بعد انتهاء مهلة استبدال العملة.. ماذا ينتظر اقتصاد سوريا؟

استبدال العملة

مع انقضاء المهلة المحددة من قبل مصرف سوريا المركزي لاستبدال العملة الوطنية القديمة بالأوراق النقدية الجديدة، يدخل الاقتصاد السوري في مرحلة أكثر حساسية من مجرد تنفيذ عملية فنية لإحلال النقد، إذ تتحول الأنظار من نجاح عملية الاستبدال بحد ذاتها إلى قدرتها على إحداث أثر ملموس في استقرار الاقتصاد وتحسين معيشة المواطنين.

 فبعد أشهر من تنفيذ واحدة من أكبر عمليات إعادة هيكلة النقد في تاريخ البلاد، والتي هدفت إلى حذف صفرين من العملة وتحديث تصميم الأوراق النقدية، بات السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت هذه الخطوة ستشكل بداية إصلاح اقتصادي شامل، أم أنها ستبقى مجرد إجراء نقدي محدود الأثر في ظل استمرار التحديات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد السوري.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

 تشير بيانات مصرف سوريا المركزي إلى أن أكثر من 63 بالمئة من الكتلة النقدية المستهدفة جرى استبدالها قبل تمديد المهلة حتى نهاية تموز/ يوليو الجاري، في محاولة لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من المواطنين لاستكمال العملية.

في هذا السياق، تشير القراءات الأكاديمية والمصرفية، ومنها ما طرحه أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، إلى أن انتهاء مهلة استبدال العملة يمثل إغلاقاً لمرحلة تقنية اتسمت بإعادة تنظيم التداول النقدي، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام ما يصفه بـ”الاختبار الحقيقي” للاقتصاد السوري، وفقًا لصحيفة “الوطن”.

العملة السورية الجديدة- إنترنت

 ويؤكد أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس بعدد الأوراق النقدية التي دخلت المصارف أو خرجت من التداول، وإنما بقدرتها على إعادة بناء الثقة بالليرة السورية واستعادة دورها كوعاء للادخار ووسيلة مستقرة للتبادل، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت السلطات النقدية ستتمكن من تحويل الإنجاز الإداري إلى نتائج اقتصادية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ويشير إلى أن المؤشر الأول الذي سيحكم على نجاح عملية استبدال العملة هو استقرار سعر الصرف، باعتباره المرآة الأسرع التي تعكس ثقة الأسواق بالسياسة النقدية، موضحاً أن نجاح الإصلاح يفترض أن يؤدي إلى تضييق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بصورة مستدامة، لأن استمرار وجود سوقين للعملة أو اتساع الفارق بينهما يعني أن الثقة لم تعد بعد إلى الليرة، وأن الإجراءات النقدية لم تنجح في احتواء توقعات المضاربين أو كبح الطلب على العملات الأجنبية.

ثلاثة مؤشرات للحكم على النجاح

أما المؤشر الثاني فيتمثل في تطور معدلات التضخم، إذ يوضح محمد أن أي استقرار حقيقي في سعر الصرف ينبغي أن ينعكس تدريجياً على وتيرة ارتفاع الأسعار، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بصورة واسعة على الواردات والمواد الأولية المستوردة.

المواطن لن يقيس نجاح عملية استبدال العملة بشكل الأوراق النقدية الجديدة، وإنما بقدرته على شراء احتياجاته الأساسية دون أن تتآكل قوته الشرائية مع كل ارتفاع جديد في الأسعار.

أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد

ويضيف أن المؤشر الثالث يتمثل في قدرة القطاع المصرفي على استعادة دوره في تجميع المدخرات، موضحاً أن عودة الودائع إلى المصارف ستكون الدليل الأوضح على استعادة الثقة بالمؤسسات المالية.

كيف ينعكس الإصلاح على معيشة السوريين؟

يرى محمد أن إعلان مصرف سوريا المركزي بصورة دورية حجم الكتلة النقدية التي عادت إلى النظام المصرفي سيشكل اختباراً حقيقياً لنجاح العملية، لأن بقاء معظم الأموال خارج المصارف يعني أن المواطنين ما زالوا يفضلون الاحتفاظ بالنقد في المنازل أو تحويله إلى الدولار والذهب، وهو ما يحد من فعالية السياسة النقدية ويقلص قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي.

تشير بيانات مصرف سوريا المركزي إلى أن أكثر من 63 بالمئة من الكتلة النقدية المستهدفة جرى استبدالها قبل تمديد المهلة حتى نهاية تموز- إنترنت

ويؤكد أن استبدال العملة، مهما بلغت دقته التنظيمية، لن ينعكس على المستوى المعيشي ما لم يترافق مع حزمة إصلاحات اقتصادية متكاملة، ليضع في مقدمة هذه الإصلاحات وقف تمويل العجز المالي عبر الإصدار النقدي، معتبراً أن لجوء الحكومات إلى طباعة العملة لتغطية نفقاتها كان أحد أبرز أسباب تدهور قيمة الليرة خلال السنوات الماضية.

