“نريد فقط الضمانات”.. تأييد مجتمعي من عوائل الفصائل و”الحشد” للدمج وحصر السلاح

أيوب سعد

بالنسبة إلى فاطمة الموسوي، لا تنحصر قضية دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة العراقية في تبديل الزي العسكري أو نقل المقاتلين بين الهياكل المختلفة، بل تتصل بشكل مباشر بمصير أسر كاملة ارتبط أمنها المعيشي بسنوات المرابطة والتضحية ضد “داعش”. من هذا المنطلق، تنظر فاطمة إلى تنظيم السلاح واحتكاره رسمياً من زاوية اجتماعية، ترتكز على صون الاستحقاقات وعدم التفريط بالجهود التي بُذلت خلال المرحلة السابقة.

وتوضح الموسوي، وهي من ذوي شهداء “الحشد الشعبي”، في حديثها لـ”الحل نت”، أن عائلات المقاتلين تتطلع إلى تأمين المستقبل الوظيفي والمالي لملبي النداء، مشددة على أن إخضاع السلاح للشرعية الرسمية لا ينبغي أن يُترجم كتنكر للعطاء الميداني بوجه التنظيمات المتطرفة.

الاندماج بشرط إنصاف التضحيات.. مطالب عوائل الفصائل و”الحشد” 

تردف فاطمة: “إحنا ويا حصر السلاح بيد الدولة، وما عدنا اعتراض على أن تكون كل الفصائل المسلحة تحت القانون والمؤسسات الرسمية، لكن بنفس الوقت نريد حقوق أبونا وأهلنا تبقى محفوظة، وما تروح تضحياتهم بمجرد تغيير الصفة أو المكان”.

“أبويه قاتل وضحّى، وعنده سنوات خدمة وإصابات وحقوق لازم تنحسب بالقانون، ما نريد أكثر من حقنا، ونريد الدولة تضمن إلنا الرواتب والتقاعد والرعاية الصحية وكل الاستحقاقات اللي يستحقها المقاتل وعائلته”، تضيف فاطمة.

وتتابع: “إذا أكو قرار بدمج المقاتلين بمؤسسات الدولة، فأحنا وياه إذا كان قانوني وواضح، ويضمن لكل مقاتل مكانه ورتبته وحقوقه، وما يخلّي العائلة بحيرة أو خوف على مستقبلها”.

وتشدد الموسوي، على أن “هذه التضحيات يجب أن تُصان بنصوص قانونية؛ فنحن نطالب الدولة بتكريم من دافع عنها، ورعاية عوائل الشهداء والجرحى، مع تأييدنا الكامل لأن يكون القرار الأمني والسلاح تحت المظلة الحكومية حصراً”.

وتختتم فاطمة حديثها لـ”الحل نت” بعبارة حاسمة: “لا نؤيد وجود السلاح خارج الأطر الرسمية، بل نريد من الدولة أن تكون هي الضامن لاستحقاقاتنا، والراعي لمستقبل أسر من دافعوا عنها”.

تجسد مطالب الموسوي جوهر البعد الاجتماعي في ملف إعادة هيكلة الفصائل المسلحة؛ إذ إن التحول من أُطر التشكيلات إلى المؤسسة الرسمية يتجاوز الترتيبات الأمنية، ليلامس حقوقاً وظيفية ومعيشية تراكمت عبر سنين الحرب، بدءاً من السلم الوظيفي والتقاعد، وصولاً إلى الرعاية الصحية وتعويضات عائلات ضحايا الحرب.

الأمان الوظيفي وتثبيت الخدمة.. مطالب مقاتلي “الحشد” والفصائل قبل الدمج

تكتسب هذه الاستحقاقات حساسية خاصة نظراً لتباين الظروف الفردية للمنتسبين؛ فسنوات الخدمة تتفاوت، والتخصصات الميدانية وحالات الإصابة تختلف بين عنصر وآخر. ومن ثمّ، فإن تنظيم الشأن العسكري يتطلب أطراً تشريعية شفافة تُسند لكل مقاتل درجته المناسبة، وتحتسب أقدميته السابقة وفق ضوابط عادلة تمنع الإجحاف.

ينعكس هذا التوجه بوضوح في موقف المقاتل في “الحشد الشعبي” وعد جواد، الذي يُبدي انفتاحاً كاملاً على خيار الاندماج المؤسساتي، شريطة اقترانه بتشريعات تحمي الضمان الاجتماعي والأمن الوظيفي لعائلته، مؤكداً أن المطلب المحوري يتركز في تثبيت الأقدمية وتأمين المظلة التقاعدية.

ويقول جواد لـ”الحل نت”: “نحن كمقاتلين لا نمانع إطلاقاً خيار الاندماج وحصر السلاح؛ بل نطمح للعمل تحت مظلة رسمية تحدد واجباتنا وحقوقنا كأي عنصر في أجهزة الدولة، وكل ما نرجوه ألا يُهدر رصيدنا الخدمي وتضحياتنا السابقة”.

“كربّ أسرة، أضع مستقبل أطفالي في مقدمة الأولويات؛ أحتاج لليقين بأن سنوات مرابطتي مدرجة رسمياً، وأن هناك مظلة تقاعدية تكفل كرامة عائلتي ولا تتركها دون معيل في حال تعرضي لأي مكروه”، يضيف جواد.

ويواصل جواد تأكيده، أن “الاندماج يمثل مساراً طبيعياً متى ما أُطر بقانون ينصف الجميع؛ فقد خضنا المعارك لحماية الوطن ولا يمكن أن نكون عائقاً أمام بناء مؤسساته، واليوم نبتغي مواصلة واجبنا تحت راية الدولة مقابل تعهدها بصون حقوق أبنائنا”.

ويختصر وعد تطلعاته بكلمات موجزة: “احتساب الأقدمية، راتب مستقر، تقاعد معترف به، ورعاية صحية لأسرنا.. لا نسعى لامتيازات استثنائية، بل نطالب بالاستحقاق القانوني المباشر”.

توضح هذه الرؤية، أن أبناء الفصائل و”الحشد” يقرؤون الاندماج كتعاقد جديد يربطهم بالدولة على قواعد مستقرة توازن بين الواجب الوظيفي والحق القانوني، وتوفر رؤية مستقبلية واضحة للمنتسب، بضمانات معتمدة في حالات العجز أو الوفاة دفاعاً عن الأرض.

دمج الفصائل وتأطير خبرات “الحشد”.. الرؤية السياسية والتحول المؤسسي

من جانبه، يضع الباحث السياسي علي البيدر هذا التحول في سياق استراتيجي أوسع، موضحاً لـ”الحل نت”، أن إعادة استيعاب الفصائل المسلحة داخل المؤسسات الرسمية، متى ما جرت وفق أطر مهنية واضحة، لا تعني التقليل من رصيدها الميداني أو تتجاهل أدوارها السابقة، بل تُسهم في نقل مهارات المنتسبين من ظروف المواجهات غير النمطية إلى الخدمة النظامية الخاضعة لسلسلة أوامر موحدة.

وتتطلب عملية الاستيعاب آليات تقييم وتصنيف متقدمة تراعي تفاوت المؤهلات والسنوات الخدمية، بما يضمن توزيع الموارد البشرية وفق الاختصاص وتطوير قدراتها عبر برامج التأهيل الشاملة.

ويرى البيدر، أن الاندماج الناجح يتطلب الاعتماد على ضوابط حاسمة لتحديد المراتب والأجور والمستحقات، إلى جانب تشكيل لجان خاصة لمعالجة الملفات الفردية، مشدداً على ضرورة فصل حقوق ذوي الشهداء والجرحى عن التعقيدات التنظيمية لضمان استدامة الرعاية المالية والصحية والاجتماعية لهم.

وبناء عليه، يشكل صون المكتسبات الاجتماعية ركيزة أساسية لتجديد العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة؛ فالأسر التي قدمت أبناءها تستحق مظلة حماية دائمة، والجرحى بحاجة لنظام تعويضي مستقر، بينما يتطلع المقاتل المستمر لمسار وظيفي شفاف.

ويلفت البيدر، إلى إمكانية الاستفادة من المهارات الميدانية التي أفرزتها معارك المواجهة مع الإرهاب، ولا سيما الخبرات التكتيكية في التعامل مع التضاريس وإدارة الأزمات الأمنية، عبر صقلها بالمناهج العسكرية وإخضاع الأفراد لبرامج تدريبية توزعهم حسب القدرات والتخصصات.

ما يعني أن الانتقال نحو الصبغة الرسمية لا يستدعي التفريط بالخبرات المكتسبة، بقدر ما يتطلب إعادة توجيهها مؤسسياً تحت القيادة المركزية، لتحويل المهارات التكتيكية إلى كفاءات انضباطية داخل المنظومة الدفاعية.

توحيد القرار الأمني وسيادة القانون.. المعادلة الحاسمة لبناء الدولة

يؤكد البيدر، أن التقدير الحكومي للتضحيات الميدانية لا يتقاطع إطلاقاً مع تثبيت حصرية القرار الأمني؛ إذ تستطيع الدولة صون حقوق المدافعين عنها وتكريمهم، مع احتكار السلاح والأوامر والرتب العسكرية تحت قيادة أمنية موحدة.

وتضع هذه المعادلة مسار الدمج أمام أفق يتجاوز التسوية الإدارية، نحو بناء منظومة دفاعية متكاملة تخضع فيها الفصائل المسلحة للسيطرة والقيادة للشرعية الدستورية، مع إيجاد أطر تشريعية تضمن التكريم والتقدير.

وينتهي البيدر، إلى أن جوهر الرسالة السياسية يتمثل في إثبات قدرة الدولة على احتضان أبنائها وصون حقوقهم، بالتوازي مع إخضاع منظومة الفصائل المسلحة كافة للشرعية ولسيادة القانون.

يُلزم هذا الملف المؤسسات الرسمية بتجاوز الحلول الشكلية أو الشعارات، نحو بلورة عقد وظيفي وأمني جديد يضمن احتساب أقدمية الخدمة والمستحقات المترتبة عليها دون نقص.

وتأتي حماية أسر الضحايا والجرحى كعنصر جوهري في صلب عملية إعادة الهيكلة، وليست مجرد ملف مؤجل؛ فتقديم الضمانات المادية والصحية والتعليمية يمنح الطمأنينة الاجتماعية للجميع أثناء الانتقال نحو الاندماج في أجهزة الدولة.

كما يتكامل الشق الاجتماعي مع المصلحة الأمنية العليا؛ إذ يتيح توحيد القوات العسكرية إنهاء وجود الهياكل الموازية، وتأطير الخبرات الميدانية بأساليب تنظيمية تخدم الدولة ومؤسساتها.

ولذا، فإن حصر السلاح وسيادة المؤسسة الأمنية لا يتعارضان مع تقدير التضحيات الميدانية، إذ ينبغي للدولة التوفيق بين صون مكاسب المقاتلين وإخضاع السلسلة القيادية لمرجعية واحدة، ومن هنا يتوقف نجاح هذا التحول المؤسساتي على قدرة الدولة يإدارة المشهد دون اختزاله بالجانب الإجرائي فقط، بل باستيعاب التاريخ الوظيفي والأبعاد المعيشية لجميع عناصر “الحشد” والفصائل وتحديد مسؤولياتهم بدقة.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم