منذ بدأت العشائر العربية في محافظة الحسكة نصب ما عُرف بـ”خيمة الحرب” في مناطق الميلبية وتل حميس واليعربية ورأس العين/سري كانيه، تكونت مشهدية تبعث على القلق وتحمل نذر تصعيد مقصود في ظل تحشيد مستمر يهدف إلى وضع المنطقة كما مناطق أخرى على حواف العنف والاقتتال بفعل الاستقطاب سواء كان طائفياً أو قومياً. وبدلاً من وضع أسس دولة جديدة، وكذا تشكيل خطاب سياسي يتخطى التعامل مع المناطق السورية من واقع التجزئة الديمغرافية لاعتبارات التطييف التي راكمتها سلطة “البعث”، تواصل أطراف عديدة وقوى متباينة تكريس هذا المنطق الذي يستهدف وضع السوريين في مواجهة بعضهم البعض، وفصلهم قسراً بدعاوى مختلفة داخل دوائر أمنية تعبوية.
فالرمز العشائري الذي تم الإعلان عنه قبل فترة وجيزة، له دلالات تتجاوز الاحتجاج التقليدي، بل يحفر تاريخياً أو يحاول أن يستدعي ذاكرته الحربية و”الجهادية” باتجاه مواجهة الأزمات الوجودية من صراعات وحروب بما فيها من “نفير” و”تعبئة”.
“خيمة الحرب”.. تصعيد عشائري يعيد إنتاج الانقسام
وهذه المرة لا تبدو الصراعات والحروب ضد عشائر أو في مواجهة قوى خارجية إنما قوى محلية أصيلة ومكونات مؤسسة تتشارك معهم التاريخ والجغرافيا والأرض والسياسة من دون تمييز. ومن الواضح أن هناك دوراً وظيفياً ربما يكون مقصوداً من هذا الرمز العشائري المحتشد ضد ما اعتبروه استمرار سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على المحافظة، وضرورة تولي مؤسسات الدولة مسؤوليات الأمن والإدارة، وهو تصنيف الكرد ضمن إطار استعدائي يستدعي مقاومة و”النفير” و”التعبئة” ضده.
من ثم، تبدو الأزمة مزدوجة، هي الحفاظ على بيئة قبلية عشائرية تتعاطى مع الدولة من منطق فئوي بمعنى أن تعبر عن مصالح فئوية ضيقة، ليس فيها قبول للمواطنة والتعددية وتوسيع قاعدة الحكم وبما يسمح بهياكل ومؤسسات جديدة لـ”سوريا” التي يجب تالياً أن تنجح في القطيعة مع ميراث حكم “البعث” ونظام “الأسد” الشمولي والعائلوي الأمني، فضلاً عن الإبقاء على سلطة الماضي التي تجعل السلاح المتفلت وغير الشرعي أداة عقابية موازية للحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة. ذلك ما يجعل الخطاب الطائفي و”النفير” و”التعبئة” العشائرية وسيلة براغماتية لمنع استكمال خطط الاندماج مع “قسد” وبناء “سوريا الجديدة”، وتصب في صالح منطق القوة والغلبة وليس دولة تتبنى القانون والمبادئ الدستورية والديمقراطية.
يتزامن التصعيد مع مضي الحكومة السورية الانتقالية نحو إعادة ربط عدد من مؤسسات محافظة الحسكة بالوزارات والإدارات المركزية في دمشق، شملت قطاعات التعليم العالي والقضاء والمصارف والخدمات الأساسية.
كما تزامنت التحركات العشائرية مع سلسلة إجراءات حكومية تتصل بدخول عملية دمج مؤسسات الحسكة مرحلة أكثر تقدماً. ففي قطاع التعليم العالي، زار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مروان الحلبي، جامعة “روج آفا” في القامشلي/قامشلو، وبحث آليات ربطها بـ”جامعة الفرات” وإخضاعها للإشراف الأكاديمي والإداري للوزارة.
في حين امتدت الإجراءات إلى قطاعات أخرى، حيث بدأت الحكومة تسوية أوضاع القضاة العاملين ضمن مؤسسات “الإدارة الذاتية” تمهيداً لإلحاقهم بالجهاز القضائي السوري، بالتوازي مع إعادة تفعيل فروع المصرف الزراعي وإجراء تغييرات إدارية في عدد من الدوائر الحكومية، بما يتيح استئناف صرف مستحقات مزارعي القمح في المحافظة. ذلك كله ما ينفي مزاعم وجود بطء أو مؤامرات كما توحي التحركات التعبوية بشأن بطء اتفاق الاندماج الجاري بين “قسد” ودمشق.
“الخلاف على السلطة الأمنية”
ورغم ذلك، لم تُبدد هذه الخطوات هواجس العشائر العربية، التي ترى أن إعادة الجامعات والقضاء والمصارف والخدمات إلى إشراف الحكومة لا تحقق الهدف الأساسي بالنسبة لهم، وهو أنه ما دامت السلطة الأمنية والعسكرية والإدارية الفعلية لا تزال بيد “قسد” في أجزاء واسعة من المحافظة، وهي المناطق الكردية المتفق عليها ضمن بنود اتفاق كانون الثاني/يناير 2026 المبرم بين “قسد” ودمشق، والذي ينص على بقاء مهمة حماية هذه المناطق بيد قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وسكانها المحليين، وعدم دخول “الجيش السوري” أو القوات العسكرية إليها، فإن الأزمة بالنسبة للعشائر لا تبدو في فكرة الاندماج أو تحسين الخدمات وتطويرها، وإنما في الإطار الحاكم الذي يستهدف نبذ فئة وتغليب أخرى وفق رؤية إقصائية احتكارية، بل يحمل رؤية تحقيرية لا تتوانى عن ممارسة العنف الرمزي والمادي في المجال العام أو تعميمه، كما هو حاصل راهناً.
وتكشف هذه التطورات عن فجوة واضحة بين مسارين متوازيين؛ الأول إداري وخدمي يشهد تقدماً نسبياً، ساهمت فيه “الإدارة الذاتية” بتمثيلها الكرد بالمنطقة مع الحكومة الانتقالية لجهة تحقيق نتائج متقدمة وأكثر استقراراً بالبيئة السياسية والاجتماعية بالمنطقة وعزل أي عوامل تتسبب في التوتر، والثاني سياسي وأمني ما يزال يتحرك ببطء ويحيط به قدر كبير من الغموض، نتيجة بواعث الخطابات والتحركات التي تقوم بها أطراف متفاوتة تضطلع بمهمة تغييب الاستقرار وتعاود سيرة العنف والاستقطاب الدموي.
ويمكن القول إن اختلالات بنيوية تراكمت على مدى عقود تسببت في هذا التحشيد العشائري، حيث تتقاطع هشاشة مؤسسات الدولة مع الانقسامات الاجتماعية وتنافس القوى المحلية والإقليمية على النفوذ بسوريا. إذ إن الحكومة الانتقالية بدلاً من أن تسارع في مهمة بناء مؤسسات الدولة ووضع الهياكل لها، وهي المهمة التي بمقدورها أن تنهي تحويل أي خلاف سياسي أو أمني إلى مواجهة محتملة (همجية وقبلية) مفتوحة عندما تغيب الأطر الجامعة لإدارة التعدد، وتضعف الثقة المتبادلة بين المكونات، وتبقى أدوات القوة بشكل متفلت وغير شرعي سواء كان السلاح فصائلياً بحالته الأمنية والسياسية التي ما تزال من دون حل أو عشائرية أو عبر التنظيمات الإسلاموية الجهادية التي تتموضع بشكل خفي بالمناطق الرخوة وفي البادية بوجه خاص.
ضرورة تجنب إعادة إنتاج المركزية وبناء دولة المواطنة
وفي ما يبدو، أن السلطة الجديدة بسوريا تبحث عن وراثة الحكم الذي خلفه “نظام البعث”، واستعادة الدولة المركزية، لكن هذه الدولة لم تكن مركزية بالمعنى السياسي التقليدي، إنما كانت مركزية احتكارية عائلوية ومافياوية، حيث هيمنة طائفة، حزب، عائلة، اقتصاد، من خلال عسكرة وأمننة الجميع بتغلغل وتوغل الأجهزة الأمنية في شرايين المجتمع والدولة لضبط خصومه وترويعهم في آن بما يرقى إلى إبادتهم عملياً، ومن ثم، إقصاء واسع للقوى السياسية والاجتماعية، الأمر الذي حال دون نشوء مؤسسات قادرة على تمثيل التنوع السوري وإدارة التنافس بصورة آمنة.
لكن مع انهيار أجزاء واسعة من بنية الدولة خلال سنوات الحرب، برزت سلطات محلية وتشكيلات عسكرية ومرجعيات أهلية ملأت فراغ السلطة، لتتشكل موازين قوى جديدة لا يزال توحيدها داخل إطار الدولة يمثل أحد أكثر تحديات المرحلة الانتقالية تعقيداً، نتيجة رغبة محمومة في الإبقاء على هذا العقل الاحتكاري وامتيازاته واستعادة قسراً، وإلغاء التنوع.
في ظل هذا الواقع القلق والمشوّه، لا تقتصر مخاطر أي توتر محلي على طبيعته المؤقتة أو أبعاده الميدانية، بل إنه يكشف عن وجود فجوات سياسية ومؤسساتية تسمح بتحويل الهويات الفرعية إلى أدوات للاستقطاب، في حين تظل الانقسامات وسيلة للحفاظ على السلطة وكسب الوقت لإطالة أمد وجودها في الحكم من خلال إعادة إنتاج الصراع، عوضاً عن إعادة إنتاج دولة جديدة.
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى أي حراك ذي طابع عشائري أو مناطقي أو إثني بمعزل عن السياق الأوسع لعملية إعادة تشكيل الدولة السورية. فنجاح المرحلة الانتقالية الذي يتم الترويج له بشكل انتقائي مشبوه، خفي ومعلن، بأنه مجرد فرض السيطرة الأمنية والإدارية قسراً، لا يراعي الحقوق السياسية والعدالة الانتقالية المطلوبة والملحة، بما يعني إنتاج بيئة سياسية تستند إلى الشراكة وكفاءة المؤسسات التي تكون مؤهلة لتوسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية باعتباره بديلاً عن سياسات الاحتكار والإقصاء التي حكمت البلاد لعقود. فالاستقرار السياسي، المجتمعي والأمني، بسوريا، لا يتم عبر إعادة إنتاج المركزية الصلبة بواقعها الأمني، وإنما عبر بناء مؤسسات مرنة وقادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي ضمن إطار قانوني واحد، بما يؤسس لقطيعة حقيقية مع أنماط الحكم الشمولي العسكريتاري التي كرستها “السلطة البعثية” ولم تراكم سوى أجساد متهالكة في السجون كما في سنوات الحرب، ومن ثم، فتح المجال العام أمام دولة لديها مناعة في مواجهة محاولات إعادة تدوير الصراع الذي تم تجريبه مع تطييف المجتمع وتحويله لمربعات أمنية لكل منها مظلوميتها المتخيلة وسردياتها بما يترتب عليه جاهزيتها للعنف.
- تصعيد “الحوثي” يستنفر الرياض.. تنسيق سعودي تركي باكستاني لاحتواء التهديد
- تحذير من صفحة مزورة تنتحل اسم “شام كاش” وتستهدف بيانات المستخدمين
- مع اضطراب هرمز.. العراق يوسّع خطط تصدير النفط عبر سوريا
- موافقة الخارجية شرط لتنفيذ مشاريع المنظمات السورية بتمويل دولي
- سقوط المخا بيد “الحوثيين”.. باب المندب في مرمى النيران

