حوار استوكهولم

حوار استوكهولم

حبش

د. محمد حبش

كانت مبادرة معهد بروكينغ لحوار جديد في استوكهولم موعداً لتجدد الآلام السورية في مشهد الموت الذي يتكرر كل يوم، وتحت الثلج الاسكندنافي التقى السوري التائه بأخيه في العذاب والشراد، بعد أن ضاقت عليه البلاد العربية بما رحبت، ومع كل سوري منهم وثائق جديدة عن العذاب والألم والعناء الذي يكابده السوريون في خيامهم وشتاتهم وسجون نظامهم وحصاره.

الحرب المستمرة والغرباء والإيديولوجيات المجنونة والثأر الغرائزي والحقد وانهيار الإنسان والحياة والأحياء… عناوين كثيرة للموت والقهر والعذاب في سوريا بعد حرب طاحنة استمرت أربع سنوات، تقول لها شياطين الموت هل امتلأت؟ وتقول هل من مزيد!!.

قلت للمشاركين… إن همنا الأول هو إيقاف الحرب على سورية، ولو كان الأمر لدي فأنا أوقع الآن مباشرة على كتاب انهاء الحرب بالصيغة الممكنة، ولا أعتقد أن المثقف يفتقد براجماتيات واقعية لرفع الكوارث، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويدرأ الضرر العام بالضرر الخاص، وغيرها من عبارات التبرير المنطقية للتعامل مع المآسي.

ولكن قرار الحرب والسلم لا يتخذ هنا، معاناتنا تقتصر على تأمين عيش أطفالنا وتعليميهم وتأمين إقامات وفيز مستمرة في بلاد اللجوء، ولكن عشرة ملايين سوري يعانون من هموم لا تطاق ولا يمكن احتمالها في خيامهم وشرادهم وشتاتهم وسجونهم ومقابرهم، يطاردهم الموت من كل مكان، ولا يمكن لأحد أن يقول لهم فلتتوقف الحرب واستمروا بعد ذلك في هذا العذاب.

ومع أن اللقاء نجح في دعوة محاربين أشداء من خنادق القتال، ولكنه لم يستطع اقناع النظام بارسال من يمثله، فالنظام لا زال يسبح في بحيرة أوهامه ويعتقد أن لاشيء جديد وأنه ماض في مواجهة المؤامرة، وسيقاتل حتى النهاية.

أعلن الأسد في خطاب البيعة أن الأمور تجري بشكل جيد، وأن الحسم العسكري سيتحقق نهاية العام، وتبقى جيوب صغيرة هنا وهناك، ولكن حساب الحقل لم ينطبق أبداً على حساب البيدر، ودخل العام الجديد والحرب أشد هولاً، وقد قفز رقم الشهداء إلى 210 آلاف شهيد وإذا ضممت المفقودين والجرحى والمعاقين فأنت تتحدث  عن أكثر من مليون سوري، ووفق إعلان الأمم المتحدة فقد نصف السوريين مساكنهم وأجبروا على النزوح.. ومع ذلك يتحدث عن انتصار!!!

وفي الرقم الاستراتيجي فالليرة السورية خسرت 70 بالمائة من قيمتها، والنظام لا يملك معابره، ولا يملك قطرة من نفطه، و70 بالمائة من الأرض السورية لا يستطيع الوصول إليها، ونصف الشعب نازح، ولا زال يعيش في وهم الانتصار.

لقد وجد دوماً من يرقص معه في الدبكة كلما بدا له أن يقول إنه انتصر، ولكن هذا الرقص لم يكن إلا على أشلاء سوريا وحطامها وجماجم السوريين… يا له من رقص لئيم.

موافقتنا هنا في استوكهولم على الدخول في مفاوضات جنيف لن تغير من الواقع شيئاً، والتفسيرات التي قدمناها في استوكهولم لشكل الهيئة الحاكمة الانتقالية وطريقة تشكيلها وتحديد صلاحياتها هي آخر ما يهم المقاتل الثائر على الأرض، الذي لم يعد لديه ما يخسره، ولن يشاهد أصلاً كعكة جنيف وهو لا يؤمن بها، وهو مستمر تحت شعاره الذي رضعه مع حليب أمه: الشهادة أوالنصر.

أما النظام فهو يرى أن أي مناقشة في انتقال السلطة هي لون من الكفر، وأن الحل الوحيد المتاح هو أن تعودوا إلى حضن الوطن بعد مراجعة الفروع الأمنية الرهيبة، وسنمنّ على بعض العائدين بمناصب خدمية، وحتى العقل البعثي التقليدي لم يتغير منه شيء وفي حوار موسكو قال الجعفري للمحاورين الكرد الذين وصفوا عناءهم وعذابهم من سياسيات النظام التقليدية ضد الثقافة الكردية والإنسان الكردي: من لا تعجبه هذه البلد فليرحل عنها!!!!

باختصار الخطوط مقطوعة والثقة مفقودة تماماً في الحوارات الجدية بين المتحاربين على الأرض، ولا يبدو أن هناك بارقة أمل في تحقيق تغير ملموس على الأرض السورية المستباحة من شعبها الأربع.

قلت لهم في استوكهولم: لسنا أصحاب قرار الحرب والسلام، ولكننا نستطيع أن نفعل شيئاً لشعبنا المنكوب، فالحقل الاغاثي أولا يمكن تطويره في التعليم والطبابة بشكل كبير ويمكن لهكذا لقاءات أن توفر مزيداً من التشبيك بين العاملين في الحقل الإغاثي وبين المجتمع الدولي.

أما وقف الحرب، فإن الجانب الذي يجب ان ندركه جيداً هو أن هؤلاء الثوار السوريين ليسوا إيديولوجيين كما هو حال الغرباء الذين جاؤوا من العواصم الاوربية والعربية، وهم على الرغم من مواقعهم القيادية في الحرب ولكنهم عدد قليل بين الثوار في سوريا، إن الثوار لم يكونوا خلايا نائمة يتدربون في قندهار وتورا بورا ويستعدون ليوم الحرب…. لقد كانوا موظفين ومعلمين وسائقين وأصحاب حرف، ولم يحملوا في حياتهم بندقية، ولم يخطر ببالهم أنهم سيفعلون ذلك، وكثير منهم كانوا بعثيين وحزبيين، ولم يكونوا معارضين أصلاً، ولكن الذي أخرجهم إلى ساحة الحرب هو الظلم .. حين تقتل ما لديه من آمال، ويقف أمام مصارع أهله وأحبائه في السجون والتعذيب والمعتقلات وبراميل الموت فأي شيئ تنتظره غير هذا، إنها حقيقة لا يجهلها أحد، وطالما رددها حافظ الأسد نفسه حين كان يتحدث عن التفريق بين الإرهاب والمقاومة، مع التذكير بأن عناء الشعب الفلسطيني لم يعد يذكر أمام عناء السوريين وعذاباتهم، أعتقد أننا لا نحتاج لتبرير أكثر من هذا.

ولكن هذا لا يعني ضياع الأمل من نهاية قريبة لهذه الحرب..
قلت لهم: حين ذهبت النخب السياسية من الكتلة الوطنية إلى فرنسا لمحاورتها في أمر الاستقلال كان الثوار يحملون بنادقهم، وأعلنوا رفضهم لأي حوار مع المستعمر، ولو كان لديهم فيسبوك لامتلأت ساحاته بمواقع التخوين والتكفير لشكري القوتلي وهاشم الأتاسي وسعد الله الجابري وفارس الخوري، وربما أكثر من هذا، ولكن عندما نجحت الدبلوماسية السورية في انتزاع ضمانات الاستقلال، وجاؤوا بمعاهدة مشرفة توفر طريقا صحيحاً نحو تحقيق مطالب الثوار… عندها تغير كل شيء وراح الثوار أنفسهم يستقبلون الوفد المفاوض بالعراضة الشامية والقدود الحلبية، ورفعوهم على الأعناق.

الثائر انفعالي غاضب، وبغير هذا لا يكون ثائراً، ولكننا نكفر بعقولنا إذا تصورنا أنه يحارب من أجل الحرب، وأنه لا يملك في جوانحه أحلاماً وآمالاً ودفء محبة وعصافير….

كان الثوار أيضاً على منصة أوسلو، وقدموا خطاباً واقعياً، وأعلنوا أنهم يريدون الحل السلمي ويبدو أن كلمة أبي فرات التي ذرف فيها مدامعه على ضحاياه صارت أيقونة الثورة، وأعلن الثوار أنهم جاؤوا تحت هذا العنوان الكبير الحفاظ على الدولة السورية، وأن أحداً لا يفكر في انهيار الدولة، ولكنهم لم يجدوا أي حل واقعي يمكن تصديقه، وكانت تعليقاتهم على ما طرحته: هاتوا هذه الآمال على مركب الواقع، وهاتوا العدالة وخذوا السلام، فلا أحد يعبد الحرب، وكلنا نؤمن بأن سوريا لكل أهلها وأبنائها، وسنتعاون مع كل سوري يؤمن بالعدل والمساواة من أجل مستقبل سوريا… لقد ملؤوا جوانحنا بالأمل في نهاية قريبة لهذا البؤس المرير.

 

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مساحة حرة