وكالات (الحل) – نشرت صحيفة «لوموند» بالأمس، مقالاً تحليلياً تناول موضوع عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لإستراتيجيته التي اتبعها قبل إعلان الخلافة كي يتمكن من الاستمرار في البقاء. وعلى الرغم من الهزائم المتتالية، فإن التنظيم ما يزال يحافظ على قدرته على إلحاق الضرر بالآخرين. وبحسب الباحث مايكل نايتس، المتخصص في شؤون العراق والأستاذ المساعد في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن النشاط التمردي لتنظيم «داعش» في بعض المناطق الريفية وانتشار هجماته هنا وهناك يهددان بعودة ظهور التنظيم من جديد. وبالرغم من إعلان النصر رسمياً على التنظيم منذ أكثر من عام في العراق واندحاره في سوريا، إلا أن التنظيم يولد من جديد.
وتبين «لوموند» بأن تنظيم «داعش» كان موجوداً قبل أن يسيطر على الأراضي وسيستمر في البقاء بعد فقدانه إياها. فمراكز الدراسات والأبحاث كانت تراقب عن كثب المناطق التي تم طرد تنظيم «داعش» منها في كلّ من سوريا والعراق. وفي بعض المناطق العراقية المحررة من براثنه، تحوّل التنظيم مباشرة إلى استراتيجية التمرد. و يتبع تنظيم «داعش» اليوم ذات الاستراتيجية التي اتبعها ما بين أعوام 2011 و 2014 قبل إعلان “الخلافة”. حيث تقوم هذه الاستراتيجية على استهداف وقتل الزعماء المحليين السنة ومقاومة قوات الأمن. الأمر الذي يسمح للتنظيم بالسيطرة الفعالة على المناطق الريفية لاسيما في الليل. وإن كانت “الخلافة” في النهار، في المدن، قد تلاشت واختفت، فإنها في الليل في الأرياف ما تزال قائمة.
من جهةٍ أخرى فإن عودة تنظيم «داعش» إلى التمرد “التقليدي” بعد هزائمه المتتالية في كلّ من العراق وسوريا تشكل دون أدنى شك خطوة حاسمة في استمرار النزاع. وهذه مرحلة جديدة من عمليات التنظيم. فمنذ حلول صيف عام 2016، أعلن تنظيم «داعش» صراحةً في مجلته وعلى الإنترنت أنه سيعود للتمرد إذا ما خسر المدن التي يسيطر عليها. لقد كان يعلم سلفاً أن هذه الهزائم لا مفر منها. وبالتالي فإن إستراتيجية تنظيم «داعش» تتمثل بالآتي: البقاء في الصحراء والمناطق الريفية من أجل قتل أكبر عدد ممكن من الزعماء السنة المحليين. فهذا التكتيك كان قد حقق نجاحاً للتنظيم ما بين 2011 و2014. حيث يقوم التكتيك المذكور على تحليل المفاهيم والدروس التي استفاد منها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عام 2009 حين تمت مطاردته من قبل القوى السنية المدعومة من الجيش الأمريكي.
ويوضح المقال بأن تمرد تنظيم «داعش» ضعيف وهش في معظم مناطق سوريا. وكذلك هو الحال في بعض المناطق العراقية كالأنبار وصلاح الدين وبغداد. لكن في المقابل، فإن تمرد التنظيم قوي جداً خارج مدن مناطق نينوى وكركوك وديالا، حيث سيصبح تنظيم «داعش» أقوى في السنين القادمة. وهناك ثلاث عوامل ساهمت في نمو قوة التنظيم في الفترة ما بين 2011 و 2014. أما في الوقت الحالي فإن التنظيم يعاني من نقصٍ في هذه العوامل وهو ما يمنعه من أن يُصبح مجموعة قوية جداً مرة أخرى. فأولاً، لم تعد سوريا قاعدة فعّالة للتنظيم الذي يواجه الآن العديد من الأعداء في هذا البلد. لكن هذا الوضع قد يتغير إذا ما انسحبت القوات الأمريكية من سوريا. ثانياً، إن قوات الأمن العراقية الآن تدار بشكل جيد وتتلقى دعماً وتدريباً كبيرين، وهو ما لم يحدث في أعوام 2011 و2014. وأخيراً، فإن وجود قوات التحالف الدولي تمنع تنظيم «داعش» بأن يصبح قوّة عسكرية مرةً أخرى.
من جهةٍ أخرى، يشير المقال إلى أن القوات العراقية، لن تتمكن من مكافحة التمرد «الداعشي» الجديد بشكلٍ فعّال. فالأمر يتطلّب الكثير من الوقت. وتنظيم «داعش» قد عاد إلى تمرده قبل أن يتمكّن العراقيون من إيقافه. وهذا التنظيم الجهادي قادر على أن يغير استراتيجيته خلال شهرٍ واحدٍ فقط في حين يحتاج الجيش العراقي إلى سنتين على الأقل كي يصبح قوّةً قادرة على مواجهة هذا التنظيم. أما في سوريا، فيحاول الأمريكان تطهير آخر جيب لداعش قبل الانسحاب الذي أعلنه دونالد ترامب في كانون الأول من العام الماضي. وهذا هو السبب وراء استمرار العملية الهجومية في شرق سوريا. ولا أحد يستطيع التكهّن بمدى التزام الولايات المتحدة في المستقبل. فقد يقتصر الأمر على وجود عناصر من وكالة المخابرات المركزية وبعض القوات الخاصة الصغيرة.
كذلك لا يمكن معرفة ما الذي سيحل بالموقف التركي الذي يهدد الأراضي السورية التي تسيطر عليها القوات الكردية المتحالفة مع واشنطن. وهذه الأمور مجتمعة تمهّد الطريق لتنظيم داعش كي يبقى موجوداً!
تحرير: أروى السعدي

