بين مطالب واشنطن وتعنّت فصائل إيران.. هل يضيّع العراق فرصته؟

عاد ملف السلاح خارج سلطة الدولة إلى صدارة المشهد العراقي، مع تصاعد الرسائل المتبادلة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة الموالية لإيران، في وقت تحاول فيه حكومة بغداد الموازنة بين الحفاظ على شراكتها مع واشنطن وتجنب صدام داخلي مع القوى المسلحة التي تمثل أحد أبرز مراكز النفوذ في البلاد.

وفي هذا السياق، جددت واشنطن مطالبها لبغداد، معتبرة أن مستقبل الشراكة بين البلدين بات مرتبطاً بقدرة الحكومة على فرض سيادة الدولة وإنهاء ظاهرة السلاح خارج المؤسسات الرسمية، فيما ردت الفصائل برسائل مضادة أكدت فيها تمسكها بسلاحها وولائها لمحور إيران.

لا شراكة دون سلطة كاملة للدولة

خلال زيارة إلى محافظة البصرة، أكد القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشوا هاريس أن مشاركة جهات تصنفها واشنطن “إرهابية” في الحكومة العراقية لا تنسجم مع طبيعة الشراكة التي تسعى الولايات المتحدة إلى بنائها مع بغداد، مشدداً على أن تحقيق الأمن والاستقرار يبدأ بـ”النزع الكامل” لسلاح الجماعات المسلحة التي لا تخضع لسلطة الدولة.

القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشوا هاريس – انترنت

وأوضح هاريس أن الحكومة العراقية تمتلك رؤية واضحة لبسط سيادتها، معتبراً أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل المدخل الرئيس لتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين العراق والولايات المتحدة، ولا سيما في قطاعات الطاقة والاتصالات والصحة والبنية التحتية.

كما أشار إلى أن الأمن يشكل العامل الحاسم في جذب الشركات الأميركية، مؤكداً أن زيارته إلى البصرة تهدف إلى استكشاف فرص الاستثمار وتعزيز العلاقات الاقتصادية، مع استمرار الحضور الدبلوماسي الأميركي في المحافظة، من دون تحديد موعد لإعادة افتتاح القنصلية الأميركية.

الفصائل تجدد البيعة

في المقابل، جاءت رسائل الفصائل المسلحة لتؤكد رفضها أي مسار قد يؤدي إلى تقليص نفوذها العسكري أو السياسي في العراق.

بيان صادر عن “المقاومة الإسلامية في العراق” يوم 10 تموز 2026 – انترنت

وأعلن الأمين العام لـ”كتائب حزب الله” أبو حسين الحميداوي تجديد البيعة للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، مؤكداً أن الكتائب تأسست “بقرار من علي خامنئي”، وأنها ستواصل السير على النهج نفسه.

ووصف الحميداوي المشاركة الواسعة في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بأنها “استفتاء شعبي لصالح المقاومة” وسلاحها، محذراً الحكومة العراقية والقوى السياسية من “الانجراف وراء المشاريع الاستكبارية” على حد وصفه.

وفي السياق نفسه، شددت “المقاومة الإسلامية في العراق” على أن سلاحها “ليس خياراً للمساومة”، معلنة مواصلة تطوير قدراتها العسكرية والأمنية ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة ما وصفته بـ”التهديدات المتصاعدة”.

اختبار الحكومة العراقية

تكشف هذه الرسائل المتقابلة عن حجم التعقيد الذي تواجهه الحكومة العراقية بقيادة رئيس الوزارء علي الزيدي، فبينما تربط واشنطن توسيع الشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية بفرض سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ترى الفصائل المسلحة أن الاحتفاظ بسلاحها جزء من مشروعها السياسي والعقائدي المرتبط بإيران، وترفض أي ضغوط داخلية أو خارجية تستهدف هذا الدور.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تستعد فيه بغداد لجولة جديدة من الحوار مع الولايات المتحدة، وسط رهانات على تعزيز التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية، مقابل ضغوط داخلية متزايدة من الفصائل الرافضة لأي تغيير في معادلة القوة التي تشكلت خلال السنوات الماضية.

وبين شروط واشنطن وتمسك الفصائل بخيار السلاح، تقف الحكومة العراقية أمام مفترق سياسي وأمني بالغ الحساسية. فنجاحها في ترسيخ احتكار الدولة للقوة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة الدولية والاستقرار الاقتصادي، بينما قد يؤدي استمرار الانقسام حول هذا الملف إلى إهدار فرصة طال انتظارها لإعادة بناء الدولة وتعزيز مكانة العراق إقليمياً ودولياً.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم