في الوقت الذي تسعى فيه السلطة الانتقالية بدمشق بتثبيت أركان حكمها وسيطرتها على مفاصل السياسة والاقتصاد في البلاد، بدا واضحاً مدى فشلها في معالجة الملف الأمني وترسيخ الاستقرار هناك.
فالانفجار الذي وقع قرب القصر العدلي بدمشق قبل أيام، والانفجاران اللذان رافقا زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق كانا بمثابة رسالة للخارج عن مدى هشاشة الأمن، رغم ان الانفجاران لم يخترقا موكب الرئيس الفرنسي ولم يعطلا الزيارة.
المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية “سانا” إن الحادث يحمل “بعداً سياسياً وإعلامياً أكثر من كونه ذا تأثير أمني”، مشيراً إلى أن الزيارة استمرت والاتفاقيات المقررة وقّعت.
إلا أن استمرار الزيارة لا يلغي دلالة وقوع انفجارين في محيط طوق أمني خُصص لحدث دولي.
الخطاب الرسمي يقلل من الخرق
لكن وزارة الداخلية السورية حاولت تخفيف وقع الحادثة عبر التركيز على أن الزيارة استمرت والعبوتين كانتا بدائيتين، وأن الأجهزة رصدتهما قبل انفجارهما وحاولت تفكيكهما. غير أن هذه الرواية لا تلغي السؤال الأساسي حول كيفية وصول العبوتين، أياً كانت طبيعتهما، إلى محيط منطقة أمنية حساسة خلال زيارة رسمية لرئيس دولة، وفي ظل إجراءات يفترض أنها استثنائية.

فإذا كانت هذه العبوات البدائية استطاع مُصنُّعها إيصالها إلى قرابة كيلو متر عن مكان تواجد أول رئيس دولة أوروبية يزور سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ماذا لو كانت هذه العبوات ليست بدائية، علماً أن هذه العبوات البدائية التي اٌستخدمت خلال زيارة ماكرون تسببت بمقتل شخص وإصابة 36، بينهم 4 من عناصر الشرطة، وهذا يصعّب التعامل مع الحدث على أنه “أثر إعلامي” فقط.
كما أن استمرار الزيارة قد يعني أن التفجيرين لم يحققا هدفاً محتملاً يتمثل في إلغائها أو تأجيلها، لكنه لا يجيب عن كيفية وصول العبوتين إلى محيط منطقة خضعت لتدابير أمنية مشددة، في وقت كانت فيه العاصمة تستقبل رئيس دولة ووفداً سياسياً واقتصادياً.
المسألة لا تتعلق بحجم الأضرار وحده، ولا بما إذا كانت الزيارة قد استمرت، بل بقدرة الأجهزة على منع التحضير للهجوم وتنفيذه في منطقة حساسة. فقياس نجاح التأمين بعدم إلغاء الفعالية يختلف عن قياسه بمدى منع التهديد من الوصول إلى محيطها أصلاً.
وفي هذا السياق، قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن في مقابلة له على شبكة “بي بي سي” البريطانية إن “هناك عمليات أمنية وانتهاكات تجري بشكل يومي بعيداً عن التغطية الإعلامية، في وقت يجري فيه الترويج لصورة من الاستقرار بهدف تمهيد الطريق أمام الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية”.
أمن السلطة أم أمن المواطنين؟
لا يرتبط تقييم الأداء الأمني بقدرة الأجهزة على كشف خلية أو منع تفجير فقط، بل أيضاً بالوظيفة التي تؤديها هذه الأجهزة في المجال العام.
ويرى مدير الآلية السورية للتحقيق والمحقق المختص بجرائم الحرب ياسر شالاتي، أن الخلط بين حماية الأمن وإدارة الخلاف السياسي يضعف هذه الوظيفة، قائلاً إن “الأجهزة الأمنية ليست معنية بإدارة الحياة السياسية أو التعامل مع الخصوم السياسيين، بل بحماية المجتمع وحفظ الأمن العام”.
وبحسب شالاتي، فإن التعامل مع الرأي المعارض أو المطالب المحلية بوصفها تهديداً أمنياً ينقل مهمة الأجهزة من حماية المواطنين إلى ضبط المجال السياسي.
ويقول: “حين يُعامل كل رأي معارض أو مطلب إصلاحي بوصفه تهديداً أمنياً، يصبح الأمن مبرراً لتقييد الحريات بدل أن يكون وسيلة لحماية المواطنين”.
ويبرز هذا النقاش مع استمرار توجيه أدوات أمنية نحو إدارة التوترات السياسية والمحلية، وفرض قيود اجتماعية، ومراقبة أنماط السلوك، في وقت تبقى فيه الحاجة قائمة إلى تطوير قدرات الاستخبارات الوقائية والتنسيق بين الأجهزة وضبط السلاح غير النظامي. فالتشدد في مواجهة خصم سياسي أو مجتمع محلي لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة أعلى على منع الخلايا المسلحة أو حماية المدن من الهجمات.
كما أن تحويل المطالب السياسية أو الخلافات المحلية إلى ملف أمني قد يؤخر معالجة أسباب التوتر، بدلاً من احتوائها عبر قنوات قانونية وسياسية. وفي بلد متعدد الجماعات المسلحة والانتماءات والذاكرات الطائفية، لا يمكن أن تُبنى الحماية العامة بالعقاب الجماعي أو بالولاء المفروض، لأنهما ينتجان هدوءاً مؤقتاً من دون معالجة عوامل العنف أو استعادة الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.
ويرتبط الأمن الوقائي، في هذا السياق، بوجود مؤسسات قادرة على التمييز بين المدني والمسلح، وقضاء مستقل، وآليات مساءلة واضحة، إلى جانب تعاون محلي يتيح رصد المخاطر قبل تحولها إلى هجمات.
يقول شالاتي إن غياب العدالة والمساءلة “يرسخ مبدأ الإفلات من العقاب”، معتبراً أنه من أخطر العوامل التي تسمح باستمرار العنف وظهور التشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون. ويضيف أن مرتكبي الانتهاكات، حين يدركون أنهم بمنأى عن المحاسبة، تصبح الجريمة بالنسبة إليهم “خياراً أقل كلفة”، بما يهدد الأمن المجتمعي وسيادة القانون.
الساحل والسويداء.. القوة لا تعني السيطرة
أظهرت أحداث الساحل والسويداء أن استعادة السيطرة الميدانية لا تعني بالضرورة معالجة أسباب التوتر أو استعادة الثقة بين السلطة والمجتمعات. ففي السويداء، وثقت لجنة التحقيق الدولية، في تقرير نشرته في 27 آذار/مارس 2026، انتهاكات خلال أعمال العنف في تموز/يوليو 2025.
وقالت لجنة التحقيق ظن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بأن قوات حكومية ومقاتلين عشائريين ومجموعات درزية مسلحة قد يكونون ارتكبوا أفعالاً ترقى إلى جرائم حرب. وقدرت اللجنة عدد القتلى بما لا يقل عن 1,707 أشخاص، فيما نزح نحو 200 ألف.
وفي 22 حزيران/يونيو 2026، قال نائب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، إنه لم يُسجل تقدم في تنفيذ خارطة الطريق التي أطلقت في أيلول/سبتمبر 2025 لتعزيز الثقة وإعادة دمج السويداء. وبقيت الخلافات بشأن السلطة المحلية، والخطف المتبادل، والمساءلة، من العوامل التي تعطل استقرار المحافظة.
وفي الساحل، وثقت لجنة التحقيق الدولية عمليات قتل ونهب وتهجير وإحراق منازل خلال أحداث آذار/مارس 2025، وأشارت إلى استمرار انتهاكات في بعض المناطق بعد انتهاء العمليات العسكرية.
ويقول المحقق المختص بجرائم الحرب، ياسر شالاتي إن “الانتهاكات في الساحل والسويداء تثير أسئلة جدية حول العقيدة الأمنية التي يجري بناؤها: هل تقوم على حماية المواطنين، أم على التعامل مع فئات من المجتمع باعتبارها تهديداً؟”.
ويضيف أن “العقيدة الأمنية الوطنية يجب أن تنطلق من حماية الإنسان، بغض النظر عن انتمائه أو معتقده أو موقفه السياسي”.
ويرى شالاتي أن اختزال أسباب العنف في غياب المساءلة وحده لا يعكس الصورة الكاملة، موضحاً أن الحالة السورية نتاج عوامل متداخلة، بينها انتشار الخطاب المتطرف، والانقسامات المجتمعية، واستمرار وجود مجموعات مسلحة ذات ولاءات مختلفة، إضافة إلى استغلال جهات داخلية وخارجية لحالة عدم الاستقرار.
“داعش” حاضر.. لكن الجهة المنفذة مجهولة
حتى الآن، لم تعلن وزارة الداخلية السورية، عن هوية الجهة التي تقف خلف تفجيري دمشق في 7 تموز/يوليو الجاري.
غير أن غياب تحديد المسؤولية لا يعني تراجع خطر تنظيم “داعش”. ففي جلسة لمجلس الأمن عقدت في 22 حزيران/يونيو الماضي، قالت الولايات المتحدة إن هجمات التنظيم في سوريا انخفضت منذ مطلع العام، لكنها شددت على أنه لا يزال “تهديداً كبيراً”.
وأشارت إلى هجمات حديثة بعبوات ناسفة في الرقة وحلب وريف دمشق، كما نقلت عن السلطات السورية إعلانها تفكيك سبع خلايا واعتقال 235 شخصاً بين آذار/مارس وأيار/مايو، ومصادرة أسلحة ومواد متفجرة.
واستمرت العمليات الأميركية ضد التنظيم، وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، في 24 حزيران/يونيو، مقتل القيادي في التنظيم علي حسين العلاوي بضربة في شمال غربي سوريا نُفذت في 19 حزيران/يونيو.
وتشير هذه الوقائع إلى أن تنظيم “داعش لم يعد يحتاج إلى السيطرة على مساحة جغرافية واسعة كي يحافظ على حضوره. فالخلايا الصغيرة، والعبوات، والاغتيالات، واستغلال الثغرات بين المناطق والأجهزة، تتيح له تنفيذ هجمات بكلفة محدودة.
لكن استمرار التهديد لا يعفي السلطة من سؤال يتعلق بقدرتها على الرصد والمنع، كيف تبقى الخلايا قادرة على التحرك، وخصوصاً في العاصمة ومحيطها، رغم الحملات الأمنية والإعلانات المتكررة عن تفكيك الشبكات؟
ولا تنفصل هذه المعضلة عن الخلفية الجهادية التي جاءت منها السلطة الحالية في دمشق، فالقوة التي تقود المشهد اليوم خرجت، في مراحل سابقة، من بيئة تنظيمية وفكرية تقاطعت مع تنظيم القاعدة وتنظيم “داعش” قبل أن تنفصل عنهما لاحقاً، وتعيد تقديم نفسها بوصفها تياراً محلياً مختلفاً.
غير أن هذا التحول لا يلغي أثر تلك الخلفية في بنية المقاتلين، وخطاب بعض القواعد، وطريقة التعامل مع العلاقة مع الغرب.
المقاتلون الأجانب والتيار المتشدد
لا تكشف التحقيقات المعلنة حتى الآن عن صلة بين تفجيري دمشق في 7 تموز/يوليو وأي من المقاتلين الأجانب أو الجماعات الجهادية الموجودة في سوريا. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذا الملف بوصفه تفسيراً للحادثة، بل باعتباره أحد التحديات الأمنية التي تواجه السلطة الجديدة.
وتتمثل المشكلة في إدارة آلاف المقاتلين غير السوريين الذين شاركوا في القتال ضد نظام الأسد، وبعضهم ارتبط تاريخياً بهيئة تحرير الشام أو بجماعات مسلحة عملت في مناطق نفوذها.
وقالت مجموعة الأزمات الدولية، في 13 أيار/مايو 2026، إن الحكومة الجديدة دمجت آلافاً من هؤلاء ضمن قوات الدولة، محذرة من المخاطر المرتبطة ببقائهم تحت السلاح من دون ترتيبات كافية للضبط والمساءلة.
وفي 6 أيار/مايو، قال مسؤولان أمنيان سوريان لرويترز إن قوات حكومية أوقفت مقاتلين أوزبك خلال حملة في شمال غربي البلاد، بعد خلاف بدأ بمحاولة احتجاز مقاتل اتهم بإطلاق النار في مدينة إدلب، ثم تطور إلى احتجاجات قرب منشأة أمنية حكومية. ولا تثبت الواقعة وجود تمرد منظم، لكنها أظهرت صعوبة فرض سلسلة قيادة واحدة على مجموعات مسلحة ذات روابط وشبكات مستقلة.
ويرى مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن أن رفض جماعات جهادية لأي تقارب بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع والدول الغربية يبقى عاملاً ينبغي أخذه في الحسبان.
ولا يقتصر الملف على علاقات دمشق الخارجية أو مطالب الدول الغربية بإدارة قضية المقاتلين، فهو يتصل بالانضباط العسكري، واحتكار السلاح، وتسلسل الأوامر، وقدرة مؤسسات الدولة على محاسبة عناصرها، وكلما بقيت هذه الحدود غير واضحة، ظلت إدارة الأمن قائمة على تفاهمات مؤقتة بين شبكات مسلحة، لا على مؤسسة وطنية موحدة.

