يعيش لبنان حالة من التوتر الشديد والقلق، حيث يسيطر ملف سلاح “حزب الله” والتصعيد الأمني في الجنوب على المشهد الكلي، وفي وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية لتأكيد دخولها مرحلة جديدة تستعيد فيها هيبتها وسيطرتها الكاملة على قرار الحرب والسلم، تبرز حالة من التعنت الصارم من جانب “حزب الله” الذي يرفض مبدأ تسليم السلاح أو الخضوع لقرارات السلطة الشرعية.
وإزاء هذا الرفض المعلن، يصر الحزب على الاحتفاظ بكيانه الموازي ومواجهة خطوات الحكومة اللبنانية والتهديد بتعطيل الحياة السياسية، مما يضع مساعي الدولة لاستعادة سيادتها أمام مواجهة مباشرة مع هذا التعنت الحزبي الذي يعطل تطبيق القرارات الرسمية.
“حزب الله إيراني الجوهر”
أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في مقابلة مع صحيفة “لو جورنال دو ديمانش” الفرنسية، أن “حزب الله” يعد “إيراني في الجوهر”، لافتاً إلى أن الحزب يعرّف نفسه بـ”المقاومة الإسلامية في لبنان” بدلاً من “المقاومة اللبنانية”، وهو ما يعكس -حسب قوله- عقيدة تنظيمية تتخطى حدود الإطار الوطني.
وفي تعليق على هذا التصريح يرى الباحث اللبناني إيلي بدران في حديثه مع “الحل نت “، أن تصريح رجي يعود إلى حقيقة أن قرار “حزب الله” ارتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران نتيجة لتموضعه الفكري والعقائدي ضمن مبدأ “ولاية الفقيه”، مما يجعل مرجعيته العليا في القرارات المصيرية والاستراتيجية تابعة للمؤسسة الإيرانية لا للمؤسسات الوطنية اللبنانية.
وتزداد حالة الضعف هذه أكثر بفعل الاعتماد التام على طهران في التمويل والتسليح والدعم اللوجستي فيما سبق، الأمر الذي يجعل قرار الحرب والسلم والسلاح في لبنان رهيناً للمصالح الإقليمية الإيرانية وإحدى أوراقها التفاوضية؛ وهو ما يفسر أيضاً، عجز الحزب عن اتخاذ أي قرار مستقل بنزع السلاح أو الاستجابة للمطالب الوطنية اللبنانية عندما تتقاطع تلك المطالب مع الحسابات الجيوسياسية لدعم المحور الإيراني في المنطقة.

هذا وقد شدّد رجي، على أن نزع سلاح “حزب الله” يأتي في صدارة الأولويات لاستعادة سيادة الدولة، مؤكداً ضرورة خلو كافة الأراضي اللبنانية من أي سلاح خارج نطاق المؤسسات الأمنية والعسكرية الشرعية.
وأشار رجي، إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد اتخذت، منذ عام ونصف، قراراً يجرّد جميع العمليات العسكرية لـ “حزب الله” من شرعيتها، مؤكداً تمسك الدولة بالبسط الكامل لسلطتها ونفوذها، بما يضمن تفكيك البنية العسكرية للحزب وتسليم سلاحه للجهات الرسمية.
التفاهمات والمناطق التجريبية
رجي أكد في تصريحاته، أن التفاهمات الحالية مع إسرائيل تمثل “خارطة طريق” تتألف من 14 بنداً لتأطير المفاوضات القادمة، مشدداً على أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد.
وأشار إلى أن المناقشات تتناول قضايا رئيسية، في مقدمتها انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب، وترسيم الحدود المشتركة، بالإضافة إلى فرض سيادة الدولة، ومستقبل سلاح “حزب الله“.
وانطلقت، اليوم الثلاثاء، في العاصمة الإيطالية روما، الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة، بمشاركة وفدين من الجانبين لبحث تنفيذ اتفاق الإطار الموقع في حزيران/ يونيو الماضي.
وتركز المحادثات على آليات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية، مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح “حزب اللع”، وسط استمرار التوترات على الحدود الجنوبية.
ويرى الباحث بدران، أن انطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل أو -استمرارها عبر وساطة دولية- تأكيداً صريحاً على سيادة لبنان الكاملة على أراضيه من جهة، ومكسباً سياسياً يعزز مرجعية الدولة في إدارة الملفات المصيرية من جهة أخرى.
ويضيف قائلاً: “انطلقت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة من واشنطن وصولاً إلى روما بالتوصل إلى ‘اتفاق إطار’ يتضمن 14 بنداً تشكل مرجعية تفاوضية رسمية للطرفين للوصول إلى تسوية شاملة”.
وتعتمد هذه البنود وفق بدران، على آلية متدرجة تبدأ بتطبيق نموذج اختبار ميداني في مناطق تجريبية؛ حيث يدخل الجيش اللبناني إليها لنزع أسلحة الجماعات المسلحة وتفكيك بنية “حزب الله” وتأمينها بالكامل، مقابل التزام إسرائيل بالانسحاب التدريجي منها، بعدما اشترطت ربط انسحابها بتطوير سيطرة الجيش وتنظيف هذه المناطق من السلاح والأنشطة المسلحة.
ويؤكد بدران، أن التفاهم بين لبنان وإسرائيل يرتبط بشأن نزع السلاح ارتباطاً وثيقاً ببدء خطوات متوازية تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الخروقات الأمنية، حيث يمثل التزامن شرطاً أساسياً لضمان نجاح أي اتفاق ميداني.
ومن الناحية العملية، يعود هذا الاشتراط إلى فقدان الثقة بين الأطراف؛ إذ يرى الجانب اللبناني، أن أي خطوة أحادية لنزع “سلاح المقاومة” دون ضمان انسحاب إسرائيل من النقاط الحدودية المتحفظ عليها ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ستترك البلاد مكشوفة أمنياً وعرضة للتدخلات المستمرة.
على الجانب الآخر، تصر إسرائيل والجهات الدولية على تطبيق شرط “خطوة مقابل خطوة”، فكلما انسحب الجيش الإسرائيلي خطوة من الميدان، يقابلها انتشارٌ للجيش اللبناني لسيطرته على الحدود ونزع سلاح الجماعات المسلحة تحت إشراف دولي. وبدون هذا التبادل المباشر، يخاف كل طرف أن ينفّذ ما عليه بينما يتراجع الطرف الآخر، ولذا فإن مبدأ “خطوة بخطوة” هو الحل الوحيد الممكن لنجاح الاتفاق.
تعنت “حزب الله” وخسارة الدعم الدولي
عن الدور الأميركي، أوضح وزير الخارجية رجي، أن ثقل واشنطن وقدرتها المباشرة على التأثير في القرار الإسرائيلي هما ما دفعا لبنان إلى الترحيب بوساطتها، مشيراً إلى تأكيدات أميركية بأن أي اتفاق يُتوصل إليه سيكون الزامياً لجميع الأطراف، مبدياً أمله في دور فرنسي فاعل عقب الاتفاق النهائي، يتركز على دعم المؤسسات الرسمية والجيش اللبناني، إلى جانب تعزيز جهود إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد.
وتعلق الباحثة في الشؤون العربية ريتا بوليس شهوان، بأن مشروع بناء الدولة اللبنانية يحظى بدعم من المنظومات الدولية والدول الحريصة على استقرار البلاد؛ حيث طالبت أطراف إقليمية، وفي مقدمتها السعودية، بإنهاء مخاطر سلاح “حزب الله” وشبكات الكبتاغون المرتبطة به، غير أن الحل العسكري والأمني لا يكفي بمفرده، بل يتطلب بالتوازي تفكيك البنية العقائدية المتغذية على الحزن واليأس، وإحلال مفاهيم غير عنفية بديلة.
وتضيف في حديثها لـ “الحل نت”، أنه واستلهاماً لمقولة سمير قصير إن “الإحباط ليس قدراً”، يستوجب الأمر تفعيل الثقافة المجتمعية وتوجيه البيئات المتأثرة بالحرب نحو منطق بناء الدولة، بدءاً من تطبيق مفهوم “الشرطة المجتمعية” لإشراك المواطن في التخلي عن السلاح. وهي عملية تتطلب تدريباً مستمراً وتفكيكاً للثقافات القائمة على الشحن العاطفي وتوظيف الغضب في المعارك السياسية.
وعلى الرغم من التوافق الدولي على ضرورة إنهاء النزاع وتمكين الجيش اللبناني من فرض سيطرته الكاملة، يُشكل موقف “حزب الله” العائق الأكبر أمام تحقق ذلك، في ظل إصراره المتكرر على رفض حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية. فقد قال أمين عام الحزب نعيم قاسم في أيار/ مايو الفائت، إنه “لا يوجد شيء اسمه احتكار الأسلحة أو نزع سلاح حزب الله”، وأضاف قائلاً: “نزع السلاح هو إبادة، وهذا شيء لا يمكننا قبوله“.
ينتج عن تعنت “حزب الله” ورفضه حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، تداعيات خطيرة تُعمّق أزمة البلاد على مختلف الأصعدة السياسية والامنية والاقتصادية. فالإصرار على الاحتفاظ بالبنية العسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية يُعطّل الاستحقاقات الوطنية ويُبقي القرار السيادي رهيناً لإرادة فصيل واحد، مما يُرسّخ حالة انقسام عميقة بين المكونات اللبنانية ويحول دون التوصل إلى توافق وطني حول استراتيجية دفاعية موحدة تُعيد للدولة هيبتها ومرجعيتها الحصرية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، يوضح بدران، أنه لا يمكن أن نغفل اشتراط بعض الأطراف الدولية، حصر السلاح بيد الدولة كشرط أساسي لتقديم الدعم الاقتصادي للبنان، مما يعني أن استمرار تعنت “حزب الله” سيدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار المالي. الأمر لن يتوقف عند حرمان لبنان من المساعدات المالية، بل يعني أيضاً رفع الحماية الدولية عنه، وهو ما قد يدفع البلاد نحو خطر كبير وتهديد حقيقي يستحيل توقّع حجم أضراره.
ويختم بدران حديثه قائلاً، إنه “في ظل هذا المشهد، يتضح أن الدعم الدولي أصبح الركيزة الأساسية لحماية السيادة اللبنانية والتمكين للجيش لبسط سيطرته على الحدود؛ مما يجعل أي تراجع أميركي، أو أي تخلي من إدارة دونالد ترامب عن هذا الملف، سيناريو كارثي يضع البلاد أمام مأزق معقد، في وقت يتمسك فيه لبنان بالمظلة الدولية لمواجهة تداعيات الهيمنة الإيرانية المتمثلة في ‘حزب الله’ التي أوصلته إلى هذا الواقع الحرِج”.
- أكثر من 104 آلاف نازح.. الحرب تدفع اليمنيين للهرب عبر البحر
- بعد زيادة 53 بالمئة خلال عام.. أين يقف سعر البنزين السوري إقليمياً؟
- رحلة المعتقلين لدى الحكومة الانتقالية.. سوء معاملة وتعذيب وتنقلات بين عدة سجون
- بعد غلاء المحروقات.. هل تهدد كلفة الطاقة القوة الشرائية والإنتاج في سوريا؟
- موسم الزعفران السوري.. زراعة محدودة وسوق واعدة

