درعا أنموذجاً للحلّ في سوريا كَكُل

درعا أنموذجاً للحلّ في سوريا كَكُل

عانت غالبية المدن السوريّة خلال الحرب الممتدّة منذ آذار 2011 من ويلات الحرب، وكذلك ويلات السِّلْم التي أعقبت انتهاء المعارك، وخلال التسويات التي حصلت بين الجيش السوريّ وفصائل المعارضة السوريّة المسلحة، والتي تمّت برعاية روسيّة في معظمها، وبات نموذجا الغوطة الشرقية، ودرعا هما الأكثر بروزاً خلال فترة الحرب، على اختلاف الظروف الميدانية فيهما، وموقف الحكومة السورية في كل منهما سواء، في زمان حدوثها، أو مكانها.

تريد دمشق أنْ تبدأ عهداً جديداً في حربها ضد معارضيها، وترى أنّ مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة يجب ألا تُشبِه ما قبلها، وتعتبر نفسها اليوم في موقع قوة يسمح لها بإعادة سلطتها الكاملة تِباعاً على المناطق الخارجة عن سيطرتها.

وتعتقد أنّ لدرعا الأولوية في هذا المنحى، وخاصة بعد تصريحات العاهل الأردنيّ عبد الله الثاني الذي أعلن فيها أن بلاده بصدد إعادة العلاقات مع الحكومة السورية، بالإضافة للجهود المبذولة لإعادة دمشق إلى الجامعة العربية.

وبدأت دمشق بالفعل حملة ضغوطها الجدّية عبر التهديد بالعمل العسكريّ في درعا، بسبب رمزيتها، كونها كانت أولى المدن المنتفضة ضد الحكومة السورية عام 2011 وكذلك بعد موقف أهالي المدينة الرافض لإجراء الانتخابات الرئاسية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وما إغلاق المعبر الوحيد الذي يصل منطقتي النفوذ في درعا؛ إلا جزءاً من حملة الضغوطات تلك، والتلويح بعمل عسكري ينهي الاتفاق القائم منذ ثلاثة أعوام، وكذلك رفض المبادرات التي تقدمها موسكو كحلول وسط بين موقف الحكومة السورية والمعارضين فيها.

تشكل درعا اليوم أنموذجاً فريداً من التسويات بين الحكومة السورية ومعارضيها، ويعول عليها في كثير من المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش السوريّ، لكن هناك العديد من العوامل التي تساهم في عرقلة الوصول إلى تسوية شاملة لوضع المحافظة، ومنها التنافس الروسيّ الإيراني في التحكم بمفاصل الحرب في سوريا، والسيطرة على مناطق النفوذ.

فموسكو تسعى أن تكون لها اليد الطولى في أية تسوية قادمة في درعا، واستمالة شباب درعا للانضمام إلى الفيلق الخامس الذي أسسته عام 2016 وتشرف عليه بشكل مباشر، رغم تبعيته التنظيمية للجيش السوري، قاطعاً الطريق أمام أية محاولة لتجنيدهم مع فصائل موالية لطهران، وبالتالي تكون أنموذجاً يمكن تطبيقه في مناطق أخرى في سوريا، وتكريس معادلة حصرية هيمنتها على القرار في سوريا.

أما إيران، فتريد أن تبقي على تواجد لفصائل موالية لها بالقرب من الجولان السوري المحتل، وبالتالي على خطوط التماس مع إسرائيل، والحفاظ على خط طهران – دمشق – الضاحية الجنوبية في لبنان، وكذلك إبقاء تواجد عسكري ما داخل سوريا، وفي منظومة الحُكم السورية.

والغاية هي استخدام هذه الأوراق في المفاوضات النووية المتعثرة بينها وبين مجموعة (5+1)، وكذلك إبقاء حالة التوازن مع روسيا في الميدان السوريّ، حيث ترغب عديد الدول، وخاصة دول الخليج وإسرائيل، بدور روسي أكبر في سوريا على حساب التواجد والتأثير الإيراني داخل مفاصل الحكم السورية، حيث ترى هذه البلدان أن تقوية نفوذ موسكو في سوريا ستساعد الحكومة السورية في التخلص من الهيمنة الإيرانية، وتنتفي أي حاجة لوجود فصائل تابعة لطهران في سوريا.

يمكن تلخيص مقترحات العرض الروسيّ بدخول الجيش السوريّ إلى “درعا البلد” وحصر حمل السلاح له في كامل المحافظة، ونقل كلّ الرافضين لاتفاق التسوية الجديد من ريف درعا أو المدينة إلى إدلب، وإقامة ثلاثة مراكز أمنية في المدينة، وحلّ مشكلة الفارين من الجيش السوريّ خلال مدة زمنية قصيرة والتعهد بعدم ملاحقتهم مستقبلاً، وإشراف الجانب الروسيّ على تطبيق كافة بنود الاتفاق.

تبدو درعا اليوم أمام امتحان صعب، وهو تحديد مصيرها، وبالتالي مصير المناطق السورية الأخرى، كتلك المشابهة لوضعها، بطريقة أو بأخرى، مثل ريف إدلب، وحماة، وأيضاً السويداء، وكذلك فهي اليوم بمثابة بوصلة تشير إلى الطريقة التي من الممكن أن تتعامل بها الحكومة السورية مستقبلاً مع كلّ من مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرقيّ سوريا، وإدلب ومناطق سيطرة الفصائل المسلحة السورية الموالية لتركيا.

أما النموذج الآخر، والذي طٌبِّق في الغوطة الشرقية وحلب ومناطق أخرى خرجت ضد الحكومة السورية، شهدت تهجير مسلحيها، وجميع من رفض التسويات، وبالتالي باتت المدن شبه خالية من سكانها الأصليين، والذين بدورهم سكنوا بيوتات غيرهم من السوريين المهجرين في مناطق أخرى مثل عفرين وإدلب والباب وغيرها، وما نتج عنه من تغيير ديموغرافي طال هذه المناطق.

نموذج درعا كان الأكثر واقعية من بين المدن والمناطق التي خرجت ضد حكومة الرئيس السوريّ بشار الأسد، والتي عادت إلى سلطتها لاحقاً، وبالتالي فشل هذا النموذج هو مؤشر خطير لمستقبل التسويات في كامل سوريا، وبالتالي فرض أحد خيارين، إما إعادة الأوضاع لما قبل العام 2011، أو التهجير، وهما أسوأ ما قد يواجهه السوريون.

لذا فإن الحفاظ على الاتفاق، بشكله العام، وتطوير بنوده ليكون له فرصة أكثر للديمومة، هو ما سيعطي أملاً للسوريين بإيجاد حلول عملية لإنهاء الصراع والاستبداد في آن واحد، مع الحفاظ على كيان البلاد.