أعادت الأحكام الأولى الصادرة عن محكمة الجنايات العسكرية في حلب بملف أحداث الساحل السوري فتح نقاش يتجاوز مقدار العقوبة إلى الأساس القانوني الذي بنت المحكمة الحكم عليه، بعدما حكمت بالسجن 20 عاماً على باسل مرعي الحسن، أحد منتسبي وزارة الدفاع، إثر إدانته بالقتل القصد، مقابل حكم بالإعدام على هادي قبلان في ملف آخر من الأحداث ذاتها.
والسؤال الذي يطرحه هذا التفاوت لا يتعلق، من الناحية القانونية، بمقارنة رقمين في العقوبة فقط. فالمحكمة لم تُدن المتهمين بالتهم نفسها بالتهم، كما أن المحكمة أصدرت في الجلسة ذاتها حكماً بالسجن المؤبد بحق متهم ثالث وبرأت رابعاً.
لكن قضية الحسن تضع في الواجهة سؤالاً أكثر تحديداً: لماذا اعتبرت الواقعة قتلاً قصداً وفق المادة 533، ولم تر فيها صورة أشد من صور القتل المقصود المنصوص عليها في المادتين 534 أو 535؟
الحكم الذي فتح باب الأسئلة
في 17 أيلول/سبتمبر، أصدرت محكمة الجنايات العسكرية في حلب أربعة أحكام في قضايا مرتبطة بانتهاكات الساحل.

وجرّمت باسل مرعي الحسن بجناية القتل القصد وحكمت عليه بالسجن 20 عاماً، مع احتساب مدة توقيفه الاحتياطي، وفي ملف آخر، حكمت بالإعدام على هادي قبلان بعد إدانته بجرائم تتعلق بإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي والاشتراك في عصابة مسلحة، فيما حكمت بالمؤبد على تهاني أحمد وبرأت حسن حليبية.
وتعود حساسية قضية الحسن إلى تسجيل مصور متداول يظهر واقعة قتل مباشرة، وفي المقطع، يظهر الحسن وهو مسلح يقترب من مدني ويطلب منه النظر إلى الكاميرا قبل إطلاق النار عليه، وحينما يسقط الضحية، يلحق به الحسن إلى شرفة المنزل ثم يتبعه ويطلق النار مجدداً.
وأصبحت طريقة ارتكاب الفعل نفسها جزءاً من الجدل حول الوصف القانوني الذي انتهت إليه المحكمة.
لكن المعلومات التي نشرتها الجهات المعنية عن منطوق الحكم لا يتضمن حتى الآن حيثيات تفصيلية تشرح لماذا اعتمدت المحكمة وصف القتل القصد، أو لماذا لم تأخذ بإحدى صور القتل الأشد. وهذه الفجوة بين منطوق الحكم وأسبابه تجعل تقييم التكييف بصورة نهائية من خارج ملف الدعوى أمراً صعباً.
القتل قصداً أم عمداً؟
ينص قانون العقوبات السوري لعام 1949 في المادة 533 على معاقبة من يقتل إنساناً قصداً بالأشغال الشاقة من 15 إلى 20 عاماً.
أما المادة 534 فترفع العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة في حالات محددة، بينها القتل لسبب سافل، أو قتل شخصين أو أكثر، أو عندما يقترن الفعل بأعمال التعذيب أو “الشراسة نحو الأشخاص”.
وتنص المادة 535 على أن الإعدام إذا ارتُكب القتل قصداً “عمداً”، إضافة إلى حالات أخرى حددها القانون.
وبذلك لا يدور الخلاف حول وجود نية القتل وحدها، فالقتل القصد يفترض أصلاً اتجاه إرادة الجاني إلى إزهاق الروح، النقاش يتعلق بما إذا كانت الوقائع تكشف عن عنصر إضافي يرفع الجريمة إلى صورة مشددة أو إلى القتل العمد وفق المفهوم القانوني السوري.
المحقق في جرائم الحرب ياسر شالاتي يرى أن التكييف الذي انتهت إليه المحكمة لا يتناسب مع الوقائع الظاهرة في التسجيل.
ويقول شالاتي في حديثه لـ”الحل نت”، إن التفسير القائم على عدم معرفة الجاني بالضحية سابقاً لنفي العمد لا يستقيم قانونياً، لأن المعرفة الشخصية المسبقة، وفق قراءته، ليست شرطاً بحد ذاتها لقيام العمد.
ويذهب شالاتي إلى أنه إذا ثبت أن الجاني ذهب إلى المنطقة واختار الضحية على أساس انتمائها الطائفي أو انتماء مفترض، فإن ذلك يمكن أن يدخل في تقييم القصد والدافع حتى من دون وجود معرفة شخصية سابقة بين الجاني والضحية.
إن التوقف عند الضحية، ومناداتها، وطلب النظر إلى الكاميرا، ثم إطلاق النار وملاحقتها وإطلاق النار عليها مجدداً، كلها عناصر يرى أنها تستوجب تفسيراً واضحاً لعدم اعتماد وصف أشد.
المحقق في جرائم الحرب ياسر شالاتي
أما المحامي السوري إيهاب عبد ربه فيعتبر أن التكييف القانوني “خاطئ”، ويفرق بين حالة تتولد فيها نية القتل بصورة مباشرة خلال واقعة مفاجئة، وبين حالة يظهر فيها، بحسب تقييمه للتسجيل، قدر من الهدوء والملاحقة والاستمرار في تنفيذ الفعل.
ويقول عبد ربه في حديثه لـ”الحل نت”: “على سبيل المثال وقعت مشاجرة، وخلال المشاجرة أطلق شخص النار على الآخر في مقتل، هنا يتضح نية القتل المباشرة ولكن دون التخطيط والتعمد، لكن في حالة هذا الجندي، فالفيديوهات ترينا إياه خارج أرض المعركة ودون أي توتر، ولا يوجد معارك، وقد لاحق الضحية عدة مرات حتى قتلها، فهذا يعكس التخطيط (الخروج إلى أرض مدنية على اساس طائفي) والتعمد من خلال الملاحقة والقتل”.
هل خففت المحكمة العقوبة أم اختارت توصيفاً أخف؟
فإذا كانت المحكمة قد طبقت المادة 533، فإن الحكم 20 عاماً يقع ضمن العقوبة المقررة لهذه المادة، وعند حدها الأعلى وفق النص المتاح لقانون العقوبات، وبالتالي، فإن السؤال عن “تخفيف العقوبة” قد يكون موجهاً إلى المكان الخطأ.
شالاتي يلخص المسألة بالقول إن “التخفيف حدث بالتوصيف”، أي إن اختيار وصف القتل القصد البسيط هو الذي رسم السقف القانوني للعقوبة.
وهنا تبرز المادة 534 بصورة خاصة، إذ يذكر القانون ضمن حالات التشديد “أعمال التعذيب أو الشراسة نحو الأشخاص”.
ويرى الخبيران أن السلوك الظاهر في التسجيل، بما في ذلك إطلاق النار على الضحية ثم ملاحقتها وإطلاق النار عليها مرة أخرى، كان يستدعي من المحكمة بيان ما إذا كانت قد بحثت انطباق هذا الظرف، ولماذا أخذت به أو استبعدته.
الإعدام في ملف آخر.. أين تبدأ المقارنة؟
من جهة أخرى، حكمت المحكمة على قبلان بالإعدام بعد إدانته بجنايات تتعلق بالاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي والتسليح والتحريض على القتل والاشتراك في عصابة مسلحة أدت أفعالها، وفق التغطيات المنشورة، إلى مقتل أكثر من شخصين.
قانونياً، لا تكفي المقارنة بين “الإعدام” و”20 عاماً” للوصول وحدها إلى نتيجة بوجود تمييز، لأن التهم والوقائع والأساس القانوني في الملفين مختلفة.
والمقارنة الدقيقة تحتاج إلى لوائح الاتهام والأدلة وطلبات النيابة ودفوع الدفاع، ثم الأسباب التي بنت عليها المحكمة كل حكم.
لكن شالاتي يذهب أبعد من ذلك، ويقول، بوصفه رأياً شخصياً مستنداً إلى قراءته للوقائع، إنه لا يرى سبباً قانونياً للتوصيف الأخف في قضية الحسن، ويعتقد أن انتماء المتهم كان عاملاً في ذلك.
“برأيي، السبب يعود إلى عدم نزاهة القضاء، إذ لا توجد إرادة لإصدار حكم بالإعدام، بما يتيح لاحقاً تخفيف العقوبة أو إسقاط جزء منها عبر عفو محتمل”.
المحامي السوري إيهاب عبد ربه
وكان المركز السوري للعدالة والمساءلة قد أشار إلى أن المحكمة فصلت المتهمين بعد الجلسة الأولى إلى مجموعتين بحسب انتمائهم، إحداهما لمنتسبي الحكومة والأخرى لمنتسبي نظام الأسد السابق.
