تسابق روسيا الزمن لترسيخ موطئ قدمها الاقتصادي في سوريا عبر مشروع جديد في ميناء طرطوس، في خطوة تعكس تحولاً واضحاً في استراتيجية موسكو من الاعتماد على النفوذ العسكري إلى توسيع الحضور التجاري واللوجستي، بالتزامن مع مفاوضات حساسة مع دمشق حول مستقبل قاعدتيها العسكريتين في طرطوس وحميميم، وفي ظل احتدام المنافسة مع الولايات المتحدة وشركات غربية وخليجية للفوز بحصة من مشروعات إعادة الإعمار والاستثمار في السوق السورية.
ويأتي المشروع في وقت تسعى فيه موسكو إلى الحفاظ على نفوذها في سوريا بعد المتغيرات السياسية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، عبر أدوات اقتصادية تضمن استمرار حضورها طويل الأمد.
طرطوس.. بوابة التجارة الجديدة
بحسب مسؤولين سوريين تحدثوا لوكالة “رويترز”، تعتزم موسكو تشغيل مركز لوجستي تجاري داخل أحد أرصفة القاعدة البحرية الروسية في ميناء طرطوس بحلول منتصف تموز/يوليو، مع الإبقاء في الوقت نفسه على وجود عسكري في الرصيف الآخر، في صيغة تجمع بين النشاطين التجاري والعسكري داخل الميناء.
ومن المقرر أن يستقبل المركز في مرحلته الأولى شحنات من القمح والحبوب والأعلاف والزيوت النباتية والأخشاب والصلب والفحم والسكر والزيوت المعدنية، بطاقة مناولة تستهدف نحو 250 ألف طن شهرياً، تبدأ باستقبال شحنة حبوب تزن 30 ألف طن.

ويُنظر إلى المشروع باعتباره أحد أهم أدوات موسكو للحفاظ على نفوذها في سوريا بعد تراجع ثقلها السياسي والعسكري مقارنة بالسنوات الماضية، إذ تسعى إلى تعويض ذلك بتوسيع شبكة المصالح التجارية والاستثمارية.
ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة في ظل المفاوضات الجارية بين موسكو ودمشق بشأن إعادة صياغة الوجود الروسي في قاعدتي طرطوس وحميميم، بعدما ألغت الحكومة السورية في عام 2025 عقداً مدته 49 عاماً مع شركة “ستروي ترانس غاز” الروسية لتطوير المرافق التجارية في الميناء، قبل أن تمنح شركة موانئ دبي العالمية امتيازاً يمتد 30 عاماً بقيمة 800 مليون دولار لإعادة تطوير وتشغيل ميناء طرطوس، وهو ما فرض على روسيا البحث عن صيغة جديدة للحفاظ على وجودها الاقتصادي داخل المرفأ.
شبكة إمداد تمتد إلى الخليج
كان مجلس الأعمال الروسي السوري، التابع لوزارة الصناعة والتجارة الروسية، قد أعلن في حزيران/يونيو الماضي خطة لإنشاء مركز لتجميع وتوزيع البضائع الروسية في طرطوس، على أن تتولى تطويره شركة “روس لاين” السورية بالتعاون مع شركات روسية.
أوضح المدير العام للشركة أسامة عجاج أن المشروع سيقام في الرصيف الرابع داخل منطقة مقيدة من القاعدة البحرية، بينما سيظل الرصيف الآخر مخصصاً للعمليات العسكرية الروسية.
وأشار إلى أن المشروع يستهدف إنشاء خط ملاحي منتظم يربط ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود بميناء طرطوس، تمهيداً لتوزيع البضائع داخل سوريا، ثم إعادة تصديرها إلى العراق والأردن، ولاحقاً إلى السعودية والكويت وقطر والبحرين، بما يحول الميناء إلى مركز إقليمي لإعادة التصدير، مؤكداً أن المشروع سيدار بالشراكة مع “صندوق سوريا السيادي”، في خطوة تمنحه بعداً استثمارياً يتجاوز النشاط اللوجستي التقليدي.
تفاهمات جديدة بين موسكو ودمشق
يكشف مسؤولون سوريون أن المشروع طُرح خلال اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في كانون الثاني/يناير الماضي، ووُصف حينها بأنه نقطة تحول في مسار التعاون الاقتصادي بين البلدين.
بينما أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن موسكو ودمشق تبحثان بالفعل “إعادة صياغة” الوجود العسكري الروسي في سوريا، بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون الاقتصادي، وهو ما يعكس توجهاً روسياً لإعادة تعريف دورها في سوريا بما يتناسب مع المتغيرات السياسية الجديدة.

وتتجاوز أهمية المشروع الجانب اللوجستي، إذ أصبحت روسيا خلال العامين الأخيرين المزود الرئيسي لسوريا بالقمح والمواد الغذائية الأساسية، كما عززت مكانتها مورداً رئيسياً للنفط الخام.
وتشير بيانات استندت إليها “رويترز” إلى أن نحو 85 بالمئة من واردات القمح السورية لموسم 2025-2026 جاءت من روسيا وشبه جزيرة القرم، فيما بلغت واردات النفط الروسي نحو 16.8 مليون برميل خلال عام 2025، قبل أن ترتفع إلى نحو 60 ألف برميل يومياً خلال الأشهر الأولى من عام 2026، ما يعكس تزايد اعتماد الاقتصاد السوري على الإمدادات الروسية في قطاعي الغذاء والطاقة.
طرطوس.. ساحة تنافس دولي
من شأن إنشاء المركز اللوجستي أن يمنح موسكو فرصة للحفاظ على نفوذ اقتصادي مستدام حتى في حال تقليص وجودها العسكري مستقبلاً، إذ يضمن لها استمرار السيطرة على جزء من حركة التجارة في ميناء طرطوس، ويحولها إلى لاعب رئيسي في سلاسل الإمداد الإقليمية الممتدة من البحر الأسود إلى المشرق والخليج العربي، بما يعزز مكانتها كشريك اقتصادي يصعب تجاوزه في مرحلة إعادة إعمار سوريا.
في المقابل، تتابع الولايات المتحدة المشروع بحذر، في إطار تنافس متزايد على النفوذ الاقتصادي داخل سوريا، فنقلت “رويترز” عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية قوله إن واشنطن تراقب المشروعات التجارية واللوجستية التي تدعمها موسكو، معربة عن قلقها من أن تتحول إلى أداة لترسيخ النفوذ الروسي بدلاً من دعم الاستقرار الاقتصادي.
وأكد المسؤول أن الولايات المتحدة تشجع دمشق على منح الأولوية للشراكة مع شركات أميركية وشركاء تعتبرهم “موثوقين” خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، مع استمرار فرض العقوبات على روسيا، ما يجعل ميناء طرطوس ساحة جديدة للتنافس الجيوسياسي، ليس فقط على النفوذ العسكري، وإنما أيضاً على طرق التجارة والاستثمار ومستقبل الاقتصاد السوري.

