ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة

يمثل إعلان واشنطن انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب القوات الأميركية من العراق نقطة مركزية تسمح للشرق الأوسط برؤية مساحة جديدة لمساره السياسي والأمني، بما يعني تحول أعباء وتكليفات الأمن والاستقرار في هذه الدول، وما يتصل بها من جغرافيا متاخمة، إلى حكوماتها، وما يتصل بذلك من مسؤولية وطنية وسياسية تقع على الفصائل والتنظيمات العالقة خارج بنية الدولة الوطنية. 

في 30 أيلول/سبتمبر 2026 اكتمل انسحاب القوات الأميركية من العراق وانتهت مهمة التحالف الدولي هناك، بالتزامن مع انتقال المسؤولية الأمنية بصورة أكبر إلى بغداد. لكن الموعد الذي كان يفترض أن يتزامن مع بدء حصر السلاح بيد الدولة لم يؤدِّ إلى تسليم شامل للسلاح، وذلك إثر معارضة بعض فصائل مسلحة مرتبطة بإيران الجدول الزمني السابق. وفي المقابل أعلنت الحكومة في بغداد تأجيل الموعد النهائي لحصر السلاح بيد الدولة إلى 30 حزيران/يونيو 2027.

العراق ولبنان أمام استحقاق حصر السلاح بيد الدولة

يأتي العراق ولبنان كأبرز تلك النماذج في الشرق الأوسط، وما يرافق ذلك من استحقاق أساسي يتمثل، موضوعياً، في قدرة حكومات بغداد وبيروت على احتكار السلاح، وإرساء قرار الحرب والسلم داخل الدوائر الوطنية في بنية نظامها السياسي، فضلاً عن قدرتها على خلق عملية سياسية واسعة تسمح لتلك الفصائل بالانخراط في حراك سياسي شامل يضمن دمج تلك القوى في عملية وطنية داخل البلاد، وفصل أي علاقة وظيفية لها مع القوى الخارجية، خاصة “حزب الله” في لبنان والفصائل العراقية في علاقاتها مع إيران، وبالأخص “الحرس الثوري” الإيراني، الأمر الذي يعزز فرص ترسيخ الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

قد يبدو منطقياً فهم تحقق ذلك المسار عبر تتابعات زمنية وآليات تنفيذية وإجرائية ترتبط بمواعيد معلومة، لكنها في ذات الوقت مرنة، حيث يظل الأهم والأدق في ذلك المسار تحقيق الأهداف المنشودة عبر مراحل متتابعة ودوائر تفاعلية تؤدي الواحدة منها إلى الأخرى.

لا تبدو هذه المعضلة في الشرق الأوسط يسيرة وواضحة ومباشرة، كون عناصرها ترسخت وترابطت بفعل سنوات طويلة ومعطيات سياسية وعقائدية متشابكة، ما يعني أن الخلاص منها لن يقع في خطوة واحدة، ولا في إجراء أو عملية بعينها، وإنما يحتاج إلى عمل مستدام على أكثر من جبهة وعبر أكثر من مسار، ويخترق الكثير من التحديات والصعاب لبلوغ عتبة الدولة الوطنية ودرجة المواطنة التي تقف في مجابهة أي دور وظيفي للدول الخارجية على حساب الانتماء العقائدي والإيديولوجي.

يتبدى ذلك في نموذجي العراق ولبنان، إذ تخوض بيروت نقاشاً سياسياً وأمنياً واسعاً حول حصر سلاح التنظيمات والفصائل، خاصة “حزب الله”، بيد مؤسسات الدولة، والعمل على دمج “حزب الله” في لبنان داخل خطة شاملة للدولة، خاصة بعدما كلفت الحكومة الجيش بوضع خطة لهذا الغرض، في وقت لا يزال “الحزب”، بفعل عوامل إقليمية تتكشف على خشبة ساخنة للأحداث، يقاوم قرار نزع سلاحه، وفي المقابل تحرص إيران على إبقائه حاضراً داخل بيئة الصراع.

إذاً، يمكن فهم النجاح في استدامة مسار نزع سلاح الفصائل التي تتحرك بفائض قوة خارجية واندماجها في مشروع الدولة الواحدة المركزية، التي تتبنى آليات موضوعية لقيم المواطنة كونه مرتبطاً بقدرة الدول على بسط سلطتها على أراضيها ومنع استخدام أراضيها كساحة لصراعات الآخرين، وهو ما يصبح عاملاً رئيساً في استقرارها.

