تركيا في شرق الفرات: ما الموقف الأميركي والروسي من قصف “قسد” بالطائرات المسيّرة؟

تركيا في شرق الفرات: ما الموقف الأميركي والروسي من قصف “قسد” بالطائرات المسيّرة؟

تعيش مناطق شمال وشرق سوريا أجواء متوترة، وبالتحديد على الحدود الفاصلة بين مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والمناطق التي تُسيطر عليها فصائل من الجيش الوطني السوري، المدعوم من تركيا، إذ تشهد المنطقة عادة جولات متقطّعة من التصعيد العسكري، بالقصف المتبادل تارةً، والتسلل عبر الجبهات تارةً أخرى، إلا أن التطور النوعي، الذي شهدته هجمات تركيا في شرق الفرات مؤخراً، كان القصف الجوي بواسطة الطائرات المسيّرة، الأمر الذي  يُشير إلى إمكانية وجود حسابات جديدة لدى طرفي الصراع.

وصعّدت تركيا في شرق الفرات حدة قصفها على مناطق تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، ولاسيما في بلدة “تل تمر“، ومحيط بلدة “أبو راسين”، المحاذية لمناطق سيطرة الفصائل الموالية لتركية، كما استهدفت طائرات مسيّرة تركية عدة عربات، تقلّ قياديين من قوات سوريا الديمقراطية، ومدنيين متعاونين معهم.

وأعنف الضربات التركية كانت في التاسع عشر من آب/أغسطس الماضي، واستهدفت مقر العلاقات العسكرية التابعة لـ”قسد” في “تل تمر”، ما أسفر عن مقتل ستة مقاتلين، بينهم قياديين. وفي اليوم ذاته استهدفت طائرة مسيّرة سيارة قيادي من “قسد”، على مقربة من مدينة القامشلي. وجاء هذا التصعيد بعد يومين من قصف مدفعي تركي على محيط “تل تمر” وناحية “زركان”.

قيادة “قسد” وصفت الضربات التركية بـ«الوحشية»، وقالت إن «مستوى الضربات يُشير إلى مرحلة مواجهة جديدة». واحتفظت القيادة، في البيان الصادر عنها بـ«حق الرد على تركيا، لخرقها الاتفاقيات الموقعة مع كل من روسيا وأمريكا».

ويرى كثير من المراقبين أن دخول المسيّرات التركية على مسار التصعيد في شمال وشرق سوريا يعتبر تطوّراً لافتاً، لكن مآلاته لم تتضح حتى الآن، سواء كان يمهّد لعمل عسكري محتمل على الأرض؛ أو يندرج ضمن إطار استراتيجية جديدة تتبعها أنقرة، لتحقيق مكاسب سياسية في المنطقة؛ أو كان بداية حرب استنزاف طويلة الأمد، لاستهداف قياديي “قسد”.

 

حرب مفتوحة في شرق الفرات

“جمال شيخ باقي”، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردي السوري، يرى أن ما سماه «الاعتداءات التركية» يندرج ضمن «سعي تركيا لضرب التجربة الديمقراطية للإدارة الذاتية، وكذلك ضرب الاستقرار في المنطقة، ودفع الأهالي للهجرة».

ويربط “شيخ باقي” بين «ما قامت به الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، من توفير الخدمات، وخلق جو من الثقة بين الشعب والإدارة، وبين هذه الهجمات»، التي تعتبر، بحسبه، «جزءاً من الحرب النفسية، التي تقودها جهات استخباراتية تركية، بهدف زعزعة ثقة الأهالي بالإدارة، وإفراغ إنجازاتها من مضامينها».

«جبهة الحرب ما تزال مفتوحة»، بهذه الكلمات استكمل السياسي الكردي حديثه لـ«الحل نت»، مؤكداً أن «تركيا تحاول عبر تصعيدها هذا جسّ نبض الدول الفاعلة في الملف السوري، وردات فعلها على أرض الواقع».

من جهته وصف “رياض درار”، الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، الدولة التركية بالـ«معتدية»، وقال في تصريحاته لـ«الحل نت»، إن «الخروقات التركية لاتفاقيات وقف إطلاق النار لم تتوقف منذ سيطرتها على أجزاء من الشريط الحدودي مع سوريا».

ويتفق “درار” مع تحليل “شيخ باقي” لأهداف الهجمات التركية، قائلاً إن «تركيا تحاول عبر تصعيدها هذا جس نبض الدول الفاعلة في الملف السوري، سواء تلك المتحالفة معها في مسار أستانة، أو دول التحالف الدولي ضد الإرهاب، وبالتالي ترغب في خلط الأوراق، وابتزاز الطرفين»، حسب تعبيره.

 

«تركيا تريد وقف الخروقات في شرق الفرات»

بالمقابل يردّ “مروان القاضي”، مدير المكتب الإعلامي في “جيش الإسلام”، المنضوي تحت سقف الجيش الوطني المدعوم من تركيا، سبب التصعيد العسكري التركي إلى «زيادة الخروقات الأمنية من قبل مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، وتسللهم للمناطق، التي سيطرت عليها تركيا نهاية عام 2019، عبر عملية “نبع السلام”».

وتورد وزارة الدفاع التركية، بين الحين والآخر، أنباءً عن استهدافها لمجموعات وأفراد تابعين لـ”قسد”، في مناطق سيطرتها شرقي الفرات، أو شمالي مدينة حلب.

ويعود “االقاضي” للتأكيد أن «احد أهم أسباب هذه العمليات هو زيادة حوادث التفخيخ والتفجيرات في مناطق “نبع السلام”، لذا كان لا بد من تصعيد عسكري، لدفع قوات سوريا الديمقراطية للتوقف عن ارتكاب الخروقات الأمنية في مناطقنا».

 

الموقف الروسي والأميركي من هجمات تركيا

وحول الوجود الميداني المستقبلي لتركيا في شرق الفرات لا يبدو السياسي الكردي “جمال شيخ باقي” مقتنعاً  بأن الخارطة العسكرية في المنطقة ستتغيّر في وقت قريب، مؤكداً: «لا اعتقد أن روسيا وأميركا ستعطيان ضوءاً أخضر لتركيا، لفتح جبهة علنية جديدة في شمال وشرق سوريا».

إلا أنه لا يستبعد «وجود تواطؤ روسي مع تركيا، بهدف الضغط على الإدارة الذاتية».

وكانت قيادة قوات سوريا الديمقراطية قد اجتمعت مع الجانب الروسي، بعد يومين من التصعيد العسكري، في مدينة “عين عيسى” في محافظة الرقة،

وصرّح مصدر خاص من “قسد” لموقع «الحل نت» أن «روسيا طلبت من “قسد” السماح للحكومة السورية بإقامة مربع أمني في مدينتي الطبقة والرقة، مقابل وقف الهجمات التركية، ومنع أي تصعيد مستقبلي».

أما عن الموقف الأميركي فقد أرسلت الولايات المتحدة وفداً عسكرياً وسياسياً رفيع المستوى إلى شمال وشرق سوريا، بهدف التأكيد على استمرار شراكتها مع “قسد” في قتال تنظيم داعش. إلا أن الوفد لم يبد أية إشارات لإدانة التصعيد التركي الأخير.

«التحالف الدولي يعمل بصمت»، بهذه العبارة قيّم “درار” موقف التحالف الدولي من التصعيد التركي الأخير، وقال إن «دول التحالف وعلى رأسها أمريكا لا ترغب بتصعيد الوضع، الذي لن يخدم مصالح أي طرف».

إلا أن العقيد “واين ماروتو”، المتحدث باسم قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، قال، خلال لقائه بـ”آرام حنا”، المتحدث الرسمي باسم قوات سوريا الديمقراطية، إن التحالف «قلق حيال التصعيد التركي، واستخدام تركيا للطائرات المسيّرة»، مكرراً التأكيدات على «دعم “قسد” في قتال تنظيم داعش».

الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية يعلّق على كل هذا بالقول: «من الواضح عدم استعداد دول التحالف للدخول بمواجهة مع تركيا، في حال قيامها بأي عمل عسكري. والقيادة السياسية في شمال وشرق سوريا تعي هذا، وأهمية الحفاظ على التوازنات القائمة في المنطقة والعالم».

 

 كوباني تعود إلى الواجهة

وتتحدث آخر الأنباء الواردة حول هجمات تركيا في شرق الفرات، والمحاولات الدولية لنزع فتيل التوتر في المنطقة، عن اجتماع جمع مسؤولين أميركيين مع قادة من “قسد” في مدينة كوباني، التي انسحبت منه القوات الأمريكية قبل عامين.

ووفق المعلومات، التي نشرها “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن الاجتماع، فإن الجانب الأمريكي طلب من “قسد” «إبعاد قيادات حزب العمال الكردستاني عن سوريا»، مؤكداً أنه «لا نية لدى الجانب التركي بالقيام بأي عمل عسكري جديد في سوريا».

وتعهّد الجانب الأمريكي، الذي زار كوباني للمرة الأولى منذ عامين، بـ«تحسين الوضع العام في شمال وشرق سوريا، وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري والاقتصادي للمنطقة».

موقع «الحل نت» حاول التأكد من معلومات المرصد من قيادات قوات سوريا الديمقراطية، إلا أنه لم يتلق إجابات واضحة، تنفي حدوث الاجتماع أو تؤكده.

بكل الأحوال تمتلك مدينة كوباني رمزية كبيرة، وقد باتت اليوم مقراً للقوات الروسية، ولو صحّت المعلومات عن لقاء أميركي مع “قسد” فيها فربما يُشير هذا إلى نية القوات الأميركية بالعودة إلى بعض قواعدها في المنطقة، مثل “كصرين” و”خراب عيشك”، وسط المحاولات الروسية لتثبيت أقدام الحكومة السورية في مناطق شرق الفرات من جديد. فهل ستتمكن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية من الحفاظ على التوازن الهش في المنطقة، وسط هذه الخريطة السياسية والعسكرية شديدة التعقيد؟