 كما يدعو إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم وتحويلها إلى دعم نقدي مباشر يستهدف الأسر الأكثر احتياجاً، بما يحد من الهدر ويحسن كفاءة الإنفاق العام، إلى جانب إعادة توجيه الائتمان المصرفي نحو القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها الأكثر قدرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج المحلي، بدلاً من التوسع في القروض الاستهلاكية التي تغذي الطلب دون زيادة المعروض، ما يؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية.

مخاطر ما بعد انتهاء المهلة

في المقابل، يحذر أستاذ التمويل والمصارف من أن الاكتفاء باستبدال العملة دون استكمال الإصلاحات قد يفضي إلى مخاطر اقتصادية جديدة، أبرزها عودة التضخم بوتيرة مرتفعة أو اتساع ظاهرة “الدولرة”، حيث يفضل الأفراد الاحتفاظ بالدولار أو العملات الأجنبية بدلاً من الليرة السورية، وهو ما يضعف قدرة مصرف سورية المركزي على إدارة السياسة النقدية والتأثير في الأسواق.

كما يشدد على أن تعزيز الشفافية بات ضرورة ملحة، داعياً إلى نشر البيانات النقدية بصورة منتظمة والإعلان عن نتائج عملية الاستبدال وأثرها على الكتلة النقدية والسيولة، لأن غياب المعلومات الدقيقة يفتح المجال أمام الشائعات ويقوض الثقة بالإجراءات الحكومية.

كما يرى أن إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي تتطلب إصلاحاً مؤسسياً يتجاوز تحديث العملة، ويشمل تطوير الخدمات المصرفية، وتعزيز وسائل الدفع الإلكتروني، وضمان سرية الحسابات، ورفع كفاءة الرقابة والإدارة داخل المؤسسات المالية، بما يضمن عدم تحول الودائع الجديدة إلى موجة سحب جماعية عند أول أزمة اقتصادية أو سياسية.

 ويؤكد أن إصلاح مصرف سوريا المركزي نفسه، وتعزيز استقلالية قراراته، سيكونان من أهم العوامل التي تحدد قدرة الاقتصاد على الانتقال من مرحلة الاستقرار النقدي المؤقت إلى مرحلة التعافي المستدام.

هل يكفي تغيير العملة لإنقاذ الاقتصاد؟

بحسب تقديرات العديد من المؤسسات الاقتصادية فإن حذف الأصفار من العملة أو استبدال الأوراق النقدية لا يؤدي، في حد ذاته، إلى تحسين قيمة العملة أو رفع مستويات الدخل، بل يحقق فوائد تنظيمية ونفسية تتعلق بتبسيط المعاملات وتعزيز الثقة، شريطة أن يترافق مع سياسات مالية ونقدية منضبطة وإصلاحات هيكلية تعالج جذور الاختلالات الاقتصادية.

وقد حذرت تقارير اقتصادية دولية من أن نجاح عملية إعادة تقييم العملة يبقى رهناً بقدرة الحكومة على ضبط الإنفاق العام، وتحفيز الاستثمار، واستعادة النشاط الإنتاجي، وليس بمجرد تغيير شكل الأوراق النقدية أو حذف الأصفار منها.

تشير بيانات مصرف سوريا المركزي إلى أن أكثر من 63 بالمئة من الكتلة النقدية المستهدفة جرى استبدالها قبل تمديد المهلة حتى نهاية تموز- إنترنت

ويخلص محمد إلى أن انتهاء مهلة استبدال العملة لا يمثل نهاية عملية الإصلاح، بل بدايتها الفعلية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في جمع الأوراق النقدية القديمة أو توزيع الجديدة، وإنما في استعادة ثقة المواطنين بالاقتصاد الوطني.

ويؤكد أن الليرة السورية لن تستعيد مكانتها بمجرد تغيير تصميمها أو قيمتها الاسمية، بل عندما تصبح قادرة على الاحتفاظ بقوتها الشرائية، ويشعر المواطن بأن دخله أصبح أكثر استقراراً، وأن الأسعار باتت أقل تقلباً، وأن المصارف عادت لتؤدي دورها الطبيعي في تمويل التنمية.

 لذلك، فإن الإجابة عن السؤال المطروح اليوم لا تتعلق بما إذا كانت عملية استبدال العملة قد نجحت فنياً، وإنما بما إذا كانت ستتحول إلى نقطة انطلاق لإصلاح اقتصادي شامل، أم ستبقى مجرد تغيير في الوجه النقدي لأزمة اقتصادية ما تزال أسبابها العميقة تنتظر المعالجة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم