التعليم العالي بإدلب وحلب: لماذا تطرد الجامعات “الحرة” طلابها الفقراء؟

التعليم العالي بإدلب وحلب: لماذا تطرد الجامعات “الحرة” طلابها الفقراء؟
أستمع للمادة

يعاني التعليم العالي بإدلب وحلب كثيراً من المشاكل. ومنها عدم توفّر الأساتذة الجامعيين والمعدات التعليمية. فضلاً عن مسألة الاعتراف بالشهادات، التي تمنحها الجامعات “الحرة”، التابعة للمعارضة السورية. إلا أن مسألة أخرى تثير أيضاً قلق الطلاب في تلك المناطق. وهي مسألة تكاليف التعليم العالي، الذي لم يعد من الممكن اعتباره مجانياً.

بعد توقفه لمدة سنة عن الدراسة في جامعة إدلب، التي تديرها المعارضة السورية، وجد “محمد” نفسه مضطراً لدفع مبالغ كبيرة، لا تتناسب مع  مدخوله المادي، ليواصل دراسته في الجامعة نفسها. على الرغم من أن مسألة دفع القسط السنوي للجامعة كانت السبب الرئيسي في توقفه عن الدراسة فيها بالعام الماضي.

ومثل العشرات من زملائه، الذين يتلقون التعليم العالي بإدلب وحلب، في الجامعات المفتتحة في مناطق المعارضة، يبدو محمد قلقاً من فكرة التوقف عن متابعة التحصيل العلمي الجامعي، بسبب ضائقته المالية. مع غياب مؤشرات التدخّل الإيجابي من جهة إدارات الجامعات. لتخفيض الأقساط السنوية. وإلغاء غيرها من الرسوم الكثيرة جداً، التي تُفرض على معظم التحركات الإدارية للطالب في الجامعة. والتي جعلت فكرة التعليم الجامعي المجاني أقرب إلى المستحيل.

أقساط باهظة لمواصلة التعليم العالي بإدلب وحلب

أمام زملائه المنهمكين في الإجابة عن الأسئلة في الامتحان تعرّض “حسن”، الطالب في كلية الآداب بجامعة إدلب، لموقف مخجل، بحسب ما يؤكد لـ«الحل نت». فقد كان المشرف على قاعة الامتحانات يتجوّل بين المقاعد، للتثبّت من وجود الكشف المالي الخاص بالقسط الجامعي أمام كل طالب. يقول “حسن” إنه «كان متعسّراً عن سداد القسط. وقد قرأ عن قرار الجامعة بطرد الطلاب، الذين لم يسددوا قسطهم الجامعي، من قاعة الامتحان. لكنه لم يكن متوقعاً التطبيق الفعلي لهذا القرار».

ويضيف: «كنا نعتقد أنه مجرد عملية تحفيز للطلاب على دفع المال. لكن تم طردي، وطلاب عديدين، من قاعة الامتحان بشكل مهين للغاية».

تتراوح أقساط التعليم العالي بإدلب وحلب، في جامعتيهما “الحرة”، بين مئة وخمسين وأربعمئة دولار للطالب المستجد. فيما يدفع الطالب في التعليم الموازي ضعف المبلغ تقريباً.  

يشير طلاب من “جامعة إدلب الحرة” لـ«الحل نت» إلى أن «هذه المبالغ لا تعدّ كبيرةً، مقارنة بأكلاف الجامعات خارج سوريا. لكنها تغدو باهظةً جداً في حال تمت مقارنتها بحجم دخل الفرد في المنطقة، والذي لا يتجاوز خمسين دولاراً في الشهر. وبالتالي يحتاج الطالب المستجد لرواتب ثلاثة أو أربعة أشهر عمل على الأقل لتأمين القسط. فيما يحتاج الطالب الموازي إلى ضعفها تقريباً».

الرسوم تزيد المعاناة فوق عناء الأقساط

تختلف آلية دفع أقساط التعليم العالي بإدلب وحلب. فجامعة إدلب الحرة تشترط دفع القسط السنوي خلال الفصل الأول. بينما يمكن للطالب في جامعة حلب الحرة دفعه على مرحلتين.

إضافة لهذا يشتكي الطلاب من الرسوم المالية الأخرى، التي يتحتّم عليهم دفعها عن أي تحرك في إطار الجامعة. إذ يتوجّب على الطالب، الذي يرغب بالتسجيل في جامعة إدلب الحرة، دفع مبلغ خمسة دولارات، رسم تسجيل أولي. وفي حال قرر إيقاف تسجيله عليه دفع مبلغ عشرين دولاراً عن كل فصل. مع الإشارة إلى أن الطالب الموازي يدفع في التسجيل الأولي أربعين دولاراً عن كل فصل.

وفي حال قرر الطالب في جامعة حلب الحرة التسجيل في الدورة الاستثنائية، التي يُعلن عنها عادة بعد انتهاء الفصل الثاني، يتوجب عليه دفع مبلغ عشرة دولارات عن كل مقرر جامعي. لكن يحقّ للطالب أن يقدم أربع مواد مجاناً. بينما تتقاضى جامعة إدلب الحرة من المسجلين في الفصل الثالث، وهو فصل بديل عن الدورة الاستثنائية، مبلغ عشرة دولارات عن كل مقرر.

قوانين الجامعات “الحرة” تظلم ضحايا الحكومة السورية

تقضي قوانين التعليم العالي بإدلب وحلب بالتفريق بين حاملي شهادات الثانوية العامة القديمة، ونظرائهم المستجدين، أي الحاصلين على شهادات حديثة. معتبرة حاملي الشهادة القديمة طلاب تعليم موازٍ. وتجبرهم على دفع ضعف ما يدفعه الطالب المستجد، سواء فيما يتعلّق بالقسط السنوي أو الفصلي. أو الرسوم الأخرى.

على سبيل المثال يدفع “ممدوح”، أحد طلاب كلية الآداب بجامعة حلب الحرة، مبلغ مئتين وخمسين دولاراً سنوياً، قسطاً جامعياً. عدا عن رسوم التسجيل والنقل وإيقاف التسجيل. وأجور الدورة الاستثنائية، في حال تم تقرير دورة من هذا النوع عند نهاية السنة الدراسية.

يقول ممدوح لـ«الحل نت» إن «الطلاب المستجدين في الكلية نفسها يدفعون مبلغ مئة وخمسين دولاراً فقط قسطاً سنوياً. فيما يتم تخفيض كافة الرسوم الأخرى إلى النصف أيضاً». شاكياً من أن «هذا القانون غير منصف. فمعظم الطلاب، الذين تعدّهم الجامعة طلاب تعليم موازٍ، من الشبان الذين وقعوا ضحية الحصار في مناطق سيطرة المعارضة سابقاً. فاضطروا للتوقف عن الدراسة. لقد ظلمهم الحصار، وتظلمهم الجامعة بمضاعفة الأقساط والرسوم».

المنح الدراسية لا تحل مشكلة التعليم العالي بإدلب وحلب

وعلى الرغم من أن المبادرات، التي تقدمها منظمات إنسانية، مثل فريق “ملهم التطوعي”، أو جهات تابعة للسلطات الحاكمة في إدلب، مثل “الهيئة العامة للزكاة”، قد ساهمت في تخفيض عدد الطلاب المتعسرين، إلا أنها لم تستطع إيجاد حل جذري لأزمة التعليم العالي بإدلب وحلب من الناحية المالية.

فمن خلال التبرعات التي تصل إلى “فريق ملهم التطوعي” لكفالة الطلاب الجامعيين. وكذلك ما تخصصه هيئة الزكاة، التابعة لهيئة تحرير الشام، من مبالغ مالية تجبيها من المزارعين في إدلب. فضلاً عن برنامج كفالة الطلاب، الذي أطلقته منظمة “بنفسج” في ريف حلب. يحصل مئات الطلاب سنوياً على منح مالية، تخوّلهم متابعة التعليم في الجامعات. لكنّ مئات الطلاب الآخرين لا تصلهم تلك المنح.

 بعض الطلاب ينتقدون بشكل خاص أداء هيئة الزكاة التابعة لهيئة تحرير الشام. على اعتبار أنها تركّز أساساً على دعم مؤيدي الهيئة والعاملين معها من الطلاب، لاسيما طلاب كلية الشريعة، المشمولين ببرامج منحها بالمقام الأول. ولا يتم دعم بقية الطلاب إلا إذا كان هنالك فائض مالي لدى المؤسسة.

ما رأي جامعة حلب الحرة في مسألة مجانية التعليم؟

يجادل مسؤولو التعليم العالي بإدلب وحلب أن فكرة مجانية التعليم صعبة التطبيق حالياً. نظراً لظروف دعم المؤسسات التعليمية، التي تعتمد التمويل الذاتي أساساً. في حين يبقى التمويل الدولي أو الإقليمي هامشياً. ما قد يعزز فكرة استمرار التعليم العالي المدفوع خلال السنوات القادمة.

 “د. ضياء الدين القالش”، نائب رئيس جامعة حلب الحرة للشؤون الإدارية، يقول إن «تطبيق مجانية التعليم الجامعي صعبة في هذه الظروف. إلا أن الفكرة مطروحة، والجامعة تبحث عن طرق لتحقيقها».

وحول شكايات طلاب التعليم العالي بإدلب وحلب من الأقساط التي تتقاضاها الجامعات، يعلق “القالش”، في تصريحاته لـ«الحل نت»، بالقول: «الجامعة تسعى دائماً إلى خير طلابها. وتحاول إيجاد حلول لذلك، وفق الظروف المتاحة. وإلى الآن مازلت تعتمد على الرسوم لتغطية نسبة كبيرة من المصاريف التشغيلية. ولا شك أنها إذا استطاعت تأمين مصادر مالية أخرى فسيكون الاعتماد على الرسوم أقل بكثير».

مقالات قد تهمك: الطلاب السوريون في تركيا: هل توجد خيارات سوى التسرّب من المدارس؟

يُذكر أن جامعة حلب الحرة وقعت سابقاً اتفاقيات عديدة مع مؤسسات تعليمية خارج سوريا. ما سينعكس على عمل الجامعة أكاديمياً ومالياً، وعلى مستوى الاعتراف الدولي بالشهادات.

وحول هذا الموضوع يؤكد “القالش” أن «تلك الاتفاقيات سيكون لها أثر مهم في تطوير جامعة حلب الحرة، وكذلك التعليم العالي بإدلب وحلب عموماً. وهي خطوة أولى نحو الاعتراف الأكاديمي العالمي بالجامعة. وتعمل جامعة حلب الحرة على التوصّل لاتفاقيات جديدة في هذا الإطار».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات