مشاركة

نشرت جريدة لوموند الفرنسية قبل أيام تقريرياً عن التراث التاريخي في مدينة حلب السورية، متسائلةً في بدايته “كيف نحفظ القلب المشوّه لمدينة #حلب؟” حلب هي ثاني المدن السورية وواحدة من أقدم المدن على الكوكب، والمسجلة في التراث العالمي الإنساني في #اليونسكو منذ عام 1986؟ وكذلك سوقها القديم الذي دمرته قنابل ومتفجرات النظام السوري وحليفه الروسي عام 2016 بحجة طرد المتمردين والجهاديين بعد أعوام الحرب وآلاف القتلى؟ كيف نعيد الحياة إلى 13 كم من الأزقة المقببة لذلك البازار؟

هذه الأسئلة كانت محور نقاش تم تنظيمه يوم الجمعة الواقع في 3/11/2017 في ملتقى #اللوفر في #باريس ضمن إطار الصالون الدولي للتراث الثقافي.

أعلن السيد لويس مونريال المدير العام لمؤسسة الأغا خان للثقافة (Truste for culture) والتي تشارك في أعمال إعادة الإعمار في سوريا، بأنه: “قد تم البدء بذلك الجزء المركزي من السوق في حلب، ذلك المثال الفريد للعمارة المدنية في العالم الإسلامي في العصور الوسطى”. وانطلاقاً من هدف الحفاظ على هذا الصرح التاريخي، فإن المشروع يهدف إلى “المساعدة في استعادة النشاط الاجتماعي والاقتصادي في مدينة حلب القديمة”. وهذا جزء من العمل التقليدي لشبكة الأغا خان للتنمية والتي تساهم في المساعدات الإنسانية والاجتماعية في سوريا منذ عقدين.

الضرورة الملحة وفق التقرير تتمثل في تقييم الأضرار التي لحقت بالمنشآت التاريخية الضخمة للسوق، مثل خان الجمرك (6400 م2)، حيث افتتح فرانسيس الأول أول قنصلية فرنسية بالخارج فيه بفضل علاقاته الجيدة مع سليمان العظيم (القانوني) سلطان الإمبراطورية العثمانية آنذاك.

طائرة بدون طيّار في المدينة القديمة

تم التصوير منذ شهر كانون الثاني من هذا العام، بعد توقف القتال، من قبل المهندس المعماري إيف أوبلمان رئيس مؤسسة “اكونيم” الفرنسية المتخصصة بتوثيق التراث المعرض للخطر. ما أدى إلى توفير قاعدة بيانات تخدم بشكل رئيسي عملية إعادة الإعمار. آلاف الصور تم التقاطها من قبل أوبلمان عن طريق طيارة بدون طيّار تغطي حالة الدمار قبل أي تدخل. وعلى طريقة (D3) ثلاثية الأبعاد، فإن هذه الصور توفر وثائق ثمينة تخدم عملية إعادة الإعمار الظاهري استناداً إلى ما تبقى من عناصر. وقد سبق وأن استعمل المعماري ذاته هذه التقنية في #تدمر في الصحراء السورية، وفي #نمرود و #الموصل في #العراق وكذلك في #أفغانستان.

وسيتم تحديد وتنفيذ أعمال الترميم بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا وتحت إشراف خبراء من #اليونسكو حسب ما تقتضيه نوعية التراث العالمي في حلب. وهنا يشير عالم الآثار والمدير السابق لآثار والمتاحف في سوريا مأمون عبد الكريم والذي حضر ملتقى اللوفر إلى أن “هناك مائتي مبنى تاريخي متضرر تم تحديدها، وهي تحتاج إلى الدراسة لتقييم الضرر وتكلفة ومدى عمليات الترميم”. هذه المباني تقع جنوب وشرق القلعة وهي منطقة المركز التاريخي الأكثر تضرراً بسبب التفجيرات.

وتعرِض “اكونيم” في اللوفر نموذجاً رقمياً ثلاثي الأبعاد للمركز التاريخي بأكمله ولأربع مواقع رئيسية هي: القلعة وسوق العطارين وسوق النحاسين والجامع الأموي الكبير. وستكون لهذه المواقع الأولوية في أعمال الترميم وإعادة الإعمار. وهذه نتيجة آلاف الصور الملتقطة والتي تم ترقيمها منذ توقف القتال، حيث يشر أوبلمان: “قمنا خلال ثلاثة أيام بمسح المدينة القديمة بمعدل 8000 صورة باستخدام طائرة مسيّرة على ارتفاع يتراوح بين 30 و150 متراً”.

يقول التقرير إن طائرة بدون طيّار تحلق فوق قلب المدينة القديمة وفوق القلعة المحاطة بسور وخندق عميق. ثم فوق المسجد الأموي الكبير ذو المئذنة ذات ارتفاع 50 م والتي سقطت عام 2013 ولم يتبق منها سوى كومة حجارة. وأخيراً تحلق الطائرة فوق 13 كم من السوق الذي يعتبر واحداً من أكبر وأقدم أسواق هذا الكوكب. فمنذ العصور القديمة، وفي هذه المتاهة تم تبادل التوابل والعطور والأحجار الكريمة من #الهند والحرير والقطن من الصين والبخور من الجزيرة العربية. السلع التي كانت تنقلها قافلة تضم مئات الإبل تصل من بلاد الرافدين على طريق الحرير أو خليج عمان. ثم تذهب عن الطريق السفن عبر دجلة والفرات وتعبر إلى نمرود شمال العراق أو تدمر في الصحراء السورية، قبل أن ينتهي بها المطاف في أكشاك حلب. لينطلقوا بها بعد ذلك إلى البندقية أو روما عبر البحر المتوسط.

من جديد عاد المعماري في شهر نيسان ليصور البازار من الداخل. كانت مغامرة في الظلام على طول الأبنية المهجورة. مما يمكّن من زيارة افتراضية للسوق تكون نقطة البداية لوضع شروط إعادة الإعمار.

قياسات شبه ميليميترية

يرد في التقرير: ما هي الأضرار؟ تقع المدينة التاريخية في جنوب وغرب القلعة الشهيرة التي تهيمن على كامل المدينة. محصنة ويحيط بها خندق بعمق 20 م وعرض 30 م، حُفر في القرن الثالث عشر. أحد أبراج القلعة انهار مع جزء من السور، لكن الأضرار ستكون محدودة. ويبيّن مأمون عبد الكريم: “قبل الحرب، كانت مؤسسة الآغا خان قد قامت بعمليات ترميم وتأهيل داخل السور، وببناء دائرة سياحية ومتحف للقلعة”.

لكن الدمار الأهم هو ذلك الذي أصاب منطقة جنوب وشرق القلعة حيث يركز مشروع مؤسسة الآغا خان على آثار القرنين الثاني عشر والتاسع عشر من السوقين الذين تضررا أكثر من غيرهم. ففي الجنوب حفرة كبيرة خلّفها انفجار أتى على كل شيء. ومسجد الخسراوية الأيوبي دمّر ولم يبقى من الجامع السلطاني الذي يعود للقرن الثالث عشر سوى مئذنته. وسوّي 65% من خان الحبال بالأرض. في أمكنة أخرى كان الضرر أقل: فقد دمّر ما بين 5%  إلى 15% من خان الصابون الذي يعود للقرن التاسع وهو ما اشتهر به صابون حلب ويقع شرق الجامع الأموي الكبير.

في الجامع الأموي الكبير، أخذت مؤسسة الأغا خان على عاتقها مهمة إعادة بناء المنارة المتداعية. حيث يبيّن مأمون عبد الكريم بأن: “لقد أعطوا ما يعادل 15 مليون دولار من التبرعات للحكومة ولطامعة حلب” مع الإشارة إلى أن هذه الأعمال الدقيقة تتطلب خبرة.

وتم تكليف الشركة الفرنسية للفن البياني والتراث بتوثيق ديكورات واجهات المنارة الأربعة. وبحسب برونو ديسلاندس مدير العمل الدولي والتراث المهدد للانقراض في الشركة المذكورة، فإن التقنية المستخدمة في المسح الضوئي تسجل مئات المليارات من نقاط القياس الميلي ميتري. هذه التقنية سبق وأن تم استخدامها من قبل الشركة على سطح كنيسة سيدتنا (النوتردام) واللوفر وقصر فرساي لتعقب الهشاشة.

ما هو مستقبل حلب؟ يقول مأمون عبد الكريم: “المدينة الحديثة قد دمّرت إلى حدٍ كبير، لكن يمكننا إنقاذ 70% من السوق في المدينة القديمة”. وبالرغم من الضغوط، فإن المدير السابق للآثار والمتاحف يعتبر أنه يجب أن يعطى الوقت الكافي لهكذا عمل. ويضيف: “أنا لست ضد الأعمال التجارية، لكن ليس على حساب التراث. لقد تم إعفائي من منصب صعب جداً وأنا مرتاح الآن. عمري الآن خمسون سنة وأريد أن أكون مفيداً في المجال العلمي. فعالم الآثار يبقى حارساً وإن لم يعد مسؤولاً”.

تمويل مؤكد من مؤسسة الأغا خان للثقافة

تعهدت مؤسسة الأغا خان للثقافة بتمويل ترميم وإعادة تأهيل سوق حلب، لكن لم يتم الكشف عن المبلغ المرصود حتى الآن. ويؤكد أوبلمان بأن “اكونيم” التي وضعت النماذج الرقمية تحت تصرف مؤسسة الأغا خان، لم تتلق أي تمويل من الحكومة السورية لقاء توثيقها لثلاثين موقعاً معرض للخطر في سوريا. ويضيف: “نحن نتدخل على وجه السرعة وفي حالات الطوارئ والممولون ليسوا هناك، فالعمل يتم على نفقتنا للخاصة”. هذا وقد وقعت “اكونيم” عقوداً مع اليونسكو ومؤسسة الأغا خان الثقافية ووزارة الثقافة الفرنسية ومركز الأبحاث الوطنية الفرنسية ومجمع المتاحف الوطنية ومع جهات أوربية أخرى. وفيما يتعلق بشركة الفن البياني والتراث، فإن مديرها الدولي يشير إلى أن الشركة وقعت عقوداً مع اليونسكو ومؤسسة الأغا خان لتمويل عملياتها.

الدولة الفرنسية من جهتها لن توفر أية مساهمة مالية في إعادة الإعمار ما لم يكن هناك انتقال سياسي حقيقي في سوريا بإشراف الأمم المتحدة.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/F1s0z