لماذا أطلقت السعودية التحالف البحري الآن؟

أعلنت السعودية إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يضم 14 دولة، في خطوة تعكس تحولاً في مقاربة الرياض للأمن البحري، من الاكتفاء بالمشاركة في الجهود الدولية إلى قيادة إطار إقليمي دائم للتعاون الدفاعي يركز على حماية الملاحة وتأمين التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وجاء الإعلان في أعقاب اجتماع استضافته وزارة الدفاع السعودية بمشاركة ممثلين عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، قبل أن توقع 14 دولة البيان التأسيسي للتحالف، الذي يضع المملكة قائداً دائماً له ومقراً لقيادته المشتركة ومركز عملياته.

بناء منظومة أمنية

يرى باحثون في الشأن السياسي في المنطقة أن المبادرة تمثل تحولاً مهماً في مفهوم الأمن الإقليمي، إذ تنتقل من منطق الاستجابة للتهديدات الطارئة إلى بناء شراكات مؤسسية طويلة الأمد قادرة على التعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة.

ويشير إلى أن الأمن البحري لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو الممرات المائية، إنما أصبح عنصراً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، واستمرارية سلاسل الإمداد، وحرية التجارة الدولية، وهو ما يجعل التعاون متعدد الأطراف ضرورة استراتيجية أكثر منه خياراً سياسياً.

ويضيف باحثون أن المبادة تعكس تطوراً في الدور السعودي، إذ لم تعد المملكة تكتفي بدعم المبادرات الدولية، بقدر ما أصبحت تبادر إلى تأسيس أطر جديدة للتعاون الأمني، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي ومسؤوليتها تجاه استقرار المنطقة.

لماذا الآن؟

لا يمكن فصل توقيت إطلاق التحالف عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، إذ أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من اضطرابات في مضيق هرمز، إلى إعادة رسم أولويات أمن الطاقة في الخليج.

كما شهد البحر الأحمر خلال تموز/يوليو تصاعداً في الهجمات التي استهدفت سفناً ومنشآت نفطية سعودية، بالتزامن مع إعلان الحوثيين فرض ما وصفوه بـ”حصار بحري” على السعودية، وتهديدهم باستهداف الملاحة في باب المندب.

ويشير مراقبون للشأن الإقليمي إلى أن هذه التطورات دفعت الرياض إلى تعزيز مسار بديل لتأمين صادرات النفط والتجارة العالمية عبر البحر الأحمر، بدلاً من الاعتماد الكامل على المسارات التقليدية التي تمر عبر الخليج ومضيق هرمز.

ورغم ذلك، حرص البيان التأسيسي للتحالف على تجنب تسمية أي طرف بعينه، مؤكداً أن المبادرة ذات طبيعة دفاعية، ولا تستهدف دولة أو تحالفاً بعينه، وإنما تهدف إلى حماية حرية الملاحة والتجارة الدولية وفق أحكام القانون الدولي.

تحالف دفاعي لحماية الملاحة

ينص البيان المشترك للدول المؤسسة، الصادر في الرياض في 30 يوليو/تموز 2026، على أن التحالف يهدف إلى تعزيز الأمن البحري، وحماية حرية الملاحة، وتأمين خطوط التجارة الدولية وإمدادات الطاقة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

وأكد البيان التزام الدول المؤسسة بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، مشيراً إلى أن الأمن البحري مسؤولية مشتركة تتطلب تعزيز التعاون الدفاعي الجماعي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

كما نص على تطوير التعاون في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط العملياتي، والتدريبات المشتركة، وبناء القدرات، وتنفيذ العمليات البحرية المشتركة، مع التأكيد أن المشاركة في أي نشاط أو عملية تبقى قراراً سيادياً لكل دولة وفق أنظمتها الوطنية.

وشدد البيان على أن التحالف ذو طبيعة دفاعية بحتة، ولا يستهدف أي دولة أو تحالف أو منظمة، وأن جميع أنشطته ستتم وفق أحكام القانون الدولي واحترام سيادة الدول.

السعودية مركز القيادة

يضم التحالف السعودية و13 دولة أخرى هي: تركيا، وباكستان، ومصر، والكويت، والبحرين، وقطر، والأردن، واليمن، والسودان، وجيبوتي، والصومال، وبنغلاديش، وجزر القمر.

حّار تابع للقوات البحرية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً يقف عند مدفع رشاش على متن سفينة تقوم بدورية قرب جزيرة حنيش في البحر الأحمر، في 27 يوليو/تموز 2026

ولفت غياب الإمارات وسلطنة عمان عن قائمة الدول المؤسسة انتباه المحللين، رغم موقعها الجغرافي ودورها في أمن الملاحة الخليجية، من دون صدور توضيحات رسمية بشأن أسباب عدم الانضمام.

وبموجب الميثاق، تتولى السعودية قيادة التحالف، وتستضيف مقره الدائم، إضافة إلى القيادة المشتركة، ومركز القيادة والسيطرة، ومركز العمليات البحرية المشتركة، والأمانة العامة، بما يمنح الرياض دوراً محورياً في إدارة منظومة الأمن البحري الجديدة.

ودعت الدول المؤسسة بقية الدول التي تتوافق مع أهداف التحالف إلى الانضمام إليه، بهدف توسيع نطاق التعاون وتعزيز الأمن البحري الجماعي.

ماذا عن التحالفات البحرية الأخرى؟

تعمل حالياً عدة قوات بحرية دولية في البحر الأحمر وخليج عدن، أبرزها القوات البحرية المشتركة التي تضم 47 دولة وتتخذ من البحرين مقراً لها، بالإضافة إلى عملية “حارس الازدهار” التي تقودها الولايات المتحدة منذ أواخر 2023، وعملية “اسبيدس” الأوروبية التي بدأت في شباط/ فبراير 2024 لحماية السفن التجارية وعملية “أتالانتا” الأوروبية لمكافحة القرصنة.

خريطة توضح حركة السفن التجارية في مضيق هرمز – انترنت

وتختلف المبادرة السعودية من حيث إنها تنطلق من دول المنطقة نفسها، مع تركيز أكبر على الأمن الجماعي وحماية خطوط الطاقة، بدلاً من الاقتصار على مكافحة القرصنة أو الرد على الهجمات المحددة.

في المحصلة، يشير إنشاء التحالف إلى توجه سعودي نحو بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر استدامة، تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره جزءاً من أمن الاقتصاد العالمي، مع منح الرياض دوراً أكبر في قيادة ترتيبات الأمن الجماعي في المنطقة.

لكن نجاح هذه المبادرة سيعتمد على قدرتها على التحول من إعلان سياسي إلى إطار عملياتي فعّال، في ظل غياب تفاصيل تتعلق بحجم القوات المشاركة، وآليات القيادة، وقواعد الاشتباك، ومستوى التنسيق مع التحالفات الدولية القائمة.

ويبقى أداء التحالف خلال المرحلة المقبلة العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان سيشكل إضافة نوعية إلى منظومة الأمن البحري الدولية، أم سيقتصر دوره على كونه إطاراً سياسياً للتنسيق بين الدول المشاركة.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم