بينما تدخل الحرب على إيران شهرها الثامن، وسط مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين لضبط إيقاع التفاهمات حول كبح آليات الحرب وفتح مسارات للنقاش بشأن مضيق هرمز، تنفذ الولايات المتحدة خروجاً عسكرياً من العراق بنهاية هذا الشهر، بعدما كانت قد بدأت خلال نيسان/أبريل من العام الجاري، خفض وجودها العسكري في سوريا والانسحاب من عدد من القواعد والمواقع الرئيسية هناك.
ولا ينبغي تصور أن هذه المغادرة تمثل انزياحاً كاملاً عن هندسة الحضور الأميركي في الشرق الأوسط، بقدر ما تبدو إعادة نمذجة للوجود وشكل التفاعل والتأثير في الجغرافيا الساخنة، بما يفضي إلى تحميل بعض الفاعلين الإقليميين مهام ومسؤوليات مشتركة تتصل بالأمن والتوازن الإقليمي.
العراق وسوريا وتقليص النفوذ الإيراني
ثمة جغرافيا ومساحات مشتركة في الشرق الأوسط ترتبط بتحديات متقاربة، وتتماهى مع مهام جيوسياسية قد تبدو سوريا والعراق واحدة من نماذجها في المنطقة، لا سيما أنهما يشتركان في مشهدية خفض الوجود العسكري الأميركي خلال العام الجاري، كما يشتركان في خبرة التعامل مع النفوذ الإيراني وتوظيف طهران لكليهما ضمن شبكات نفوذ وأذرع وظيفية خلال السنوات الأخيرة.

بيد أن دمشق، مع سقوط نظام بشار الأسد في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2024، تمكنت من تقليص الحضور الإيراني بصورة كبيرة، كما أنها تعمل، بفعل الجغرافيا من جهة، والسياسة ودلالاتها من جهة أخرى، كحائط صد أمام تهريب السلاح ووصوله إلى “حزب الله” في لبنان.
وفي المقابل، تعمل الحكومة العراقية الحالية على تعزيز احتكار الدولة للسلاح، وتقويض عمل الفصائل المسلحة خارج مؤسسات الدولة، والحد من فاعلية الأذرع العقائدية المرتبطة بإيران وآليات عملها وحركتها.
ومن الصعوبة بمكان فصل هذه الملفات بعضها عن بعض، سواء تعلق الأمر بالحرب على إيران، أو بمصير المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، أو بواقعية الخروج العسكري الأميركي من بعض الجغرافيات الساخنة في الشرق الأوسط.
ولأن العراق وسوريا دولتان من دول الجوار الإيراني، فقد كانتا من أكثر الجغرافيات تأثراً بتداعيات الحرب، أمنياً وسياسياً، وإن كان العراق يبدو أكثر حساسية في هذا السياق، بحكم استخدام أراضيه في إطلاق هجمات طالت أهدافاً ومصالح في الخليج، بينها منشآت في المملكة العربية السعودية، وهو ما أضاف سيولة كبيرة إلى المشهد الأمني، ورفع منسوب المخاطر المرتبطة بقدرة الدولة العراقية على ضبط الفاعلين المسلحين داخل أراضيها.
وفي هذا السياق، فإن مناقشة سيناريوهات الفراغ المحتمل وآليات ضبطه لن تكون، على الأرجح، مسألة متروكة للمصادفة، بقدر ما ستدخل في صلب إعادة ترتيب الأدوار والمسؤوليات الأمنية في الإقليم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الانسحاب الأميركي باعتباره جزءًا من مسار أوسع نحو إعادة توزيع الأعباء في جغرافيا الشرق الأوسط، بحيث تتولى الدول الإقليمية جانباً أكبر من مسؤوليات الأمن والاحتواء وضبط التوازنات.
ويتزامن الانسحاب الأميركي من العراق مع مناقشة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال اجتماعهما في نيويورك، أهمية تفكيك التنظيمات المسلحة ومنع شن هجمات من الأراضي العراقية، في وقت انتقلت فيه بغداد من الحديث عن موعد محدد لنزع السلاح إلى مسار زمني أطول قد يمتد إلى حزيران/يونيو 2027.
احتمالية تموضع إيران كدولة طبيعية
وربما يصبح سيناريو انتهاء الحرب مع إيران، والوصول إلى عتبة آمنة في مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، شرطاً لاختبار شكل التوازنات الجديدة في المنطقة، وقياس مناسيب القوة والنفوذ بين دولها، وما إذا كانت ترتيبات ما بعد الحرب ستنتج فراغاً فعلياً، أم إعادة توزيع للوظائف والأدوار التي كانت واشنطن تضطلع بجزء أساسي منها.
وقد يبدو ذلك دقيقاً مع تمثل واقع آخر يتأسس عبر تموضع إيران كدولة طبيعية في محيطها وجوارها الإقليمي، ووضع حدود فاصلة أمام التأثير العقائدي والتوظيف الأيديولوجي للشيعة في دول الشرق الأوسط، خاصة في لبنان والعراق واليمن، والحد من قدرة التنظيمات المسلحة على العبث بالاستقرار الأمني والسياسي، سواء لبنية الدولة أو لدول الجوار.

إن متابعة الأحداث عبر السنوات الماضية، التي تمددت فيها إيران عبر بعض دول المنطقة كنتيجة مباشرة لتحلحل الأنظمة السياسية فيها، والتدقيق في نتائج تلك التطورات خلال الشهور الأخيرة، يشي بكثير من القلق. فالانخراط في السيولة الميدانية عبر أكثر من جبهة قد يبدو أكثر قابلية من احتمالات النجاح في إنهاء الصراعات عبر التفاوض، الأمر الذي يضع مسؤولية مشتركة أمام الجميع نحو ضرورة تقويض قدرات إيران التوسعية، وأهمية أن تعمل كدولة في مسارها الجيواستراتيجي، دون نظرة توسعية تتجاوز من خلالها مفهوم الأمن والسلام الإقليمي.
وبالعودة إلى تصريحات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في اجتماع الأمم المتحدة بنيويورك خلال الأسبوع الفائت، فإنه قال إن بلاده تؤمن بإنهاء الصراعات عبر التفاوض، مجدداً دعمها للحوار والدبلوماسية لنزع فتيل الأزمات.
وأكد الزيدي من نيويورك أن “الاستقرار لا يبنى بالحروب”، معرباً عن قلق بغداد من التداعيات المحتملة للتوترات الإقليمية على حرية الملاحة في المنطقة، مشيراً إلى أن استدامة السلام مسؤولية مشتركة، وأن العراق يمد يده إلى الجميع على أساس حسن الجوار، بهدف نقل المنطقة من الصراع إلى التكامل.
وفي ما يتعلق بالعلاقات مع التحالف الدولي، أبدى الزيدي تطلع بغداد إلى تحويل مسار التعاون معه من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف في العراق وتعزيز مجالات التعاون بين الجانبين. وشدد، في كلمة أمام الأمم المتحدة، على أن أولوية العراق تتمثل في أن تكون الدولة صاحبة القرار في السلم والحرب، وأن يبقى السلاح بيد مؤسساتها الدستورية.
“اتفاقية مكة” ورسم خرائط الأمن الإقليمي
من ناحية أخرى، قد يبدو لافتاً مراقبة بنية التحالفات الأمنية التي تتأسس بناءً على تلك التهديدات التي تمارسها إيران في محيطها الجيو-استراتيجي، مرة من خلالها مباشرة، عبر توسيع دائرة الحرب ورفع تكلفة أعبائها على الجميع، من خلال استهداف مواقع حيوية في الأردن ودول الخليج، وأخرى عبر دفع جماعة “الحوثي” في اليمن إلى تنفيذ أعمال عدائية ضد المملكة العربية السعودية، واستهداف مواقع النفط ومنشآت حيوية في العاصمة الرياض، فضلاً عن الطائف وخميس مشيط وأبها وجيزان، ما أدى إلى تأسيس “تحالف مكة” بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
وفي هذا السياق، اكتسب اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قادة ومسؤولي عدد من دول الشرق الأوسط والخليج في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أهمية خاصة، إذ جمع ممثلين عن السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان، إلى جانب مصر وتركيا والعراق والأردن وسوريا ولبنان. وبحث الاجتماع تطورات المنطقة وسبل خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار، في وقت تزايدت فيه الضغوط المرتبطة بالحرب على إيران واضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب. ويعكس هذا الحضور الإقليمي الواسع أن التعامل مع المرحلة المقبلة لم يعد شأناً أميركياً خاصاً، ولكن صار مرتبطاً بقدرة حكومات المنطقة على صياغة ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية تتعامل مع تداعيات الحرب، وتحد من فرص عودة نموذج الفاعلين المسلحين خارج مؤسسات الدولة.
أيضاً، لافتاً محاولة البحث وراء اجتماع الجمعة، 25 من أيلول/سبتمبر الجاري، في العاصمة الرياض، الذي ضم رؤساء أركان الدول الثلاث، بهدف بحث سبل مساندة المملكة في إطار حلف مكة الدفاعي. وقد جاء لقاء الرياض بعد اجتماع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع نظيريه التركي والباكستاني في مقر وفد المملكة لدى الأمم المتحدة.

إذاً، لا يبدو أن القادم ينبغي أن تظلله العناية الأميركية وحدها، بل إن واشنطن نفسها حرصت أكثر من مرة على ترك ما يعني أن على الجميع تحمل مسؤولياته والاعتناء بنفسه، من دون أن يعني ذلك خروجاً كاملاً للوجود الأميركي.
ويبدو أن “تحالف مكة” قد انتقل خلال الأيام الأخيرة إلى مستوى التنسيق العسكري المباشر، مع اجتماع رؤساء أركان الدول الثلاث في الرياض لبحث تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق العسكري ورفع القدرات الدفاعية، في ظل تصاعد الهجمات “الحوثية” على المملكة. ويشير هذا المسار إلى أن جزءًا من البنية الأمنية التي كانت تعتمد بدرجات مختلفة على الوجود الأميركي، بدأ يأخذ شكل ترتيبات إقليمية أكثر مباشرة، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الدور الأميركي.
والتدقيق الحقيقي في “تحالف مكة”، وفهم مبررات حضوره في العقل السعودي، قد يبدو مفهوماً وواضحاً، غير أن ذلك قد يحتاج بعد التفكيك إلى قراءة الاستراتيجية التركية التي تدرك أن مستقبل معادلات النفوذ والتأثير في الأفق المنظور يحتاج قدراً جديداً من الحضور في المشهد العام، بعد تأييدها السابق لتنظيمات الإسلام السياسي قبل عقد أو أكثر قليلاً.
ولذلك تعمل تركيا، مع التطورات الجديدة، خاصة في سوريا والعراق، ومع التهديدات الإيرانية، على توطيد علاقاتها مع محيطها العربي، سواء في مصر أو دول الخليج، فضلاً عن كونها أصبحت الداعم الرئيس لحكومة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في دمشق. كما أنها في العراق تعمل على تحسين طرق التجارة وإمدادات المياه، واستقبلت بحفاوة بالغة رئيس الوزراء العراقي في مستهل توليه منصبه رئيساً للحكومة.
وفي اليمن، أخذ التصعيد الإيراني غير المباشر عبر “الحوثيين” بُعداً أكثر حساسية مع توسع سيطرة “الحوثيين” على مواقع استراتيجية عند مدخل البحر الأحمر، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ويعني ذلك أن أمن الخليج صار مرتبطاً بشكل مباشر مع أمن البحر الأحمر، وأن أي ترتيبات إقليمية جديدة ستكون مطالبة بالتعامل مع شبكة مترابطة من نقاط الضغط الممتدة من الخليج إلى باب المندب.
وبالتالي، تدفع هذه التطورات، في حال تموضعها كواقع واستمرارها، ومن ثم تفاعلها وتأثيراتها، إلى نتيجة أكثر عمقاً من مجرد إعادة توزيع الأعباء والمسؤوليات والأدوار الأمنية في الشرق الأوسط؛ إذ قد تجد التنظيمات المسلحة المرتبطة بإيران نفسها أمام ضغوط متزايدة للانخراط في المجال السياسي الوطني، وإعادة تعريف علاقتها بالدولة ومؤسساتها، بما يعني تراجعاً تدريجياً في نموذج التبعية الخارجية لمصلحة الاندماج داخل هياكل الدولة، سواء في العراق أو لبنان أو اليمن.
وفي المقابل، فإن انحسار قدرة هذه التنظيمات على العمل كذراع عقائدية وظيفية، سيعني بالضرورة تضييق المساحات التي تتحرك فيها إيران إقليمياً، وتقليص قدرتها على توظيف هذه الشبكات في بناء نفوذ يتجاوز حدود الدولة.
ومن هذه الزاوية، قد تجد طهران نفسها أمام مسار أكثر عمقاً من مجرد إدارة الحرب أو التفاوض حول ملفاتها المباشرة؛ اختبار يرتبط مباشرة بماهية المساحات المتاحة لها لتؤدي دورها كدولة طبيعية وسط جيرانها. وربما يكون الزمن وتطورات الأحداث خلال الأفق المنظور، سواء ميدانياً أو سياسياً، هو ما يملك حسم السيناريو الأكثر ترجيحاً.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟
