف نور أنها تعمل حالياً على تحضير روايتها الأدبية القادمة، والمخطط خروجها إلى النور إبان عام 2027 لتواصل من خلالها طرح رسائلها الفكرية والإنسانية بثبات ونضج.
اختبارات الحياة وشغفها الخفي.. العفوية والجرأة والتخطيط
تتحرك نور العرادي في حياتها اليومية بشخصية مفعمة بالتلقائية والعفوية والحكمة، رافضة منح نفسها ألقاباً تصنيفية ضيقة. وعندما تُسأل عن بطاقتها التعريفية، تكتفي نور بعبارة: “خريجة سمعية ومؤثرات مرئية – كلية الفنون الجميلة”، مؤكدة أنها تعتبر نفسها “إنسانة شاملة” وروحاً مسالمة تتسع كالماء والطبيعة، ووظيفتها في الحياة أن تكون حنونة على كل شيء قاسٍ وزارعة للطاقة الإيجابية.
تعتز نور بانتمائها لبرج الحمل، وتجد في صفاته المتمثلة في القيادة والجرأة والمجازفة المباشرة تفسيراً لشغفها ونشاطها. لكنها تكشف عن سر مستتر في شخصيتها؛ وهو أن كل حركة أو قرار جريء تتخذه -حتى وإن بدا عشوائياً أو متسرعاً للآخرين- هو في الحقيقة نتاج تخطيط دقيق ودراسة وافية مسبقة. تضحك نور مشيرة إلى أنها تخطط يومها بدقة وتستطيع تكييف الطوارئ وفق مزاجها، بل إنها حتى عندما تخطئ، يكون الخطأ نتاج تجربة مدروسة ومخطط لها بخوضها والتعلم منها بعد نضج سنوات طويلة.
وفي فلسفتها للعلاقات الإنسانية والزوجية، تؤمن نور بمفهوم “عصا التحكم” السلسة بيد المرأة، والتي لا تعني السيطرة المادية أو الإدارية القاسية، بل تعني الذكاء الموقفي، والمزاج الإيجابي، والابتسامة، والروح الفرفوشة التي تمنح البيت الدفء وتجعله ملاذاً حقيقياً للزوج. كما تؤمن نور بحرية المرأة الواعية التي تأخذ حقوقها بذكاء وهدوء دون الحاجة للصراخ أو الاستعراض، مؤكدة أن وجود الرجل والسكن العائلي المتوازن هو من أجمل المؤسسات الإنسانية في الكون.
التغيير الحقيقي يبدأ بالانتفاض على الذات قبل البحث عن حظ أو مكان جديد
بعيداً عن الأضواء وشاشات التلفزيون، تجد نور مساحات شخصية لاستعادة طاقتها من خلال الحركة، والتنظيم الإداري، والمطالعة، وشغف كتابة السيناريو. ترفض التفاخر بالمهارات، وتفضل أن تدع أعمالها القادمة ورواياتها وظهورها هو من يتحدث عنها ويثبت حضورها لدى الجمهور والمتابعين.
ترى نور العرادي، أن المجتمع العراقي والعربي بحاجة ماسة إلى ثورة فكرية وإنسانية تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان بعيداً عن الأحكام السطحية أو النظرات الفردية الضيقة. وتشدد على ضرورة نشر التوعية المجتمعية واللطف، والحد من مظاهر التحرش والقسوة، وتطوير المناهج والبيئة التربوية والخدمية لتمكين الأجيال القادمة من البناء والابتكار.
في نهاية الرحلة، تقدم العرادي نصيحتها لكل إنسان وطامح للتغيير: “لا تتوقف عند حظك أو مكانك، غيّر بيئتك وأفكارك، وانتفض على ذاتك لتكتشف إمكانياتك الحقيقية دون أن تصبح مظهراً للأذى”. إنها باختصار، دعوة للصمود والإنسانية، ترسلها نور لكل روح تبحث عن الحرية والسلام في هذا العالم.