مشكلة أكبر من قضية قتل واحدة
وبالنظر إلى القانون السوري الحالي على التعامل مع الجرائم الدولية، ويقول المركز السوري للعدالة والمساءلة إن قانون العقوبات السوري يجرّم القتل والاحتجاز غير المشروع والخطف وبعض أشكال التعذيب، لكنه يفتقر إلى نصوص خاصة بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والاختفاء القسري ومسؤولية القيادة.
وفق المركز، حاولت النيابة معالجة هذه الفجوة من خلال الجمع بين أحكام القانون السوري والإعلان الدستوري واتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي وتعريفات دولية أخرى، إلا أن ذلك يثير بدوره إشكاليات تتعلق بمبدأ الشرعية وتحديد العقوبة الواجبة التطبيق.
فهو يرى أن معالجة ما جرى في الساحل باعتباره سلسلة من الجرائم الجنائية العادية تجعل التوصيف القانوني عاجزاً عن استيعاب طبيعة الأفعال في حال ارتباطها بنزاع مسلح أو بنمط أوسع من الانتهاكات.
وقال إن القانون السوري الحالي “عاجز عن النظر في هذا النوع من الجرائم”، داعياً إلى إدخال التشريعات المتعلقة بالجرائم الدولية ومسؤولية القيادة ضمن الإطار القانوني الداخلي.
فالمركز السوري للعدالة والمساءلة حذر أيضاً، في تقييم أوسع للمحاكمات الجارية، من أوجه قصور في ضمانات المحاكمة العادلة وطريقة اختبار الأدلة وحقوق الدفاع، مشدداً على أن مصداقية العدالة لا ينبغي أن تقاس بمدى قسوة الأحكام وحدها، خصوصاً عندما تصل العقوبة إلى الإعدام.
روايتان لطبيعة الانتهاكات
من جهة أخرى قالت اللجنة الوطنية السورية للتحقيق وتقصي الحقائق إن الانتهاكات التي طالت المدنيين خلال أحداث آذار/مارس ارتكبها أفراد ومجموعات صغيرة بدوافع مختلفة، ووصفتها بأنها ذات طابع فردي وعشوائي وغير ممنهج.
في المقابل، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا إلى أن موجة العنف شهدت أفعالاً قد ترقى إلى جرائم حرب، ارتكبها مقاتلون موالون للحكومة السابقة وأفراد من قوات الحكومة الحالية وأشخاص آخرون.
والفارق بين القراءتين ليس تفصيلاً لغوياً، فإذا تعامل القضاء مع كل واقعة على أنها جريمة فردية معزولة، تتركز المسؤولية على المنفذ المباشر. أما التحقيق في الجرائم الدولية فيفتح أسئلة إضافية عن السياق والنمط والأوامر والتحريض والمساعدة ومسؤولية القيادات.
وهذا ما يجعل سؤال شالاتي حول قدرة المحاكمات الحالية على الوصول إلى “المنظومة” وليس فقط المنفذين المباشرين جزءاً أساسياً من النقاش حول العدالة الانتقالية.
في النهاية، لا يستطيع منطوق الحكم وحده الإجابة عن الأسئلة التي أثارتها قضية باسل الحسن.
فالحكم بالسجن 20 عاماً يخبر بما انتهت إليه المحكمة، لكنه لا يشرح، في الصيغة المنشورة للعامة، لماذا اعتبرت الواقعة قتلاً قصداً بسيطاً، ولا ما إذا كانت ناقشت ظروف التشديد أو العمد ثم استبعدتها.
في حين يؤكد عبد ربه أن المحكمة ملزمة بتعليل حكمها قانونياً، ويعتبر الاطلاع على الحيثيات شرطاً لتقييم سلامة التكييف.
- بين القتل القصد والعمد.. لماذا انتهت قضية باسل الحسن إلى 20 عاماً؟
- موظفو الشؤون الاجتماعية في إدلب يحتجون على تدني الرواتب
- أين ذهبت مستحقات القمح؟ مزارعو الحسكة ينتظرون منذ شهور
- منتجع سكني فوق أراضٍ زراعية.. مزارعو ريف حماة يطالبون بوقف المشروع
- غلاء المحروقات يثقل كاهل السوريين.. وينهي سردية “النفط خارج سيطرة الدولة”

