تخوض الحكومة السورية اختباراً مالياً غير مسبوق منذ التغيير السياسي الذي شهدته البلاد أواخر عام 2024، مع اتجاهها إلى إصدار أول صكوك سيادية في تاريخها، في محاولة لتمويل عجز الموازنة بعيداً عن الاستدانة المباشرة من مصرف سوريا المركزي.
وبينما تروج الحكومة لهذه الخطوة باعتبارها بداية لتأسيس سوق دين محلية حديثة وتوفير مصادر تمويل “غير تضخمية”، يرى اقتصاديون أن نجاح التجربة لن يتوقف على إصدار أداة مالية جديدة، بل على قدرة الدولة على استعادة ثقة المستثمرين وإقناعهم بأن أموالهم ستدار في مشاريع قادرة على تحقيق عوائد حقيقية.
ضغوط مالية تبحث عن مخرج
يأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه المالية العامة السورية تحديات متراكمة تتمثل في محدودية الإيرادات، واتساع احتياجات الإنفاق لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات العامة، فضلاً عن تضييق الخيارات التقليدية لتمويل العجز.

فبعد سنوات كان فيها التمويل النقدي أحد أبرز أدوات سد الفجوات المالية، تحاول الحكومة الانتقال إلى أدوات تمويل تعتمد على تعبئة المدخرات المحلية، بما يخفف الضغوط على الكتلة النقدية ويحد من المخاطر التضخمية التي انعكست خلال السنوات الماضية على قيمة الليرة ومستويات الأسعار.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة المالية أنها أنجزت خطة لإصدار أوراق مالية حكومية تشمل أذون وسندات الخزينة والصكوك السيادية، موضحة أن الهدف يتمثل في توفير مصادر تمويل حقيقية للموازنة العامة، وإنشاء منحنى عائد مرجعي يساعد المصارف والمؤسسات المالية على تسعير أدواتها، إلى جانب تمكين مصرف سوريا المركزي من إدارة السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة، وهي أدوات تعد من الركائز الأساسية للسياسة النقدية في الاقتصادات الحديثة.
خطة لتمويل العجز دون طباعة النقود
تستهدف الحكومة البدء بطرح الصكوك خلال المرحلة الأولى في السوق المحلية وبالليرة السورية، في محاولة لتجنب تمويل الإنفاق عبر الاقتراض من المصرف المركزي، وهي السياسة التي يرى اقتصاديون أنها ساهمت في توسع الكتلة النقدية خلال السنوات الماضية وما رافقها من ضغوط تضخمية.
كما أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن الوزارة تخطط للتوسع تدريجياً في الإصدارات وبآجال استحقاق مختلفة بهدف بناء سوق منظمة للأوراق المالية الحكومية وتعزيز الاستدامة المالية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بعدما نصت موازنة عام 2026 على اعتماد الصكوك السيادية مصدراً رئيسياً لتمويل عجز يقدر بنحو 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل إيرادات متوقعة تبلغ 8.7 مليارات دولار ونفقات تصل إلى 10.5 مليارات دولار، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة والحاجة إلى أدوات تمويل جديدة تقلل من الاعتماد على التمويل التضخمي.
اختبار الثقة قبل التمويل
لكن نجاح الصكوك السيادية لا يقاس بقدرة الحكومة على إصدارها فحسب، وإنما بمدى استعداد السوق المحلية للاكتتاب فيها، فالمستثمر الذي سيضخ أمواله في هذه الأداة لن ينظر فقط إلى الجوانب الشرعية أو القانونية، بل سيبحث عن إجابات تتعلق بمستوى العائد المتوقع، وضمانات حماية رأس المال، وإمكانية تداول الصكوك في سوق ثانوية، إضافة إلى طبيعة المشاريع التي ستمولها وقدرتها على تحقيق أرباح مستدامة.
في هذا السياق، يبدي الخبير الاقتصادي جورج خزام تحفظات على قدرة البيئة الاقتصادية الحالية على إنجاح هذه التجربة، معتبراً أن الصكوك تختلف جوهرياً عن سندات الخزينة التقليدية، لأن حاملها يصبح شريكاً في المشروع ويتحمل مخاطر الربح والخسارة، وليس مجرد دائن يحصل على عائد ثابت.

ويرى خزام وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن نجاح هذه الصيغة يتطلب إدارة احترافية للمشروعات الحكومية، متسائلاً عن مدى قدرة المؤسسات العامة على تحقيق عوائد مجزية للمكتتبين في ظل ما يصفه بتراجع كفاءة إدارة عدد من المنشآت الإنتاجية خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن الحكومة تتجه بالتوازي إلى طرح عدد من منشآت القطاع العام للاستثمار، بما فيها قطاعات استراتيجية مثل الكهرباء والاتصالات والمطارات، وهو ما يثير، برأيه، تساؤلات حول طبيعة الأصول التي ستستند إليها الصكوك، وكيفية إدارتها، وما إذا كانت قادرة على تحقيق تدفقات نقدية كافية لتوزيع الأرباح على المستثمرين.
دروس من التجارب الدولية
كما يتساءل خزام عن أسباب عدم دخول الصندوق السيادي مستثمراً رئيسياً في هذه الإصدارات إذا كانت تتمتع بجدوى اقتصادية مرتفعة، معتبراً أن توجيه أدوات الدين نحو تمويل المشروعات الإنتاجية الخاصة قد يكون أكثر فاعلية في تحفيز النمو وخلق فرص العمل.
تظهر التجارب الدولية أن الصكوك السيادية أصبحت خلال العقدين الماضيين إحدى أهم أدوات تمويل الحكومات، خصوصاً في دول مثل ماليزيا والسعودية وإندونيسيا، التي نجحت في توظيفها لتمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل، إلا أن نجاح تلك التجارب لم يكن مرتبطاً بالأداة المالية وحدها، بل استند إلى وجود بيئة تشريعية مستقرة، وحوكمة واضحة، وإفصاح دوري عن أداء المشروعات، وأسواق مالية قادرة على توفير السيولة للمستثمرين.
كما تؤكد تقارير صادرة عن البنك الإسلامي للتنمية وصندوق النقد الدولي أن الصكوك تحقق أفضل نتائجها عندما ترتبط بأصول منتجة وإدارة كفؤة، وليس بمجرد سد فجوات التمويل قصيرة الأجل.
بين الطموح والواقع
في الحالة السورية، تبدو التحديات أكثر تعقيداً، إذ لا تزال السوق المالية محدودة العمق، كما أن القطاع المصرفي يواجه نقصاً في السيولة، بينما تظل ثقة المستثمرين مرتبطة بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وقانونية تضمن الشفافية وحماية الحقوق.
يضاف إلى ذلك استمرار التقلبات في سعر صرف الليرة وارتفاع مستويات المخاطر الاقتصادية، وهي عوامل قد تؤثر في شهية المستثمرين للاكتتاب، حتى وإن كانت الصكوك مصممة وفق أفضل الممارسات الفنية.

وفي المحصلة، قد تمثل الصكوك السيادية فرصة للحكومة السورية لإعادة بناء أدوات التمويل العام وتقليل الاعتماد على التمويل التضخمي، لكنها ليست حلاً سحرياً لأزمة المالية العامة، فالاختبار الحقيقي لن يكون في إعلان الإصدار أو تسويقه، بل في قدرة الحكومة على تقديم مشاريع ذات جدوى اقتصادية، وإدارة الأموال بكفاءة، وترسيخ قواعد الشفافية والمساءلة.
وعندها فقط سيتحدد ما إذا كانت الصكوك ستتحول إلى ركيزة لتمويل الاقتصاد السوري واستقطاب المدخرات المحلية، أم ستبقى مجرد أداة جديدة تصطدم بعقبات الثقة والإدارة التي واجهت تجارب اقتصادية سابقة.
- خسائر ونفوق في قطاع الدواجن.. مطالب بضبط الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي
- مؤتمر دولي للابتكار في الرعاية الصحية والبحث العلمي بجامعة دمشق
- خطة الحسم.. ما هي استراتيجية واشنطن الجديدة حيال إيران لإنهاء الحرب؟
- أكثر من 300 معلم في ريف حماة مهددون بفقدان وظائفهم.. ما الأسباب؟
- موفق طريف يطالب الأمم المتحدة بالتدخل لفك ما وصفه بـ”الحصار” عن السويداء

