ما بين النفي والتأكيد.. كيف تحولت رواية حريق ميناء دمياط في مصر إلى هجوم بـ”مسيرة”

ميناء دمياط

أثار الإعلان المصري عن تعرض سفينتين داخل ميناء دمياط لهجوم بطائرة مسيّرة موجة واسعة من الجدل، بعدما انتقلت الرواية الرسمية خلال ساعات من الحديث عن حريق محدود لم تُعرف أسبابه إلى تأكيد أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الواقعة نتجت عن استهداف بطائرة بدون طيار.

وتعد الحادثة غير مسبوقة حيث تطال أحد أهم موانئ الطاقة في مصر، كما تأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً متسارعاً يطال الممرات البحرية ومنشآت الطاقة.      

من الحريق إلى الهجوم

بدأت القصة، الأربعاء، عندما نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر أمنية وتجارية أن هجوماً بطائرة مسيّرة تسبب في اندلاع حريق داخل ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط، قبل أن تعلن وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية اندلاع حريق في سفينة التغييز وسفينة التخزين الموجودتين بالميناء، مؤكدة أن فرق الإطفاء تعاملت مع الحادث فور وقوعه، وأنه لم يسفر عن أي إصابات أو خسائر بشرية، دون الإشارة آنذاك إلى أسباب الحريق أو احتمال وجود استهداف خارجي.        

وفي صباح اليوم التالي، حسم مجلس الوزراء المصري الجدل بإصدار بيان أكد فيه أن التحقيقات الأولية التي أجرتها الجهات المختصة عقب السيطرة على الحريق أظهرت أن الواقعة “ناتجة عن طائرة مسيّرة”، موضحاً أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف ملابساته واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي.  

اندلاع حريق داخل ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط- إنترنت

ويمثل هذا التحول في الرواية الرسمية أول تأكيد حكومي بأن منشأة استراتيجية مصرية تعرضت لاستهداف مباشر بطائرة مسيّرة، في وقت تزداد فيه المخاوف من امتداد تداعيات الصراع الإقليمي إلى دول لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهات العسكرية الجارية.

وتكتسب الواقعة أهمية استثنائية بالنظر إلى الموقع الذي استهدفته، إذ يعد ميناء دمياط أحد أبرز مراكز استقبال الغاز الطبيعي المسال في مصر، ويضم وحدات عائمة لإعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية، وهي منشآت تعتمد عليها القاهرة لتأمين احتياجات السوق المحلية، خصوصاً خلال أشهر الصيف التي يرتفع فيها الطلب على الكهرباء والغاز. 

أضرار تتجاوز الحريق

أفادت شركة “كيبلر” المتخصصة في تحليلات الطاقة بأن السفينتين تعرضتا لأضرار أدت إلى تعطيل العمليات في الميناء بصورة مؤقتة، مشيرة إلى أنه تم سحبهما إلى عرض البحر حتى انتهاء عمليات التقييم الفني.

مركبات تمرُّ أمام لوحة إرشادية تشير إلى ميناء دمياط في مصر- إنترنت

 كما ذكرت شركة “أمبري” البريطانية للأمن البحري، في تقييم أولي، أن طائرة مسيّرة أصابت ناقلة تخزين غاز مملوكة لشركة أميركية داخل ميناء دمياط، بينما أكدت شركة “إنشكيب لخدمات الموانئ” اندلاع النيران في ناقلتي غاز بالميناء، وهو ما عزز الرواية التي تحدثت منذ الساعات الأولى عن تعرض الميناء لهجوم مباشر.                       

وتشير البيانات المتوافرة إلى أن إحدى الوحدات المتضررة هي “إنرجوس وينتر”، وهي وحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغييزه، مملوكة لشركة “إنرجوس إنفراستركتشر” الأميركية، بينما تتولى شركة “ويلهلمسن شيب مانجمنت” إدارة عملياتها الفنية والتشغيلية، وهو ما يضفي بعداً دولياً على الحادث نظراً لارتباطه بأصول وشركات أميركية تعمل في قطاع الطاقة.

أبعاد دولية للحادث

في تطور لافت، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إدارته تلقت إحاطة بشأن ما جرى في مصر، موضحاً للصحفيين في البيت الأبيض أنه أُبلغ بتعرض ناقلتين قبالة السواحل المصرية لهجوم بطائرة مسيّرة، في إشارة تعكس اهتمام واشنطن بالحادث، لا سيما مع وجود أصول أميركية ضمن المنشآت المستهدفة.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب- إنترنت

ورغم صدور البيان الحكومي المصري، فإن هوية الجهة المنفذة لا تزال مجهولة، إذ لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية، كما لم تصدر السلطات المصرية أي اتهامات مباشرة لأي طرف، وهو ما يجعل جميع السيناريوهات مفتوحة بانتظار نتائج التحقيقات النهائية.

ويأتي الهجوم في سياق إقليمي بالغ التعقيد، إذ تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ أسابيع تصعيداً عسكرياً واسعاً شمل هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت قواعد عسكرية ومنشآت للطاقة وطرق الملاحة، بالتوازي مع استمرار الهجمات على السفن في البحر الأحمر، واتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما في المنطقة، الأمر الذي رفع مستوى المخاطر التي تواجه حركة التجارة وإمدادات الطاقة في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

أسئلة بلا إجابات

في الداخل المصري، أثارت الواقعة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ربط بعض المعلقين بين توقيت الهجوم والتطورات العسكرية الإقليمية، معتبرين أنه قد يمثل محاولة لجرّ مصر إلى دائرة الصراع، بينما دعا آخرون إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية وعدم الانسياق وراء التكهنات، خاصة أن السلطات لم تحدد حتى الآن مصدر الطائرة المسيّرة أو الجهة التي أطلقتها.

اندلاع حريق داخل ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط- إنترنت

وبين الرواية الأولى التي تحدثت عن حريق مجهول السبب، والتأكيد الرسمي اللاحق بأن طائرة مسيّرة كانت وراء الحادث، يبقى استهداف ميناء دمياط تطوراً أمنياً لافتاً يسلط الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في المنطقة.

 وتطرح الواقعة تساؤلات بشأن قدرة الهجمات غير التقليدية على توسيع رقعة المواجهة الإقليمية، حتى في الدول التي تحاول البقاء خارج دائرة الصراع المباشر، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات المصرية بشأن هوية المنفذين والدوافع الحقيقية وراء العملية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم