المهمة الصعبة.. هل ينهي اتفاق لبنان وإسرائيل أزمة تسليح “حزب الله”؟

في خضم التصعيدات العسكرية الجارية بالمنطقة، وبعد أن أعلنت إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، في 26 يونيو/حزيران الماضي، التوصل إلى “اتفاق إطار ثلاثي”، بموجبه تنسحب القوات الإسرائيلية من المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، على أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على المناطق التي يتم إخلاؤها، فيما سيكون الاتفاق بداية لترتيبات بين إسرائيل ولبنان لنزع سلاح “حزب الله”، تستعد وفود دبلوماسية من البلدين لعقد الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة في العاصمة الإيطالية روما، وذلك خلال يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، 15 و16 تموز/يوليو الجاري.

وتهدف الجولة المقبلة إلى حسم الخلافات حول “المناطق التجريبية” جنوب نهر الليطاني، وبحث تفاصيل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، وذلك بعد توقيع “الاتفاق الإطاري” بوساطة أميركية في حزيران/يونيو الماضي، حيث يُصرّ الجانب اللبناني على بدء إسرائيل فعلياً بتنفيذ الانسحاب من الجنوب، وفق بنود الاتفاق بين البلدين.

وقبيل ساعات من انطلاق المحادثات، أعرب الرئيس اللبناني جوزيف عون عن أمله في أن تفضي المباحثات مع الجانب الإسرائيلي إلى خطوات عملية تبدأ بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي سيتم إخلاؤها. ويتوجه الوفد اللبناني إلى المفاوضات حاملاً مطلب الانتقال من الاتفاق الإطاري إلى مرحلة التنفيذ، في وقت صعّد فيه “حزب الله” هجومه على السلطة والاتفاق مع تل أبيب، معتبراً أنه يمس بسيادة لبنان ويستهدف ما أسماه بـ “المقاومة”. وهو ما يطرح تساؤلات صعبة: هل سينجح الاتفاق في تحقيق الهدف؟ وكيف سيتحرك “حزب الله” وإيران إزاء ذلك، وسط استمرار التصعيدات العسكرية جنوب لبنان.

اتفاق لبنان وإسرائيل ومُعضلة التنفيذ

يُعتبر الاتفاق إنجازاً هاماً لكل من لبنان وإسرائيل، وذلك بعد أن كان الصراع الداخلي في لبنان بشأن علاقته بإيران دافعاً رئيسياً وراء قرار السلطات اللبنانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وقبول اتفاق ينص على انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان مشروطاً بنزع سلاح “حزب الله”.

مركبات عسكرية إسرائيلية في قرى بجنوب لبنان بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026. “أ.ف.ب”

يُصرّ كل من الرئيس ورئيس الوزراء اللبناني على حق لبنان السيادي في التفاوض بنفسه، ويرفضان أي ربط بين قرارات بيروت والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ويعتبران التفاوض السبيل الوحيد لوقف الحرب وضمان انسحاب إسرائيل من الجنوب، بينما يُصرّ “حزب الله” على أن الضغط الذي مارسته إيران على الولايات المتحدة بإغلاق مضيق هرمز- وليس المفاوضات المباشرة بين الحكومة وإسرائيل- هو ما أجبر على وقف إطلاق النار في لبنان.

ولهذا رفض الأمين العام لـ”حزب الله”، نعيم قاسم، الاتفاق بين إسرائيل والحكومة اللبنانية رفضاً قاطعاً، واصفاً إياه بأنه مهين ويمثل تنازلاً عن السيادة، بينما تُصرّ الحكومة اللبنانية على التحرر من النفوذ الإيراني، ولهذا وافقت على اتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وجهود إعادة الإعمار، وعودة النازحين، بموافقة “حزب الله” على نزع سلاحه، وهو ما تم ربطه بقدرة الحكومة اللبنانية وداعميها على نزع سلاح “الحزب” المدعوم من طهران.

وحول آلية تنفيذ الاتفاق، فبحسب تقرير لقناة “كان” العبرية، فإن هناك مساعي لتشكيل آلية إشراف وتنسيق مشتركة بين الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني، بهدف متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، استناداً إلى الملحق الأمني السري المرفق بالاتفاق بين الجانبين.

وقالت مصادر إسرائيلية مطّلعة لـ”كان” إن الآلية الجديدة تهدف إلى تعزيز مستوى التنسيق بين إسرائيل ولبنان، بحيث تعمل من خلال غرفة عمليات افتراضية، أو إطار تنسيقي مشترك، مع استمرار الدور الأميركي في الإشراف على إنشاء غرفة التنسيق، كما ستنسق الخطوات المتعلقة بتفكيك قدرات “حزب الله”، في إطار التفاهمات الأمنية الجاري العمل على تنفيذها، كما ستتولى الولايات المتحدة المصادقة على الشخصيات التي ستشارك في هذه الآلية، لضمان عدم وصول أي معلومات حساسة إلى “حزب الله”.

“حزب الله” الذي يهدد استقرار لبنان

على الرغم من المزايا التي يوفرها الاتفاق لكلٍّ من لبنان وإسرائيل- اللذين تجمعهما مصلحة مشتركة في نزع سلاح “حزب الله” وتحرير لبنان من النفوذ الإيراني- فإن طريق تنفيذ الاتفاق لا يبدو سهلاً، إذ تواجه عملية التنفيذ مجموعة من العقبات والتحديات.

وبحسب دراسة لـ”أورنا مزراحي” نُشرت في “معهد الأمن القومي” الإسرائيلي، فإن “حزب الله” يعارض الاتفاق والتخلي عن سلاحه وصلاته بإيران، ويلوح بشكل مباشر، أو غير مباشر، بإمكان اندلاع حرب أهلية، أو قد يحاول “الحزب” استهداف شخصيات قيادية لبنانية، أو المسؤولين الذين يقودون المفاوضات مع إسرائيل، أو ربما مواصلة نشاطه العسكري ضد قوات الجيش الإسرائيلي الموجودة داخل الأراضي اللبنانية، مما يعرقل الاتفاق.

وأضافت الدراسة أيضاً أن ضعف الجيش اللبناني والدولة اللبنانية من ضمن التحديات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، حيث يعاني الجيش اللبناني جرّاء تفوُّق “حزب الله” العسكري عليه، حتى في ظل حالة الضعف الحالية التي يمرّ بها “الحزب”، كما يفتقر الجيش اللبناني إلى الإرادة والقدرة على مواجهة “حزب الله”، وأي محاولة لتقوية الجيش اللبناني تحتاج إلى وقت طويل وموارد كثيرة.

إلى جانب احتمالات تعطيل الاتفاق من جانب إيران، التي أظهرت بالفعل استعدادها للمخاطرة بانهيار وقف إطلاق النار من أجل الحفاظ على نفوذها في لبنان وضمان بقاء “حزب الله”؛ كذلك لا يمكن استبعاد احتمال أن تدفع إيران “حزب” إلى خرق وقف إطلاق النار في حال واجهت صعوبات في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، وذلك لتبرير تعليق، أو وقف، محادثاتها مع واشنطن.

ومن جانبه، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال مؤتمر صحفي، قائلاً: “إسرائيل لن تنسحب قيد أنملة حتى يتم نزع سلاح حزب الله”. وأضاف أنه خلال اجتماع مع مسؤولين عسكريين أميركيين، تم الاتفاق على بقاء إسرائيل في ثلاث مناطق أمنية، في لبنان وسوريا وغزة، وقال إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في لبنان “على المدى الطويل”، لأنه لا يتوقع أن “يتحول الجنود اللبنانيون فجأة إلى أسود تهاجم حزب الله”.

جنوب لبنان المدمر،5 يوليو الحالي. “رويترز”

بينما حذر سياسيون لبنانيون من أن “حزب الله”- وهو قوة قتالية مجهزة بشكل أفضل وأكثر قدرة من الجيش اللبنان – لا يمكن نزع سلاحه بالقوة، وأن القيام بذلك يُنذر بخطر اندلاع حرب أهلية.

ووصف رئيس البرلمان اللبناني، وحليف “حزب الله”، نبيه بري، اتفاق الإطار بأنه أقرب إلى مجموعة من “الإملاءات” منه إلى اتفاق، وقال في تصريحات لوسائل الإعلام اللبنانية إن الاتفاق “لا يمكن تنفيذه”. وأضاف أن أخطر ما في الاتفاق هو احتمال “إثارة الانقسامات الداخلية”.

كيف يجر “حزب الله” نفسه للمحرقة

من وجهة النظر الإسرائيلية، ينطوي الاتفاق على عدد من المكاسب المهمة؛ أولاً، إن مجرد توقيع الحكومة اللبنانية الاتفاق يُعَدّ تعبيراً عن اعترافها بدولة إسرائيل، ويشير إلى إمكان حدوث تحوُّل في العلاقات بين البلدين مستقبلاً، بمعزل عن القضية الفلسطينية، وكذلك يخفف الاتفاق، إلى حدٍّ ما، من الآثار السلبية لمذكرة التفاهم التي أُبرمت بين إيران والولايات المتحدة، والتي اعترفت بالدور الإيراني في لبنان.

وفي هذا السياق، حدد العقيد الدكتور جاك نيريا، من “مركز القدس” للأمن والشؤون الخارجية، وهو نائب سابق لرئيس قسم التقييم في الاستخبارات العسكرية للجيش الإسرائيلي، أن انفصال لبنان عن إيران هو المكسب الرئيسي حتى الآن، وقال نيريا: “الميزة الوحيدة حتى الآن هي النجاح في فصل لبنان عن انضمامه إلى الجبهة الإيرانية”.

وبالنسبة لإسرائيل، فإنه إذا حاول الجيش اللبناني نزع سلاح “حزب الله” بالقوة، فسيؤدي ذلك إلى صراع داخلي، وهو أمر جيد لإسرائيل ويبرر وجودها في جنوب لبنان. وإذا نجح الجيش اللبناني، وهو أمر معقد في الوقت الراهن، فسيكون ذلك جيداً لإسرائيل أيضاً، لأن المهمة الأصلية تم إتمامها.

أما عسكرياً، فأيضاً يمنح الاتفاق إسرائيل شرعية دولية للحفاظ على وجود تكتيكي قرب الحدود إلى حين استيفاء الشروط، واستخدام القوة إذا رفض “حزب الله” نزع سلاحه أو حاول التسلل إلى المناطق التي تم إخلاؤها.

وبالنسبة لـ”حزب الله”، فإن الاتفاق هو ورطة، حيث يهدف الاتفاق في جوهره إلى تعزيز السيادة اللبنانية ورفض التدخل الإيراني، وينص على أن تحتفظ الحكومة اللبنانية وحدها بحق استخدام القوة، مما يعزل “حزب الله” سياسياً عن القرارات في لبنان.

وإذا حاول “الحزب” أن يثير أزمات أو يؤجج انقسامات داخلية، أو يشعل حرباً داخلية، فقد يجرد هذا المشهد “حزب الله” من أسطورته الأساسية التي حاول تسويقها على مدار عقود بأنه “درع لبنان”، وسيكشف “الحزب” مرة أخرى، لا بصفته حامي لبنان، بل المتسبب في دماره وحرق البلاد.

كما أن أي محاولة من “الحزب” لتعطيل الاتفاق، الذي يتضمن الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار المدني والاستقرار بنزع سلاح “حزب الله”، فإن هذا سيكشف أيضاً أن “الحزب” هو من يقف عائقاً أمام تعافي لبنان وإعادة الاستقرار فيه، بل ويسعى إلى إشعال لبنان وإدخاله في حرب أهلية للحفاظ على نفوذ طهران وفقط.

سارة شريف

سارة شريف

مُحللة شؤون خارجية وباحثة دكتوراه في الإعلام السياسي

1 2 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم