الدعم العسكري الصيني: هل أصبحت بكين طرفاً غير مباشر في الحرب الأميركية-الإيرانية؟

منذ أن بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في 28 من شباط/ فبراير الماضي، كان السلوك الصيني الرسمي يقدم مشهداً مألوفاً من “التحفظ”، منها سيل من البيانات الدبلوماسية، تنديد بالضربات، ودعوات مكررة لوقف إطلاق النار. لكن خلف هذا الستار الدبلوماسي الهادئ، تكشفت تدريجياً مؤشرات على مسار آخر، تمثل في اتساع قدرة إيران على الوصول إلى معدات وتكنولوجيا ومعلومات صينية يمكن أن تساعدها على تعويض جزء من خسائرها ومواصلة عملياتها العسكرية.

ولم يتعلق الأمر فقط ببيع أسلحة صينية جاهزة، إذ تمتد الروابط إلى مكونات تستخدم في تصنيع المسيّرات والصواريخ، وشركات توفر محركات وأنظمة إلكترونية، وصولاً إلى خدمات الأقمار الصناعية التي يمكن أن توفر معلومات عن التحركات العسكرية الأميركية. إلى جانب إفادة عدة تقارير عن صفقة إيرانية للحصول على مئات منظومات الدفاع الجوي المحمولة صينية الصنع.

وعلى العموم، لم يكن الهدوء الدبلوماسي الصيني في بداية الحرب، سيعني بأي شكل أن بكين وقفت مكتوفة الأيدي، فحسابات الجغرافيا السياسية وضعت بكين بين فكين كارثيين يهددان مصالحها على ضفتي مضيق هرمز. ففي الغرب من المضيق، تمتد شبكة مصالحها التجارية الضخمة مع دول الخليج والعراق التي تغذي محركها الاقتصادي، أما في الشرق، فتقبع إيران كركيزة لا غنى عنها؛ حيث يمثل بقاء نظامها، وفق الرؤية الصينية، حاجزاً استراتيجياً يمنع انضواء الشرق الأوسط بالكامل تحت المظلة الأمنية الأميركية.

كل ما سبق، جعل من التعاون العسكري بين البلدين يقترب من مستوى أكثر وضوحاً مما كان عليه قبل اندلاع الحرب، وهو ما وضعت بكين في خانة الشريك أو الداعم غير المباشر وربما الأكثر تأثيراً في إدارة حرب الاستنزاف الطويلة ضد الولايات المتحدة.

بصمات صينية في الترسانة الإيرانية

في مختبرات فحص الأدلة الجنائية العسكرية الغربية تبين تغلغل الدعم الصيني لطهران عميقاً في العصب التقني لترسانة المسيّرات والصواريخ الإيرانية، حيث اكتشف الخبراء أن الأسلحة التي تستخدمها طهران ووكلائها لم تعد تحمل هوية تصنيعية محلية خالصة، بل كشفت بقايا حطام مسيّرة، حصلت عليها القوات الأميركية، عن “سلسلة توريد رمادية”، تمتد خطوطها مباشرة إلى المدن الصناعية الصينية.

وتشير تقارير منظمة “أبحاث صراعات التسلح” (CAR) المعنية بتتبع مسارات الأسلحة عالمياً، إلى وجود قفزة في حجم المكونات الصينية داخل طائرات “شاهد 136” الانتحارية، وهي من أبرز المنظومات التي تعتمد عليها إيران ووكلائها في الهجمات بعيدة المدى، حيث أثبت الفحص الميداني لحطام هذه المسيّرات أن قلبها النابض، والمتمثل في محرك الدفع الرباعي يجري شحنه وتمريره عبر شركات واجهة في بكين وهونغ كونغ مثل شركة “Xiamen Victory Technology” التي تنشط في الالتفاف على قيود التصدير.

مسيرات “شاهد 136” – انترنت

ولم يقتصر الدعم على المحركات؛ فخلال العام 2025 و2026، رصدت وزارة التجارة الأميركية عبر تحديثاتها المستمرة لـ “القائمة السوداء” عشرات الشركات الصينية المتورطة في تزويد برامج التسلح الإيرانية برقاقات كمبيوتر متطورة، وأجهزة جيروسكوب لتحديد الاتجاه، وبطاريات عالية الكثافة، وكابلات ألياف ضوئية.  حيث تمنح هذه القطع الدقيقة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية القدرة على التوجيه الذاتي، وتجاوز منظومات الدفاع الجوي المعقدة، والوصول إلى أهدافها بدقة عالية.

وفي السياق ذاته، كشفت تقارير استخباراتية حديثة صادرة عن “معهد واشنطن” و”مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” حيث تقول إن بكين انتقلت إلى مرحلة “الدعم الاستخباراتي التجاري الخفي”. ومن خلال شركات صينية متخصصة مثل “MizarVision”، حصل “الحرس الثوري” الإيراني على صور أقمار صناعية عالية الدقة ومحدثة للقواعد العسكرية الأميركية في الأردن والسعودية والعراق، مما ساعد طهران ووكلائها على توجيه ضربات دقيقة أدت في النهاية إلى إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها على دول الخليج بالمنطقة.

يرى الكاتب والخبير في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط، مهدي رضا، أن العثور على هذه المكونات لا يعني بالضرورة أن بكين اتخذت قراراً رسمياً بالتحول إلى “مورد عسكري خفي” لطهران.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ “الحل نت”: “النظام الإيراني استطاع خلال السنوات الماضية أن يستفيد من الأسواق الصينية، ومن شبكات الشركات والوسطاء، للحصول على مكونات مزدوجة الاستخدام تدخل في صناعة المسيّرات والصواريخ لإبقائه قادراً على تشغيل خطوط إنتاجه العسكري وتعويض خسائره بكلفة أقل”.

وبعبارة أوضح، الصين لم تكن تشحن الدبابات أو الطائرات مقاتلة جاهزة، لكنها كانت توفر لآلة الحرب الإيرانية قطع الغيار والرقاقات الدقيقة التي يقل تصنيفها عن السلاح المباشر والتي عادة ما تصنف “مزدوجة الاستخدام” وهو ما يعرف بـ “التوريد الرمادي”، مما منح طهران إمكانية إعادة إنتاج قدرتها على القتال وتعويض جزء من خسائرها، فكل محرك أو مكون إلكتروني أو نظام توجيه يصل إلى الصناعة العسكرية الإيرانية يعني إمكانية استمرار إنتاج المسيّرات والصواريخ بعد تعرض المخزونات والمنشآت لضربات متكررة، وهو ما ساهم بشكل كبير على تأخير الحسم العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب قبل أن ترتد لتشمل أمن الملاحة والطاقة العالمي.  

من المكونات إلى الدفاع الجوي

التطور الأكثر وضوحاً في طبيعة التعاون العسكري بين الصين وإيران ظهر في ملف الدفاع الجوي. فبحسب مصادر تحدثت إليها “رويترز” أواخر تموز/ يوليو الفائت، تستعد إيران للحصول على ما يصل إلى 400 منظومة صينية محمولة للدفاع الجوي، من طرازي QW-12 وFN-16، في صفقة تقدر قيمتها بين 60 و70 مليون دولار. ووفق المصادر، تأتي الصفقة في وقت تحاول فيه طهران تعزيز دفاعاتها بعدما كشفت الحرب عن نقاط ضعف في حماية مواقعها العسكرية والبنية التحتية الحيوية.

وتكمن أهمية هذه الصفقة في طبيعة السلاح نفسه. فأنظمة الدفاع الجوي المحمولة لا تحتاج إلى بنية تحتية كبيرة، ويمكن نقلها بسرعة واستخدامها ضد الطائرات والمسيّرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة. وهذا يجعلها مناسبة لحرب تتعرض فيها إيران لضربات جوية واسعة وتحاول في الوقت نفسه حماية مواقعها العسكرية ومراكز القيادة والمنشآت الحيوية.

لكن هذا لا يعني أن هذه المنظومات قادرة على إغلاق المجال الجوي الإيراني أمام الطيران الأميركي أو الإسرائيلي، غير أنها قد ترفع كلفة العمليات الجوية وتزيد مخاطر التحليق على ارتفاعات منخفضة، كما تمنح إيران طبقة إضافية من الدفاع في المناطق التي تضررت فيها منظوماتها التقليدية.

النفط.. مفاتيح الدعم

لم يقتصر هامش الدعم الصيني على المجال العسكري، إذ وفرت تجارة النفط بين البلدين مورداً اقتصادياً ساعد طهران على تحمل آثار العقوبات وتداعيات الحرب، وتشير بيانات الجمارك ووكالات تتبع الناقلات الدولية إلى أن الصين تشتري وحدها ما يقرب من 85% من إجمالي النفط الذي تصدره إيران بحراً. حيث يجري شحنه عبر ناقلات تعمد إغلاق أجهزة التتبع الآلي وتغيير هوياتها في عرض البحر قبل الرسو في الموانئ الصينية.

منظومة صينية محمولة للدفاع الجوي – انترنت

والمحرك الأساسي لهذه التجارة الرمادية، وفقاً للوكالات مثل ” “Kpler” و”Vortexa”، ليس الشركات الحكومية الصينية الكبرى الخاضعة للرقابة الدولية، إنما مصافي النفط المستقلة الصغيرة في مقاطعة شاندونغ، والمعروفة باسم “مصافي الإبريق”. هذه المصافي تشتري الخام الإيراني بخصومات سعرية هائلة تتراوح بين 5 إلى 15 دولاراً للبرميل الواحد مقارنة بخام برنت.

وبمعنى أدق، بينما كانت الرقاقات الإلكترونية والمستشعرات هي العصب التقني لآلة الحرب الإيرانية، كان النفط هو المحرك المالي والوقود الحقيقي الذي يضمن استمرارها. وهنا يبرز الجانب الأكثر حيوية في الاستراتيجية الصينية؛ فبكين لا تدفع لطهران نقداً بالدولار الذي تراقبه واشنطن بدقة جراء عمليات استيراد النفط، إنما تدير نظام مقايضة تحول بموجبه اليوان الصيني والتكنولوجيا إلى شبكة أمان اقتصادي ومالي لـ “الحرس الثوري”.

يعتقد الخبير مهدي رضا، إن “هذه القوة التي يحاول النظام الإيراني إظهارها عبر المسيّرات والصواريخ والتحالفات الاقتصادية هي قوة مصطنعة؛ فالسلطة التي تحتاج إلى التكنولوجيا الخارجية، وإلى بيع النفط بأساليب ملتوية، وإلى شبكات التفاف على العقوبات، لا تعيش حالة قوة، بل حالة دفاع عن البقاء”.

يوضح أن الهامش الإضافي الذي تمنحه بكين لطهران لا يغير من واقع أزمتها الهيكلية؛ “فالطائرات المسيّرة لا تستطيع حل أزمات الفقر، والبطالة، وانهيار العملة، ولا يمكنها منع انفجار الغضب الشعبي في الداخل”.

ويشير إلى أن بكين تدرك جيداً هذه الحدود، وهي حريصة على عدم التضحية بعلاقاتها الكبرى مع دول الخليج مثل السعودية والإمارات، أو الدخول في صدام مدمر مع واشنطن من أجل طهران.

الصين تحارب أميركا عبر طهران

لا يمكن فصل هندسة الدعم الصيني لطهران عن الخريطة الجيوسياسية الكبرى التي تديرها بكين في حوض المحيطين الهندي والهادئ. فخلف كل شحنة تقنية مزدوجة الاستخدام أو شحنة نفط مفرغة في مصافي “الإبريق”، تكمن رغبة صينية استراتيجية في التخلص من الضغوط العسكرية الأميركية المباشرة المحيطة بحدودها البحرية، أي محاربة واشنطن بشكل غير مباشر وذلك عبر تقديم الدعم لإيران.

وتدرك بكين أن استمرار الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط يمثل “مساحة تنفس” مجانية لأجندتها الخاصة تجاه تايوان وبحر الصين الجنوبي. فكلما اضطرت واشنطن لإرسال مجموعات هجومية من حاملات الطائرات، أو استهلاك مخزوناتها الدفاعية المتطورة من صواريخ “باتريوت” وذخائر التوجيه الدقيق لإحباط هجمات المسيّرات والصواريخ في مضيق هرمز والبحر الأحمر، تراجعت قدرتها الفورية على تعزيز استراتيجية “المحور الآسيوي” وحشد القوة لردع الطموحات الصينية العدائية في آسيا. مع ذلك، فإن هذه اللعبة الرمادية محكومة بـ “سقف زجاجي” لا ترغب الصين في كسره؛ إذ يظل الخوف الأكبر لصانع القرار في بكين هو خروج التصعيد عن السيطرة والتحول إلى حرب إقليمية شاملة ومدمرة.

هذا التحرك يفسر السلوك الصيني المزدوج؛ فهي تقدم من جهة ما يكفي من التكنولوجيا والتمويل لضمان بقاء النظام في إيران ومنحه القدرة على المشاغبة واستنزاف الموارد الأميركية، لكنها تتدخل من جهة أخرى دبلوماسياً لضبط إيقاع الصراع ومنع انفجاره الكامل.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم