فلتان أمني شرقي سوريا يدفع ثمنه أهالي المنطقة من أرواحهم وأرزاقهم

فلتان أمني شرقي سوريا يدفع ثمنه أهالي المنطقة من أرواحهم وأرزاقهم
الفلتان الأمني في شرقي سوريا

لا يزال الفلتان الأمني السمة الأبرز ضمن مناطق سيطرة الحكومة السورية، ولا سيما في محافظتي دير الزور والرقة اللتين تكثر فيهما عمليات السرقة والتعدي على أرزاق الأهالي إلى جانب عمليات الاغتيال التي تطال بعضهم أيضاً.

وتصر الجهات الفاعلة في المنطقة على تحميل مسؤولية هذه التجاوزات والانتهاكات لخلايا داعش، وأكدت مصادر مدنية لموقع (الحل نت) أن هناك عدة جهات تقوم بتلك العمليات وبخاصة المليشيات الإيرانية، وحزب الله اللبناني من جانب والقوات العسكرية الروسية من جانب آخر، وهدفهم خلط الأوراق في عموم المنطقة، في سبيل السيطرة وزيادة مناطق النفوذ بما يخدم مصالحهم الشخصية.

يقول “فراس الحسين” ناشط مدني من الرقة إن «كافة القوى المسيطرة  ضمن مناطق الحكومة السورية في كلا المحافظتين، تسهم في زيادة الفوضى وارتفاع معدل الاغتيالات والسرقات التي تطال المدنيين».

وعلى سبيل المثال، تسعى مليشيات الحرس الثوري الإيراني لإبقاء الوضع الأمني مشتعلاً، لإثبات أن الروس واتفاقات المصالحة والتسوية غير كافية لضمان أمن وسلامة المنطقة، إلا أن الروس يحاولون إثبات العكس وأنهم قادرون على ضبط أمن المناطق المتواجدين فيها، في الوقت الذي تتخذ فيه القوات التابعة للسلطات السورية دور الحياد،  ليكون الضحية المدنيين فقط، بحسب الحسين.

اغتيالات في وضح النهار

ويضيف الحسين في حديثه لموقع (الحل نت) أنه «لا يمر شهر تقريباً، إلّا ويستيقظ الأهالي  بريفي الرقة الشرقي والجنوبي على نبأ اغتيال أحدٍ ما مِن الأهالي العزل أو من  النازحين، ورغم أنّ عمليات الاغتيال لا تستثني أحداً، إلّا أنّ رعاة الأغنام هم الفئة الأكثر استهدافاً».

كان آخر هذه الاغتيالات، في الخامس من أيلول/ سبتمبر الحالي، حيث اغتيل راعٍ في بادية معدان جنوبي الرقة، عندما هاجمت مجموعة مسلحة مجهولة الهوية، أربعة رعاة وقتلت أحدهم وأصابت ثلاثة آخرين بجروح بليغة، كما أطلقوا الرصاص على الماشية وقتلوا نحو 25 رأس، وسرقة نحو 40 رأس آخر، قبل أن يلوذوا بالفرار.

تبع هذه الحادثة بأقل من 24 ساعة، هجوماً مسلحاً آخر بوضح النهار، نفذته مجموعة تابعة  لمليشيا النجباء العراقية، استهدفت به ثلاثة رعاة أيضاً في بادية السبخة، وطلبت منهم 15 رأس غنم مقابل السماح لهم بالرعي في المنطقة.

إلا أنهم رفضوا، لتقوم المجموعة بقتل كامل القطيع الذي يتجاوز 100 رأس غنم، رمياً بالرصاص، كما قاموا بعطب صهريج للماء وحرق جرار زراعي أيضاً مملوكة للرعاة.

وهرب الرعاة الثلاثة من عناصر الميلشيا، وتوجهوا إلى إحدى النقاط العسكرية القريبة التابعة للفرقة الرابعة، ليستنجدوا بهم إلا أن عناصر النقطة لم يبدوا أي اهتمام لهم أو تفاعل معهم، علماً أن أصوات إطلاق النار كانت تصلهم، وفقاً للمصدر ذاته.

ابتزاز مقابل تحصيل الأموال

تمتد مأساة الرعاة لتصل إلى الابتزاز من كافة القوى المتواجدة بدأ من خلايا داعش وصولاً إلى مليشيات إيران، حيث اعتقلت دورية تابعة للحرس الثوري الإيراني، في السابع من أيلول الحالي، أربعة رعاة من منازلهم بأطراف مدينة “معدان”، بحجة منحهم عناصر التنظيم رؤوس أغنام تحت مسمى الزكاة، وتزويدهم بالمعلومات فيما يخص مقرات “الحرس الثوري” وبقية المليشيات الإيرانية التابعة له في المنطقة.

وتبتز المليشيات الإيرانية الرعاة وبعض المزارعين ممن تكون حقولهم بعيدة عن المدينة، بهذه الأساليب لتحصيل المال منهم، وسبقها حادثة مشابهة عندما قامت دورية مشتركة  لمليشيا “النجباء العراقية” و”فاطميون” الأفغانية أواخر أغسطس/آب الفائت، باعتقال سبعة رعاة أغنام بمنطقة الزملة، بتهمة تحديد مواقع عسكرية لأطراف سمتها بالمعادية، حيث عرضت على ذويهم مبالغ مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحهم وعدم تحويلهم إلى الجهات الأمنية، وفق مصادر محلية لموقع (الحل نت).

“عمر الخليف” من سكان بلدة السبخة تحدث لموقع (الحل نت) قائلاً إن «ما يتعرض له رعاة الأغنام من تجاوزات مستمرة من مليشيات إيرانية أو مجموعات مجهولة أو خلايا #داعش، دفعه إلى بيع ماشيته، والتي تعد مصدر رزقه الوحيد، خشية أن يلاقي مصيراً مشابهاً لمن قُتل أو سُرق بدون أي تدخل من القوى الأمنية في المنطقة».

وأشار إلى أن «بادية معدان والزملة والسبخة، تشهد تكراراً للاغتيالات التي تطال رعاة الأغنام، على الرغم من الانتشار الكبير لمليشيات فاطميون والنجباء العراقية والحرس الثوري الإيراني، إضافةً إلى وجود مقرات وحواجز تابعة للحرس الجمهوري والفرقة الرابعة والمليشيات المحلية التابعة لهم أيضاً، حيث تسجل العمليات كل مرة ضد مجهولين دون أن تتبنى أي جهة العلمية».

وفي كل مرّة تشهد فيها المناطق المذكورة أعلاه عمليات سرقة واغتيال تطال رعاة الأغنام او مزارعين حتى، يبدي الأهالي استغرابهم مِن تنفيذ تلك العمليات التي أصبح بعضها يُرتكب جهاراً نهاراً، متسائلين عن مئات العناصر سواء من المليشيات الإيرانية أو من القوات الحكومية والمليشيات المحلية التابعة لها، وهذا الاستغراب يفتح باب التساؤل لديهم أيضاً، من هو المستفيد من وراء عمليات الاغتيال إذاً؟.

“سرحان الخطيب” مهندس زراعي من معدان، مقيم في تركيا أكد لموقع (الحل نت) أن «مناطق ريف الرقة الشرقي والجنوبي لها تركيبة عسكرية خاصة على الأرض، حيث تتداخل فيها الأطراف المسيطرة».

ورجِّح الخطيب «وقوف المليشيات الإيرانية وراء عمليات التصفية المتكررة التي تطال رعاة الأغنام في المنطقة، لأن من الصعب على خلايا داعش الوصول إليها».

وفي مقابل ذلك، كانت هناك رواية أخرى لمصادر محلية أخرى من المنطقة، اتهم بعضها خلايا التنظيم بتصفية الرعاة بتهمة العمالة مع القوات الحكومية والميليشيات الإيرانية، وهي ذات الرواية التي يصدرها الإعلام الرسمي التابع للحكومة بوقوف خلايا داعش وراءها.

من “معدان” في ريف الرقة الجنوبي إلى “عياش” في ريف ديرالزور الغربي، تكررت حوادث قتل الرعاة أيضاً، وأمام تعدد الروايات والتفسيرات، تبقى المساحات الشاسعة التي يجوبها هؤلاء مسرحاً مفتوحاً لاصطيادهم دون رقابة أو محاسبة للجناة.

ففي كانون الثاني/يناير 2020 قتل سبعة رعاة أغنام من قرية عياش عن طريق تصفيتهم بعملية إعدام جماعي رمياً بالرصاص، على أيدي ميليشيات إيرانية في المنطقة، بحسب ما ذكرته شبكة (دير الزور24) التي تهتم بنقل أخبار المنطقة الشرقية.

ونقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن مصادر وصفها بالموثوقة عن عملية اختطاف راعٍ  ومزارعين من أطراف قرية المسرب غربي دير الزور في حزيران/يونيو الفائت، حيث تم العثور على جثثهم ملقية في البادية وعليها آثار تنكيل بعد أربعة أيام من عملية اختطافهم.

وتطرقت وسائل الإعلام الرسمية للحادثة، لتتهم وكالة (سانا) من أسمتها بـ “المجموعات الإرهابية” بالوقوف وراء عملية التصفية، دون أن تذكر بالاسم الجهة المنفذة بعينها، وفي مقابل ذلك، كانت هناك رواية أخرى لمصادر محلية، اتهموا فيها ميليشا فاطميون بالحادثة لأن المكان يخضع لسيطرتهم بشكل كامل.

مَن المسؤول عن الخلل الأمني؟

مِن جانبهم، يُحمّل أهالي المنطقة  على العموم مسؤولية هذه الجرائم على السلطات السورية، والتي تتخذ موقف الحياد وعدم اتخاذ أي شكل من أشكال العمل للحد من هذه الجرائم وكشف الجهات التي تقف ورائها، لتترك الساحة لميليشيات إيران وبقية القوى الأخرى على تداول السلطة فيما بينهم بعيداً عن حماية المواطن في ظل الخلل الأمني الذي بات يعتري المنطقة، وفقاً للمحامي “بدر العيسى” من ريف ديرالزور الغربي.

وأَضاف لموقع (الحل نت) أن «نشاط الجهات الحكومية يقتصر عملها على توثيق عمليات القتل والاغتيال وتقييدها ضد مجهول، والإعلان عنها عبر مواقعها الإلكترونية وإذاعاتها الرسمية فقط».

ووثق ناشطون من المنطقة الشرقية منذ مطلع 2020 وحتى حزيران/يونيو 2021 مقتل أكثر من 250 مدنياً في البوادي السورية في أرياف دير الزور الشرقية والغربية، وفي أرياف الرقة والعدد قابل للزيادة لوجود أشخاص لا يزالوا مفقودين إلى الآن، ولم يتم العثور عليهم أو على جثث لهم.