فيما بدا في بدايات الحرب مجرد ضغوط مؤقتة على الاقتصاد الإيراني، أخذت المؤشرات خلال الأشهر الأخيرة تتجه نحو أزمة أكثر عمقاً واتساعاً، بعدما تحولت الخسائر الاقتصادية إلى جبهة موازية للعمليات العسكرية، وربما أكثر تأثيراً على المدى الطويل.
فمع استمرار المواجهة وتوسع الضغوط الأميركية على صادرات النفط والتجارة الخارجية، بات الاقتصاد الإيراني يواجه اختبارات غير مسبوقة، تتجلى في أزمة وقود خانقة، واضطرابات مصرفية واسعة، وارتفاع متسارع في معدلات التضخم، وانكماش اقتصادي يهدد بدخول البلاد مرحلة ركود طويلة، في مشهد يعكس أن المعركة الاقتصادية سبقت العسكرية، لكنها اليوم أصبحت أكثر كلفة وتأثيرًا على حياة الإيرانيين.
الوقود الأكثر تضرراً من الحرب
يبرز قطاع الوقود باعتباره أحد أكثر القطاعات تضرراً من الحرب، فقد أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، في 28 تموز/يوليو، خفض حصة البنزين المدعوم من 70 لتراً إلى 50 لتراً شهرياً للفرد، في ثاني تقليص من نوعه خلال العام الجاري، بعدما كانت الحصة قد خُفضت سابقاً من 100 لتر إلى 70 لتراً بعد نحو شهر من اندلاع الحرب.
ويعكس القرار حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة في تأمين احتياجات السوق المحلية، بعدما تراجعت الطاقة الإنتاجية للمصافي، واضطرت البلاد إلى استيراد كميات إضافية من البنزين باستخدام احتياطياتها المحدودة من العملات الأجنبية.

وبررت الحكومة القرار بأن الإنتاج المحلي لا يتجاوز حالياً 100 مليون لتر يومياً، بينما تتطلب مستويات الاستهلاك كميات أكبر، الأمر الذي يفرض استيراد الفجوة بالعملة الصعبة التي تحتاجها الدولة أيضاً لاستيراد الغذاء والدواء والمواد الأولية للصناعة، كما أكدت أن إعادة تنظيم نظام الدعم وإدارة الاستهلاك أصبحا ضرورة لا يمكن تأجيلها لإعادة التوازن إلى سوق الوقود.
وتنعكس هذه الأزمة بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، ففي محطات الوقود، تمتد طوابير السيارات لساعات طويلة، بينما يجد كثيرون أنفسهم عاجزين عن شراء البنزين بالسعر التجاري خارج منظومة الدعم.
ويقول مهدي، وهو معلم إيراني، إن انتظار ساعات طويلة أمام محطات الوقود أصبح جزءاً من حياته اليومية، مضيفاً أنه لا يستطيع تحمل تكلفة الوقود الحر الذي يباع بأسعار تفوق قدرته الشرائية، وفقاً لـ”الحرة”.
رواتب تتبخر واقتصاد يترنح
لا تقف الأزمة عند حدود الوقود، إذ تتزامن مع أزمة مالية خانقة طالت رواتب العاملين في القطاع العام، ويؤكد مهدي أنه لم يتقاض راتبه منذ أكثر من ثلاثة أشهر، فيما يروي لقمان، وهو موظف في بلدية إيلام غرب إيران، أنه لم يحصل على راتبه منذ أكثر من سبعة أشهر، واضطر إلى الاستدانة مراراً لتأمين الاحتياجات الأساسية لعائلته، وهو ما يعكس حجم الضائقة المالية التي تواجهها مؤسسات الدولة في ظل تراجع الإيرادات العامة.
تأتي هذه التطورات فوق أرضية اقتصادية كانت تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية عميقة قبل اندلاع الحرب، فقد دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة الصراع وهو يرزح تحت وطأة العقوبات الغربية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة المحلية، وانخفاض الاستثمارات، وهو ما جعل قدرته على امتصاص الصدمات محدودة للغاية.
وزادت الضغوط بعد تشديد الولايات المتحدة القيود على الصادرات الإيرانية وفرض إجراءات بحرية حدّت من قدرة طهران على تصدير النفط واستيراد السلع، ما أدى إلى تراجع حاد في تدفقات النقد الأجنبي، وهي المصدر الرئيسي لتمويل الواردات وسد احتياجات السوق المحلية.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الإيراني يتجه نحو انكماش بنسبة 6.1 بالمئة خلال عام 2026، في وقت يُتوقع أن يقترب التضخم من 70 بالمئة إذا استمرت الظروف الحالية، بعدما تجاوز بالفعل 50 بالمئة خلال عام 2025، بينما فقد الريال الإيراني نحو 60 بالمئة من قيمته خلال الأشهر التي أعقبت التصعيد العسكري.
شلل مصرفي يفاقم الأزمة
تعكس المؤشرات النقدية هذا التدهور بصورة واضحة، إذ أصبحت الأسعار تتغير بوتيرة شبه يومية، فيما تتآكل القوة الشرائية للأسر بشكل متواصل، وهو ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نشر رسم بياني عبر منصة “تروث سوشال” يظهر الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية منذ مطلع عام 2025، معتبراً أن الاقتصاد الإيراني يواجه موجة تضخم غير مسبوقة.
وبالتوازي مع أزمة الوقود، يواجه القطاع المصرفي الإيراني اضطرابات حادة منذ أكثر من شهرين، بعدما تعطلت خدمات عدد من البنوك، وفقد ملايين العملاء القدرة على الوصول إلى حساباتهم أو استخدام بطاقات الدفع الإلكترونية، في بلد يعتمد بصورة واسعة على المدفوعات الرقمية نتيجة نقص السيولة النقدية.

وتقول الإيرانية روناك بانيي إن بطاقتها المصرفية توقفت عن العمل بشكل مفاجئ منذ حزيران/يونيو الماضي، وعندما راجعت البنك أبلغها الموظفون بوجود “مشكلة تقنية” سيتم حلها خلال أسبوعين، إلا أن الأزمة استمرت لأكثر من شهر دون أي تغيير، ما جعلها عاجزة عن شراء احتياجاتها اليومية.
ورغم اتهام السلطات الإيرانية إسرائيل بالوقوف وراء هجمات إلكترونية استهدفت القطاع المصرفي، فإن مسؤولين إيرانيين أقروا بأن جزءاً كبيراً من الهجمات انطلق من داخل البلاد.
وأعلن الرئيس التنفيذي لشركة البنية التحتية للاتصالات الإيرانية، بهزاد أكبري، تسجيل نحو 350 ألف حادثة أمنية رقمية يومياً مصدرها الشبكة المحلية، وهو ما يسلط الضوء على هشاشة البنية الرقمية للقطاع المالي، ويعزز المخاوف من أن الأزمة تتجاوز مجرد هجمات إلكترونية إلى مشكلات بنيوية داخل النظام المصرفي نفسه.
فاتورة تراكمات عمرها عقود
يرى محللون اقتصاديون أن القطاع المصرفي الإيراني بات يعاني من تراكم أزمات ممتدة منذ عقود، نتيجة السياسات النقدية والمالية، وضعف الحوكمة، وارتفاع الديون، الأمر الذي جعل الحرب تكشف هشاشته بدلًا من أن تكون سبباً وحيداً في انهياره.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد الإيراني لا يمكن تفسيرها بالعمليات العسكرية وحدها، بل هي نتاج تراكمات طويلة من الاختلالات الاقتصادية التي سبقت الحرب بسنوات.
ويشير وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك” إلى أن تقديرات الحكومة الإيرانية تضع حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير عند نحو 270 مليار دولار، بينما تتراوح تقديرات مؤسسات بحثية أميركية مستقلة بين 144 و300 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الضربة التي تلقاها الاقتصاد الإيراني، بصرف النظر عن اختلاف منهجيات التقدير.
ويضيف أن الاقتصاد الإيراني دخل الحرب وهو يواجه بالفعل تضخماً مرتفعاً، وتراجعاً مستمراً في قيمة الريال، وأزمة مصرفية تفاقمت مع انهيار أحد البنوك الخاصة الكبرى، ما حدّ من قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمة، كما أدى تشديد القيود الأميركية على صادرات النفط والنقل البحري إلى تراجع الإيرادات النفطية بصورة غير مسبوقة، إذ أظهرت بيانات تتبع الناقلات انخفاض صادرات الخام الإيرانية إلى مستويات شبه معدومة خلال أيار/ مايو 2026، بعدما تجاوزت 2.1 مليون برميل يومياً في شباط/ فبراير من العام نفسه.
الاستنزاف يتجاوز ساحات القتال
امتدت التداعيات إلى سوق العمل، حيث أعلن نائب وزير العمل الإيراني فقدان أكثر من مليون وظيفة منذ بداية النزاع، بينما حذر اقتصاديون إيرانيون من أن ما بين 10 و12 مليون وظيفة أصبحت معرضة للخطر إذا استمرت الحرب، في وقت تتآكل فيه دخول الأسر بفعل التضخم المتسارع وارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
ولا يقتصر أثر الأزمة على الداخل الإيراني، إذ تشير تقديرات صادرة عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن القيود البحرية الأميركية تهدد بتبديد ما يقارب 435 مليون دولار من النشاط الاقتصادي الإيراني يومياً، مع إمكانية توقف عدد من الحقول النفطية خلال أسابيع إذا استمرت القيود الحالية، وهو ما يضاعف الضغوط على المالية العامة ويحد من قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق المدني والعسكري.

ويخلص الباحث يحيى السيد عمر إلى أن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية لم يحقق المكاسب التي كانت تراهن عليها طهران، إذ إن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الإيراني خلال أسابيع الحرب فاقت بأضعاف العوائد السنوية المقدرة من رسوم عبور السفن عبر المضيق، والتي تتراوح بين مليار وملياري دولار.
وبرأيه، فإن ما يجري اليوم يؤكد أن إيران تخوض معركة استنزاف اقتصادية بقدر ما تخوض مواجهة عسكرية، وأن كلفة استمرار الحرب لن تُقاس فقط بحجم الدمار الميداني، بل أيضاً بسرعة تآكل القدرة الإنتاجية، واستنزاف الاحتياطيات، وانخفاض مستويات المعيشة، في وقت تبدو فيه مؤشرات التعافي بعيدة المنال، حتى إذا توقفت العمليات العسكرية خلال الأشهر المقبلة.

