تكشف التطورات الأخيرة في البحر الأسود أن المواجهة بين روسيا والغرب لم تعد تقتصر على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدت إلى خطوط إمداد الطاقة البحرية، حيث بات ما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي أحد أبرز أدوات موسكو للحفاظ على صادراتها النفطية وتجاوز العقوبات الغربية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الهجمات الأوكرانية على هذا الأسطول، تستمر الناقلات الروسية في الوصول إلى الموانئ السورية، مؤكدة أن احتياجات دمشق المتزايدة للطاقة جعلت من هذه الإمدادات شرياناً اقتصادياً يصعب الاستغناء عنه.
الأسطول يواصل الإبحار
معركة ساخنة تدور رحاها في البحر الأسود، حيث فتكت المسيّرات الأوكرانية الأسبوع الماضي بعشرين سفينة تتبع لأسطول الظل الروسي، منها سبع عشرة ناقلة نفط، وناقلتي غاز، وقاطرة واحدة، في حصيلة هي الأقسى التي تطال الأسطول الخفي منذ بدء العمليات الأوكرانية الموجّهة ضد البنية التحتية للطاقة الروسية.

وكانت القوات الأوكرانية قد أعلنت أيضاً مهاجمة طائراتها اثنتي عشرة ناقلة للأسطول الروسي كانت في طريقها لنقل النفط إلى شبه جزيرة القرم، كما استهدف السلاح المسيّر الأوكراني ثماني سفن خاضعة للعقوبات في بحر آزوف تبلغ حمولة كل منها سبعة آلاف طن.
غير أن هذه الضربات، رغم قسوتها، لم توقف حركة الأسطول، إذ يواصل الالتفاف على العقوبات بكل الوسائل المتاحة، ومنها رفع علم سوريا في بحر البلطيق، كما أعلنت العاصمة السويدية استوكهولم اشتباهها بسفينة تدعى “جين هوي” في أوائل أيار/مايو الماضي، حيث صعد خفر السواحل السويدي وأجرى تحقيقاً في شأن صلاحيتها للإبحار، ليتبين أنها تحمل علماً مزيفاً نظراً لوجود عدد من المخالفات المتعلقة بوضع علمها.
سوريا.. محطة النفط الروسي
في المقابل، ظلت سوريا على خريطة أسطول الظل الروسي لسنوات طويلة، وما زال ينشط حتى اليوم رغم سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ بقيت روسيا الحليف الرئيس له حتى بعد انهيار حكمه، ورغم ذلك لم تتوقف الإمدادات الروسية إلى سوريا الجديدة.
وكشف تحقيق أجراه موقع “إندبندنت عربية”، بالاستناد إلى بيانات تتبع السفن وإحصاءات رسمية، أن شحنات النفط الروسية إلى سوريا قفزت بنسبة 75 بالمئة خلال عام 2026، لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً، مما يجعل موسكو المورد الخارجي الرئيس للخام إلى سوريا بعد توقف الإمدادات الإيرانية.
وتكشف الأرقام عن عمق الفجوة النفطية التي تعاني منها البلاد، إذ لا يتجاوز الإنتاج المحلي السوري نحو 35 ألف برميل يومياً، بينما تُقدّر حاجات البلاد بما يصل إلى 150 ألف برميل يومياً، أي إن موسكو لا تقدم لسوريا شحنة نفط عابرة، بل تسد جزءاً أساسياً من فجوة طاقة تهدد الاقتصاد والخدمات وحياة المواطنين.
وفي العام الماضي وحده، أرسلت روسيا إلى سوريا نحو 350 ألف طن من النفط القطبي، أي قرابة 2.6 مليون برميل، عبر ناقلات خاضعة للعقوبات الغربية، بالتوازي مع إرسال شحنات من الديزل أسهمت في إعادة تشغيل مصفاة بانياس.
الجغرافيا تتحدى العقوبات
يؤكد الأكاديمي والمتخصص بالشؤون الروسية، الدكتور سامر عثمان، أن “كل سفينة روسية تصل إلى الموانئ السورية تقول إن الجغرافيا أقوى من العقوبات”، مشيراً إلى أن روسيا لا تنظر إلى العقوبات باعتبارها نهاية الطريق، بل باعتبارها سبباً لبناء طريق جديد، وأن حاجة الدول إلى الطاقة أقوى من القرارات السياسية الغربية، وفق “إندبندنت عربية”.
الولايات المتحدة وأوروبا قد تنجحان في رفع تكلفة الإمدادات، أو تأخير بعض الشحنات، لكنهما لن تستطيعا إلغاء حاجة سوريا إلى النفط، ولن تستطيعا شطب موقع روسيا في شرق المتوسط بقرار أو حزمة عقوبات، مؤكداً أن سوريا تستطيع تغيير اتجاهها السياسي، لكنها لا تستطيع تغيير جغرافيتها ولا حاجاتها الاقتصادية، وروسيا، بخلاف كثير من القوى الغربية، تتعامل مع سوريا انطلاقاً من هذه الحقيقة لا من الشعارات”.
الأكاديمي والمتخصص بالشؤون الروسية، الدكتور سامر عثمان
ويرى في الوقت ذاته أن ما يسميه الغرب “أسطول الظل” هو الدليل البحري على فشل سياسة العزل، لأن روسيا لم تختفِ من الأسواق، بل أصبحت تتحرك خارج المنظومة التي أراد الغرب احتكارها، ويجزم بأن تغيير السلطة في دمشق لم يُخرج سوريا من الحسابات الروسية، بل أعاد تعريف موقعها داخلها.
وبرأيه فإن روسيا لا تبني علاقاتها الدولية على الارتباط بالأشخاص والحكومات المؤقتة، وإنما على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، وأن سوريا بالنسبة لموسكو ليست تفصيلاً عابراً، بل بوابة إلى شرق المتوسط، وعقدة أساسية في منظومة التجارة والطاقة واللوجستيات الإقليمية.
كيف يعمل أسطول الظل؟
في الأثناء، ينشط “أسطول الظل” عبر شبكة من السفن التجارية القديمة وناقلات النفط التي تتقن الإفلات من الرقابة الدولية، وهي سفن غير مسجلة، أو تُسجّل في دولة غير تلك التي ينتمي إليها المالكون الأصليون، وتعتمد على أسلوب المراوغة لتفادي كشف مسارها.
ويعزو الباحث في العلاقات الدولية، محمد الحاج عثمان، ظهور هذا الأسطول بشكل أساسي إلى فرض الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على روسيا وإيران، ما دفعهما إلى تجاوز القيود، فباتت هذه السفن تعمل بأسماء شركات وهمية أو ضمن دول تتيح لها ميزات السرية التامة لجهة عدم الإفصاح عن ملكية السفن، ما يجعلها ميزة للمالكين الحقيقيين للتخفي وإخفاء حقيقة سفنهم، وبالتالي الإفلات من الرقابة الدولية عليها.

ويشير إلى أن القطاع النفطي بالنسبة إلى روسيا يُعد من المصادر المهمة والأساسية للإيرادات، إذ استفادت موسكو من زيادة أسعار النفط العالمي بالدفع نحو رفع مبيعاتها بأسعار أعلى من الحد المقرر، ليرتفع نمو الأسطول بنسبة 70 بالمئة في عام 2024، وبلغ متوسط عائدات التصدير نحو 16.4 مليار دولار شهرياً، وهو ما أعطى روسيا دعماً إضافياً لتمويل إنتاج الأسلحة والحرب الأوكرانية.
وتشير تقديرات معهد كييف للاقتصاد إلى أن أسطول الظل ينقل حالياً نحو 75 بالمئة من إجمالي النفط الخام الروسي المنقول بحراً، وأن حصة العلم الروسي بين ناقلات الظل ارتفعت من 3 بالمئة في أيار/مايو 2025 إلى 23 بالمئة من إجمالي حجم النفط المنقول بواسطة ناقلات الظل في نيسان/أبريل 2026.
أوروبا تشدد الخناق.. وموسكو تحافظ على التدفق
في غضون ذلك، تحاول الدول الأوروبية تحجيم نشاط “أسطول الظل” أو الحد من قدراته على الوصول إلى المرافئ، رغم كل الالتفاف على العقوبات المفروضة، فقد أوقفت وزارة الدفاع البريطانية في منتصف حزيران/ يونيو الفائت ناقلة نفط تابعة للأسطول تدعى “سميرتوس” ونقلتها قبالة الساحل الجنوبي لإنجلترا.
وقال حينها رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إن “هذه الخطوة تأتي ضمن جهود بريطانيا وأوروبا لفرض عقوبات على أسطول الظل الروسي الذي يموّل حرب بوتين في أوكرانيا”.
كما فرضت فرنسا غرامة قدرها مليون يورو على ناقلة “تاغور” التابعة للأسطول في تموز/يوليو الجاري، غير أن هذه الإجراءات، وفق محللين ومسؤولين سوريين تحدثوا إلى “إندبندنت عربية” بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، لم تنجح في قطع الإمدادات، إذ تعكس هذه التجارة ضرورة اقتصادية في دمشق، فضلاً عن أنها تمنح موسكو نفوذاً في بلد تحتفظ فيه بقاعدتين عسكريتين، إحداهما بحرية والأخرى جوية.
ويحذر الخبير الاقتصادي السوري كرم شعار، في تصريحات سابقة من أن هذه التجارة قد تجعل قطاع الطاقة السوري عرضة لاستئناف العقوبات الغربية، قائلاً بحسب “رويترز”: “إذا فشلت الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق أو تسوية مع روسيا بشأن أوكرانيا، فلن يكون من المفاجئ أن تطلب من سوريا بين عشية وضحاها التوقف عن شراء شحنات النفط هذه”.
- استنزاف “حوثي” متواصل في معارك غرب تعز.. تابع المستجدات
- مهاجرون أفارقة في الصفوف الأولى لهجمات “الحوثيين” على تعز
- طهران وبكين على مفترق هرمز.. ماذا تريد الصين من إيران؟
- تقرير حقوقي يحمل الحكومة وفصائل بالسويداء مسؤولية عرقلة امتحانات الطلاب
- على خلفية مقتل متظاهرين عراقيين.. تحرك قضائي ضد زعيم منظمة “بدر”

