نيك باتن والش/ موقع السي إن إن – 9 حزيران 2014
ترجمة: موقع الحل السوري
ملاحظة رئيس التحرير: عاد مؤخراً مراسلنا نيك باتون والش إلى مدينة حلب السورية حيث وجد الدمار العنيف الذي افتعلته الحرب الأهلية الدائرة.
سوريا، حلب (السي إن إن): الرائحةالواضحة للبلاستيك المحترق تلذع حنجرتك مباشرة، مُلغيةً الروائح المنبعثة من حياة المدينة، لأنها حقاً انعدمت منها. فمشاهد الدمار التي رأيناها في فيديوهات لناشطين على الانترنت، عرضت حقيقة أن كل شارع قد تم تدميره بعامين من القصف. ولكن أكثر ما يصدمك هو الرائحة، حيث تنذرك بأن الإنسانية على حافة الهاوية.
شهدت المدينة نظام الرئيس السوري بشار الأسد وكأنه على حافة الانهيار، إلا أن كيف قامت كل من روسيا وإيران قامتا بسحبه من على تلك الحافة، دعماً له في مواجهة المجتمع الدولي والمعارضة المنقسمة. ولكن أكثر ما يبدو بوضوح هو أن الحياة باتت بعيدة عن حلب، حيث لا يمكنك توجيه نظرك بعيداً دون أن تصدم بحالة النسيان تجاه الموت السوري، حيث تجد كل الأبنية قد تم ثقبها جراء القصف.
تعتبر حلب أكبر المدن التي تحملت حدّة هجوم النظام بأكثر الأسلحة الخام عشوائيةً، ذلك بالتوافق مع الازدراء الذي يكّنه نظام الأسد لأولئك الذين لا يؤيدونه، فالبراميل المتفجرة بحد ذاتها علامة حرب شاملة طويلة الأمد. إذ أصبحت أساليب القتل المدعومة من الدولة، بالضرورة، بدائية ومحلية الصنع، بدلاً من أن تكون دقيقة وعسكرية المنشأ.
الأمر غاية في البساطة: خذ برميلاً وأملأه بالمواد المتفجرة والشظايا التي تعثر عليها من حولك، وحلّق في سماء حلب، بالطيران العمودي، وما عليك سوى إيجاد منطقة مأهولة لتُسقط البرميل عليها.
وبحسب ناشطين: “أصبح الأمر متكرراً منذ ذلك الحين، حيث تقوم الطائرة بإسقاط أحد البراميل وتنتظر بعدها من عشرة دقائق إلى نصف ساعة لتقوم بإسقاط برميلٍ ثانٍ، والهدف من هذه العملية هو ضمان قتل أولئك الذين هبّوا لإنقاذ ضحايا التفجير الأول”. وتحدّث إليّ أحدهم قائلاً: “ستلاحظ أنه عندما تُسقط الطائرة أول برميل، يبقى الجميع مختبئين لمدة نصف ساعة، لأنهم يدركون تماماً وجود برميلٍ ثانٍ سيسقط”.
لقد تحمّل “بستان القصر” وطأة الكثير من التفجيرات التي وقعت خلال الأسابيع القليلة الماضية وذلك لسببٍ بسيط وهو: نزوح الأهالي إلى الحي. فبعد أن تم قصف مناطق أخرى، أضطر الأهالي للجوء إلى بستان القصر، كما لجئوا لمناطق أخرى، لذلك قُصف الحي الآن.
وعند وصولنا، كانوا الأهالي يبحثون بين بقايا انفجار الليلة الماضية، وبحسب ما أخبرنا أحدهم، الانفجار وقع في الساعة الواحدة من فجر اليوم وكان عبارة عن برميلين يفصل بينهما عشرة دقائق مسفراً عن 6 أو 7 قتلى وعشرات المصابين.. “التآلف مع الموت لا يعني البحث عن أعداد الضحايا حولنا”.
تم تجميع الجثث حتى مطلع الفجر، يقوم الأهالي الآن بتنظيف الحي، هذا هو مشهد القتل الجماعي… لكن هناك شيءً نادراً هنا “كنِدرة الحياة”، وهو أن الأهالي يقومون بتخليص البطانيات والوسائد وباقي الوسائل المنزلية الضرورية وينقلونها بعيداً. ولسنا متأكدين فيما لو كانت تلك الوسائل عائدة لمن أخذها أم لا.
لقد قُصِف أيضاً المسجد القريب من هنا، ومجدداً تُدمر الاشتباكات منزلاً آخر. ويقوم الرجال بجمع المواد المتبقية من الغرف عند بحثهم بين البقايا القليلة للطوابق بعد تدمير البناء بأكمله.
رغم كل ما تحمله عشوائية القصف بالبراميل من قسوة، فهي عبارة عن خطة لها هدفه، حسب ما يبدو، ويعمل النظام على تمشيط الأجزاء المتبقية من حلب لتخليصها من الثوار ومؤيديهم ومن الحياة الإنسانية كما يبدو.
بدأ النظام في الوقت نفسه بالسيطرة على الطريق المتحلق الشمالي لحلب – باستثناء طريق واحد ما يزال الثوار مسيطرون عليه- والذي من شأنه جعل النظام يسيطر على المدينة كلياً.
يُخشى على الذين يعيشون في حلب من مواجهة المصير ذاته الذي حلّ بمدينة حمص، حيث حُوصرت وقصفت لأشهر، واضطروا للاستسلام مؤخراً بسبب الجوع. عقدمجتمع المساعدات الدولية – القلِق بشأن احتمال أن يصبح ذلك واقعاً ـ اجتماعا طارئاً للاستعداد لتلك الاحتمالات: اللاجئون والمطالب الغذائية للمحاصرين.
لكن في الوقت الراهن، وبينما ينتظرون أن يتم محاصرتهم بالكامل، مازال القتل مستمراً، ففي إحدى المستشفيات الميدانية المنشأة في مباني سرية مظلمة، والتي يُخشى من تعرضها لهجوم النظام، حيث تنبعث رائحة المطهر القوية من الطوابق المنظّفة مؤخراً، التقيت بمواطن بريطاني ـ فضّل عدم الكشف عن اسمه ـ وهو سوري الأصل، ولد في فرنسا وعاش في لندن فترة كافية ليحافظ على لكنته، أُصيب في انفجار قنبلة قبل ستة أسابيع ما أدى لتمزق جلد ساقه اليسرى، إنه ينتفض من الألم الذي لا يوصف والذي يشبه الإحساس بأن قنبلة قد أصابته مجدداً، على حد تعبيره.
وصف ذلك الشاب ما حدث قائلاً: “في البداية كانت طائرة تحلق في السماء، انحنينا للأسفل وما فعلوه فقط أنهم ضربونا بقنبلة، لم أشعر بأي شيء حتى أُستيقظت في المستشفى، ولم يكن يمكنني الإحساس بساقي، احترقت الأشياء من حولي وأخذوني إلى المستشفى، استيقظت وأدركت أنني قد احترقت.
فعلوا كل ما بوسعهم، لكنهم لم يستطيعوا فعل الكثير، كانوا ينقلونني من مستشفى إلى أخرى، وما أدركته لاحقاً هو أنني فقدت كامل جلد ساقي، شيء لا يطاق، لا أستطيع النوم ليلاً، فالأمر لا يُحتمل.
كانت ساقه المضمدة والمغطاة بسترة الجراحة الخضراء، تنتفض للأعلى والأسفل طوال فترة حديثنا، لمجرد الخوف أو الألم أو ربما التوتر.
ردّد قائلاً: “فقط اذهب للخارج لتدرك أننا في الجحيم، تدك المدينة، في كل يوم، وكل ساعة، لا يوجد فيها شيء، لم يعد فيها أناس، لا قطط ولا حشرات، لم يبقى فيها شيء”.
ما يثير الحيرة هو كيف تُحتمل الحياة في حلب، فهناك تغيرات ملموسة حدثت خلال العامين الماضيين على ما كانت من قبل محور العاصمة النشيطة لتجارة سوريا. فتجد الآن نساءً محجبات من الرأس حتى أخمص القدمين بشكل أكثر بكثير من السابق، واضعات الحجاب والكثيرات أيضاً يضعن النقاب على وجوههن.
بينما كانت المخرجة تتحدث إلى البعض النساء في المستشفى، حاولت إحدى الإناث المارّات مساعدتها في تغطية خصلة صغيرة من شعرها، كانت قد انسدلت رغم تغطيته بوشاح.
التقينا في إحدى المستشفيات بفتاة أُصيبت على يد قناص، لكنها رفضت التحدث أمام عدسة الكاميرا، لأنها وحماتها تدركان أنها إذا ظهرت على الشاشة سيقوم زوجها بقتلها، فكما يبدو هو مقاتل. الفتاة كانت في الثالثة عشرة من العمر.
الخدمات الأساسية أصبحت أكثر وأكثر ندرة، حيث تعاني المدينة مؤخراً من الجفاف، إذ قطع الثوار الماء عن أنفسهم عندما حاولوا تدمير إمدادات المياه عن النظام، ومن النادر أن تجد المياه تتدفق من الصنبور، فها هي امرأة تملأ أوعيتها البلاستيكية من خرطومٍ في الشارع.
تبدو بعض المحلات مفتوحة، اشترينا USB (فلاشة) بسرعة عالية، لكن معظم شوارع المدينة تُردّد صدى ألم وخوف أهلها الذين غادروها. أما الأفران والأسواق، يملؤها القلق من ضرب النظام لها إذا ما بدت مزدحمة.
في آخر زيارة للمدينة، كان بالإمكان رؤية حياتها بكل الأشكال الفوضوية، فترى الحياة متوقفة من حين لآخر، ومدمرة بالتفجيرات، وبدت الأمور بعدها كأنها تتجه لشيء أثقل وأبعد عن الوجهة التي كانت عليها. وحسب ما يبدو بوضوح، تلك ليست القضية، حيث يواسي الناس أنفسهم بالعشوائية الحاصلة، إذ لا يوجد ما يمكنهم القيام به.
تحدثنا باختصار مع طفلين رأيناهما على سرير المستشفى، قالا بأنهما تعودا عليه فقد أصبح جزءً من حياتهما، مثله كمثل المدرسة أو كقميص الطفولة المفضل لديهما.
هدفنا هو مقابلة الفئة العمرية الأصغر، فقد التقينا بالعديد من الأطفال الصغار جداً بعضهم في الثالثة من العمر، كانوا وديعين وهادئين جداً كما لو أنهم تمسكوا بتلك اللحظة من الزمن، ويتخبطون من الخوف عندما يحل الهجوم ليدمر كل شيء فوق رأسك.
تحدثنا في تقرير سابق منذ عام وعشرة أشهر عن مصير الفتاة “رينا” ذات الأربعة سنوات، والتي تم قنصها من خلال زجاج النافذة المكسو بالصقيع، فكانت في إحدى غرف الشقة عندما أُصيبت برصاصة في فكها واستقرت أخيراً في حنجرتها لتقتلها. ومن غير المرجح أن القناص الذي قضى على حياتها كان يدرك هدفه، فإطلاق الرصاص كان الترويع هدفه البحت.
أما في تقريرنا اليوم، نلتقي محمد ذو الخمس سنوات والقابع في المستشفى، فهو أيضاً أُصيب من قبل قناص، وهو أيضاً كان في البيت عندما أصابته الرصاصة، كان يتابع أفلام الكرتون كما أخبرتنا والدته، وأصابته الرصاصة في معدته لتنفجر محدثةً جروحاً في الجزء الأمامي من جسده، والأجزاء الجانبية أيضاً.
يقوم الطبيب بقرص جلد صدره بنحو متكرر ليتأكد من انه واع،فيرفع يده الممتدة نحوي ونحو الطبيب، عيناه مغلقتان وقد علقت دمعة في زواياهما.
تبكي والدته في الخارج وتنوح موجهة كلامها للقناص: “ما المشكلة في عينيه، أيعقل أنه لم يرى أن هذا ابني؟ لماذا أطلق النار عليه؟”.
وعلى أطراف المناطق الثائرة، تجد كومةً هائلة من النفايات تحترق باستمرار، ملوثةً الهواء.
يتم حرق البلاستيك لتشغيل مصافي النفط التي تمول مجموعات الثوار المختلفة، وفق ما حدّثني أحد النشطاء، ففي قتالهم من أجل الحياة، يقتلون الحياة.
ترتفع فوق حلب أعمدة الدخان في الأفق، تاركةً ورائها أولئك الذين لا يستطيعون التخلي عنها، والذين يتوجب عليهم إيجاد الحياة في جمرتها.