من العمليات العسكرية إلى الانخراط السياسي

في هذا السياق، تبدو أمام الفصائل المسلحة المرتبطة إقليمياً، ولا سيما المدعومة من إيران، معادلة جديدة تفرض إعادة تعريف دورها ومجالات الحركة والتأثير. فالتحول من العمل العسكري الميداني إلى العمل السياسي، والانخراط في مؤسسات الدولة والعملية الديمقراطية، يمكن أن يتيح لهذه القوى الحفاظ على حضورها السياسي والاجتماعي من داخل بنية الدولة والنظام الدستوري، بدلاً من إبقاء نفسها في مواجهة مفتوحة مع حكوماتها ومؤسساتها الأمنية، وربما حواضنها الشعبية أيضاً.

فالمرحلة المقبلة لا تبدو مرهونة فقط بقدرة الحكومات على فرض القانون وهيبة الدولة، بل أيضاً بمدى استعداد الفصائل نفسها لإعادة النظر في وظيفة السلاح وضروراته في تلك المرحلة، وربما أعبائه أيضاً، سواء على نفسها كتنظيمات أو على الدولة بحد ذاتها.

كلما استمرت الجماعات المسلحة في التحرك على هامش الدولة وعلى حساب مساحات الاستقرار والسلم الإقليمي، بقيت الدولة أمام تحدي ازدواجية القرار الأمني والسيادي، وبقيت تلك الجماعات معرضة لتآكل شرعيتها السياسية والاجتماعية الشعبية، خصوصاً إذا تحولت أدوارها العسكرية إلى عبء على النظام السياسي وعلى البيئات التي ترتكن إليها.

ومن هنا، فإن الخيار الأكثر قابلية للاستمرار بالنسبة لهذه القوى هو تحويل قوتها التنظيمية والشعبية من المجال العسكري إلى المجال السياسي، والدخول في منافسة سياسية على البرامج والمصالح الوطنية، بدلاً من اختبار قوتها في مواجهة الدولة. فاستقرار العراق ولبنان يتطلب في نهاية المطاف أن يكون السلاح خاضعاً للمؤسسات المعنية بذلك دستورياً، وأن تكون القرارات المتعلقة بالحرب والسلم شأناً حصرياً للمؤسسات الدستورية المختصة، وأن تُدار الخلافات السياسية عبر المؤسسات لا عبر القوة المسلحة.

انطلاق “مرحلة السيادة”

في ضوء ذلك، رعى رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي، مساء الخميس الماضي، مؤتمر “يوم السيادة”، بحضور رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، وعدد من المسؤولين وقادة القوى السياسية ورؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى العراق، إلى جانب عدد من الفعاليات الاجتماعية.

وأكد الزيدي، في كلمة خلال المؤتمر، أن العراق استكمل أركان سيادته على أرضه وسمائه ومياهه الإقليمية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تستند إلى ترسيخ سلطة الدولة وسيادة القانون وحصر السلاح بيد المؤسسات الدستورية. 

وقال إن انسحاب القوات الأجنبية وإنهاء مهمة التحالف الدولي، إلى جانب معالجة أوضاع الجماعات المسلحة وملف السلاح وفق الدستور والجدول الزمني الذي وضعته الحكومة، تمثل ركائز أساسية للمرحلة الجديدة، معلناً “انطلاق مرحلة السيادة التي تحميها الدولة ويضمنها القانون ويشارك في بنائها جميع العراقيين”.

وفي تطور لافت، أعلنت “كتائب سيد الشهداء” و”أنصار الله الأوفياء”، في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، التزامهما بالاتفاق المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء العمليات العسكرية داخل العراق، وفق الجداول الزمنية المتفق عليها مع الحكومة. ويكتسب هذا الموقف أهمية في سياق الانقسام داخل الفصائل بشأن مستقبل السلاح، ولا سيما أنه يأتي بعد أشهر من رفض عدد من القوى المسلحة المسار الحكومي، فيما لا تزال فصائل أخرى، بينها “كتائب حزب الله” وحركة “النجباء”، ترفض تسليم سلاحها.

وتأتي هذه المواقف في وقت تشهد فيه المنطقة مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري الأميركي، بما يضع حكومات دول المنطقة، ولا سيما العراق ولبنان، أمام استحقاق تعزيز سلطة الدولة وحصر قرار الحرب والسلم والسلاح بالمؤسسات الرسمية.

وتزداد تعقيدات هذا المسار حين تتصل بعض القوى المسلحة في العراق ولبنان، بدرجات مختلفة، بمشروع إقليمي تقوده إيران في صراعها الممتد مع الولايات المتحدة، بما يجعل ساحات هذه الدول عرضة لأن تتحول إلى امتداد لصراعات تتجاوز حدودها ومصالحها الوطنية.

وقد بدا ذلك واضحاً خلال الفترات الأخيرة، من خلال إطلاق بعض الهجمات من العراق ضد السعودية، فضلاً عن دخول “حزب الله” في لبنان في صراع ميداني مع إسرائيل على خلفية أحداث السابع من أكتوبر.

ولا يتعلق الأمر هنا بطبيعة العلاقة السياسية أو العقائدية التي تربط هذه القوى بإيران فحسب، بل بما يترتب على هذه العلاقة حين تصبح الأولويات الإقليمية جزءاً من حسابات القرار الأمني والعسكري داخل الدولة الوطنية.

وفي هذه الحالة لا يعود التحدي مقتصراً على ازدواجية السلاح، وإنما يمتد إلى بنية الدولة نفسها، وإلى قدرتها على إنتاج قرار وطني مستقل بشأن الحرب والسلم والعلاقات الخارجية، وهو تحدٍ يبرز، بصور مختلفة، في العراق ولبنان واليمن.

الفصائل بين الارتهان لطهران وحواضنها الشعبية

والأهم أن استمرار ارتباط الفصائل الموالية لطهران قد يضعف، مع مرور الوقت، علاقة هذه القوى بحواضنها الاجتماعية، حين تجد قطاعات من جمهورها أن الأولوية لم تعد مرتبطة حصراً بمصالح الدولة والمجتمع اللذين تنتمي إليهما، بل بصراعات ومحاور إقليمية أوسع.

ومن هنا، فإن إعادة تعريف علاقة هذه القوى بالدولة الوطنية لا تبدو مسألة تتصل بالسلاح وحده، وإنما باستعادة معنى الانتماء الوطني نفسه، بحيث تصبح الدولة ومصالح مواطنيها الإطار الأول لأي قرار سياسي أو أمني.

عناصر من “كتائب حزب الله” العراقية. صورة أرشيفية من الإنترنت

وفي السياسة، قد تبدو النتائج رهناً بالمعطيات، كما أنها تأمل في التحركات الإيجابية من الأطراف المعنية حتى تبدو المحصلة في النهاية إيجابية إلى حد مأمول. لذا تتجه جغرافيا الشرق الأوسط نحو لحظة تتشابك فيها تعقيدات مركبة، ولا يمكن الاشتباك معها بالآليات نفسها التي حكمت مراحل الماضي، خاصة مع إتمام الولايات المتحدة قرار الخروج، سواء من العراق أو من سوريا قبل ذلك بأشهر، فضلاً عن تموضع الجغرافيا السورية كجدار طبيعي يحول دون حصول “حزب الله” على موارد جديدة من العتاد العسكري، بما يعني أن مسؤولية المشهد القادم وتحدياته باتت في رقبة دول المنطقة.

كما يضع ذلك مفهوم الدولة الوطنية أمام اختبار حقيقي يرتبط بمسار قدرتها على استعادة كامل وظائفها وأدوارها الحيوية في مجالها الطبيعي والجيواستراتيجي. كما يعني أيضاً أن الفاعلين الذين نشأوا وتطوروا خارج بنية السلطة وارتبطوا بقوى خارجية باتوا كذلك أمام اختبار مماثل يتعلق بمدى قدرتهم على إعادة فهم دورهم الحقيقي داخل بنية السلطة وعلاقاتهم البينية، في إطار عملية سياسية واضحة وشاملة تتسع للجميع دون أي استثناءات.

وربما يكون هذا المسار هو الاختبار الأكثر أهمية للعراق ولبنان في المرحلة المقبلة، ليس فقط لأن استقرار الدولتين يرتبط بحسم مسألة السلاح، وإنما لأن مستقبل الدولة الوطنية نفسه يرتبط بقدرتها على إنتاج ولاء سياسي واحد يتقدم على الولاءات العقائدية والإيديولوجية وأدوارهما الوظيفية.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم