حذر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى من أن استمرار العمل بقوانين تعود إلى عهد نظام الأسد، ولا سيما تلك المتعلقة بالإعلام والجرائم الإلكترونية والتشهير، قد يشكل تهديداً للاستقرار في سوريا ويعقد جهود إعادة الإعمار، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق بحرية التعبير فحسب، وإنما بطريقة تطبيق القانون ومدى خضوع أجهزة الدولة له.
رأى للباحث هارون ي. زيلين، أن تفعيل هذه القوانين بصورة انتقائية، بناءً على شكاوى فردية وفي ظل غياب معايير واضحة، يمكن أن يضعف المؤسسات التي تحتاج إليها سوريا لمنع تجدد النزاع، ودمج الأقليات، وتعزيز ثقة المستثمرين والجهات الدولية بعملية إعادة الإعمار.
وقال زيلين إن الحكومة السورية الانتقالية لا تعيد إنتاج الدولة البوليسية التي حكم بها بشار الأسد، إلا أن استمرار العمل بتشريعات قديمة واستخدامها ضد بعض المنتقدين، في وقت لا يلقى فيه خطاب التحريض الطائفي ملاحقة مماثلة، يخلق مشكلة تتجاوز مسألة الحريات العامة.
قوانين من عهد الأسد ما زالت سارية
يشير التحليل إلى أن النظام السابق راكم، على مدى سنوات، مجموعة من التشريعات التي استخدمها لتقييد المجال العام وملاحقة الصحفيين والناشطين.

ومن أبرز هذه التشريعات المرسوم 50 لعام 2001، الذي جرم نشر “المعلومات الكاذبة” وفرض قيوداً على عمل المطبوعات، والمرسوم 26 لعام 2011 المتعلق بتنظيم الاتصال عبر الإنترنت، إضافة إلى المرسوم 108 لعام 2011 الخاص بالإعلام.
كما يلفت التحليل إلى المرسوم التشريعي 17 لعام 2012 والتعديلات التي أُدخلت عليه بموجب القانون 20 لعام 2022، والتي وسعت نطاق الجرائم الإلكترونية لتشمل التشهير عبر الإنترنت وبعض أشكال المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى المعهد أن استمرار هذه التشريعات بعد سقوط نظام الأسد يتيح للأجهزة المختلفة استخدام أدوات قانونية صيغت أصلاً في سياق سلطوي، خصوصاً أن الإعلان الدستوري السوري الجديد، رغم تضمينه ضمانات لحرية الرأي والتعبير والصحافة، أبقى التشريعات السابقة نافذة إلى حين تعديلها أو إلغائها.
وبحسب التحليل، فإن هذا الوضع يخلق مساحة واسعة لتفسيرات متباينة للقانون، ويجعل الملاحقة الجنائية مرتبطة أحياناً بشكاوى فردية بدلاً من معايير موحدة ومعلنة.
من ملاحقة أنصار الأسد إلى منتقدي السلطة
يرى زيلين أن نمط تطبيق هذه القوانين تغير تدريجياً منذ نهاية عام 2025؛ فبعدما استهدفت الملاحقات الأولى أشخاصاً عبروا عن تأييدهم لنظام الأسد، بدأت حالات أخرى تطال منتقدين للسلطات الجديدة.
ويشير التحليل إلى اعتقالات وملاحقات طالت ناشطين ومواطنين عاديين بسبب منشورات أو انتقادات لمسؤولين أو مؤسسات حكومية، في وقت بقيت فيه حالات أخرى تتعلق بخطاب تحريضي طائفي من دون إجراءات مماثلة.
وبحسب المعهد، فإن هذه الازدواجية هي جوهر المشكلة، إذ لا يتعلق الأمر بضرورة ترك خطاب التحريض من دون ملاحقة، وإنما بضرورة إخضاع الخطاب المخالف والتحريض الخطير للمعيار القانوني نفسه، بصرف النظر عن هوية المتحدث أو الجهة المستهدفة.
قضية حسان عكاد تكشف المشكلة
ويستند التحليل بصورة خاصة إلى قضية صانع المحتوى السوري حسان عكاد، الذي اعتقل في حزيران/ يونيو بعد نشره محتوى انتقد فيه شخصيات وشركات مرتبطة بحملات التبرعات لإعادة الإعمار.

وبحسب التسلسل الذي أورده المعهد، بدأت القضية بعد شكوى بتهمة الإهانة والتشهير، قبل أن يحتجز عكاد من جانب عناصر أمنية، ثم يفرج عنه بعد سحب إحدى الشكاوى، مع استمرار دعاوى أخرى.
وأثارت القضية انتقادات واسعة، دفعت وزارة العدل إلى تشكيل لجان مراجعة وإصدار تعميم يقيّد بعض صلاحيات الشرطة المتعلقة بالتوقيف والتفتيش في قضايا التشهير.
لكن المعهد يرى أن المشكلة لم تنته، إذ أضافت وزارة الإعلام لاحقاً “الإشاعات التي تضر بالاقتصاد الوطني” إلى أنواع الخطاب المحظور، بحسب التحليل.
وفي المقابل، يشير زيلين إلى حالة أخرى اعتبرها أكثر خطورة، تمثلت في دعوة إعلامي إلى “محو” أحياء علوية من الخريطة، من دون أن يتبع ذلك إجراء حكومي مماثل.
ويعتبر المعهد أن المقارنة بين الحالتين تظهر بوضوح خطر التطبيق الانتقائي للقانون.
التحريض الطائفي مقابل الانتقاد السياسي
لا يدعو التحليل إلى رفع جميع القيود عن خطاب الكراهية أو التحريض، إنما يقر بأن سوريا ما بعد الحرب تحتاج إلى آليات قانونية للتعامل مع الخطاب الذي يمكن أن يتحول إلى عنف.

ويستشهد المعهد بحملات التحريض التي سبقت أحداث الساحل في آذار/ مارس 2025 وأحداث السويداء في تموز/ يوليو من العام نفسه، معتبراً أن خطاب الكراهية الطائفي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قوائم أهداف قابلة للتنفيذ.
لكن المشكلة، وفق زيلين، تكمن في أن الدولة تحتاج إلى قواعد محددة لتحديد الخط الفاصل بين الانتقاد والتحريض، بدلاً من استخدام قوانين فضفاضة لتقييد الخطاب أو معاقبة منتقدين بناء على شكاوى شخصية.
ويرى المعهد أن غياب هذا التمييز قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، فقد تتردد الأقليات في الاعتماد على مؤسسات الدولة لحمايتها، بينما يتجنب المواطنون التعبير عن مظالمهم، وقد يعتقد أصحاب النفوذ أن علاقاتهم أقوى من القانون.
لماذا يهدد ذلك إعادة الإعمار؟
يربط التحليل بين سيادة القانون وملف إعادة الإعمار بصورة مباشرة. فبحسب زيلين، فإن المستثمرين والجهات المانحة يحتاجون إلى بيئة مؤسساتية يمكن التنبؤ بها، بينما يؤدي التطبيق غير المتكافئ للقوانين إلى تقويض الثقة بالمؤسسات.
ويحذر المعهد من أن استمرار هذا النمط قد يضعف النتائج التي كان يفترض أن يتيحها تخفيف العقوبات الأميركية وإعادة فتح القنوات الدبلوماسية مع دمشق، إلى جانب التعاون في مكافحة تنظيم “داعش”.
كما يرى أن استمرار الاعتقالات أو الملاحقات وفق قواعد غير واضحة قد يعمق الانقسامات المجتمعية ويزيد مخاطر عودة التوتر الطائفي، في دولة لا تزال مؤسساتها في طور إعادة البناء.
ما الذي يقترحه معهد واشنطن؟
يدعو التحليل الولايات المتحدة إلى التعامل مع القضية باعتبارها مسألة استقرار وقدرة مؤسساتية، وليس ملفاً منفصلاً لحقوق الإنسان.
ويقترح المعهد أن يثير المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك هذه المسألة مع الحكومة السورية باعتبارها مرتبطة بالأمن وإعادة الإعمار، إلى جانب استخدام واشنطن ما تبقى لديها من أدوات تأثير لدفع دمشق إلى إصلاح المنظومة القانونية.

كما يدعو إلى تعليق تطبيق بعض قوانين التعبير القديمة إلى حين مراجعتها من جانب البرلمان الجديد، وإلغاء المواد التي تجرم “المعلومات الكاذبة” أو تفرض قيوداً فضفاضة على المحتوى، ونقل قضايا التشهير إلى المحاكم المدنية.
ويطالب المعهد أيضاً بوضع تعريف أكثر ضيقاً للتحريض الجنائي، يستند إلى عناصر مثل نية المتحدث واحتمال وقوع العنف وتأثير الخطاب على مجموعة محددة، مع ضمان عدم تدخل الأجهزة الأمنية والعسكرية في عمليات التوقيف من دون إذن قضائي.
ويشير التحليل إلى أهمية تدريب الشرطة والنيابة والقضاء على التعامل مع هذه القضايا، وإنشاء سجل علني للقضايا المتعلقة بالاحتجاز، وضمان وصول المعتقلين إلى محامين خلال فترة زمنية محددة.
معيار واحد للجميع
ويخلص معهد واشنطن إلى أن القضية الأساسية ليست عدد الأشخاص الذين ينبغي ملاحقتهم بسبب منشوراتهم، وإنما المعيار الذي تستخدمه الدولة في تحديد من يجب أن يخضع للملاحقة.
فإذا عوقب شخص بسبب انتقاده مسؤولاً، بينما تترك دعوات صريحة للعنف الطائفي من دون إجراء، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة فقط بالقانون، إنما بثقة السوريين في الدولة وقدرتها على تطبيقه بصورة متساوية.
ويرى التحليل أن معالجة هذه الثغرات في المرحلة الحالية ستكون أسهل من تركها تتحول إلى ممارسة مؤسساتية مستقرة، مشدداً على أن وجود قواعد واضحة وتطبيقها بصورة متسقة يمثلان شرطاً أساسياً لتعزيز شرعية مؤسسات الدولة، وتقليل مخاطر العنف، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لعملية إعادة الإعمار.

