ظاهرة الانتحار بالعراق: هل لدى الدولة والمجتمع والدين إجابة عن سبب رغبة الشباب بالموت؟

ظاهرة الانتحار بالعراق: هل لدى الدولة والمجتمع والدين إجابة عن سبب رغبة الشباب بالموت؟
أستمع للمادة

تصاعدت ظاهرة الانتحار في العراق. فقد أعلنت وزارة الداخلية العراقية، تسجيل 772 حالة وهو عدد حالات الانتحار في العراق خلال سنة 2021. معظمها تعود لشباب تقلّ أعمارهم عن ثلاثين سنة. 55,9% منهم ذكور. عازية الأمر إلى الاضطرابات النفسية، والتفكك والعنف الأسريين، فضلاً عن عوامل اقتصادية.

بينما يُرجِع باحثون ومتخصصون أسباب تصاعد أرقام ظاهرة الانتحار في العراق، والتي تعد الأعلى في تاريخ البلاد، إلى تداعيات تدهور الأمن منذ عام 2003، وما نجم عنه من ضعف في أداء أجهزة الدولة، ورواج المخدرات. وتراجع أدوار المؤسسة التعليمية، وفقدان الثقة بالمؤسسة الدينية. محذرين من خروج الأمر عن السيطرة. ولاسيما أن الزيادات في الأرقام مستمرة منذ 2016. وهي السنة التي خاضت فيها القوات العراقية، مدعومة بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، حرباً شاملة لطرد تنظيم داعش، وإنهاء سيطرته على ثلثي مساحة البلاد.

أرقام مفزعة لظاهرة الانتحار في العراق

وزير الداخلية الأسبق “باقر جبر الزبيدي“  قال إن «الفقر هو العامل الأبرز وراء تقدّم ظاهرة الانتحار في العراق. مع معدل بطالة وصل إلى 27%».

ويتتبع “الزبيدي” معدلات الانتحار في البلاد. مشيراً إلى أنها «كانت 393 حالة في سنة 2016، وبلغت في العام الذي تلاه 462 حالة. ومن ثم في 2018 أصبحت 530 حالة. وبعدها في 2019 تم تسجيل 605 حالة. أي بمعدل زيادة سنوية تبلغ 100 حالة تقريباً».

وتتباين طرق الانتحار، بحسب مصدر في وزارة الداخلية العراقية، من منطقة إلى أخرى في العراق. ففي حين أن كثيراً من الحالات المسجّلة بإقليم كردستان تتم بحرق النفس. فإن معظم حالات الانتحار في المدن، التي يمر بها نهرا دجلة والفرات، تكون بإغراق النفس. ويضاف إلى ذلك شيوع الانتحار بالشنق والعيارات النارية في محافظات ذي قار وبغداد على سبيل المثال. وفي معظم الحالات يكون المنتحرون من الشباب، ذكوراً وإناثاً.

وبيّنت إحصائيات وزارة الداخلية العراقية لسنة 2021 أن 40% من المنتحرين متزوجون. و81,01% منهم يتراوح تحصيلهم الدراسي بين الأمية الكاملة والدراسة المتوسطة. وأن 36.22% عانوا من اضطرابات نفسية. و22,5% كان الفقر والبطالة وراء إقدامهم على الانتحار, و5,5% فقط بسبب الفشل الدراسي.  

عدد حالات الانتحار غير المسجلة في العراق أكبر

ويرى “د.وعد الأمير“، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الموصل، أن «تقدّم ظاهرة الانتحار في العراق، وتزايد عدد حالات الانتحار المسجّلة، مؤشر خطير. ينبغي علي مؤسسات الدولة المعنية التعامل معه بجدية. للوقوف على أسبابه، وتداركها».

لكنه يعتقد أن حالات الانتحار غير المسجلة أكبر بكثير مما ورد في الإحصائيات المعلنة. موضحاً، في حديثه لـ «الحل نت»، أن «هنالك عرفاً سائداً في مختلف مناطق العراق، بسبب الطبيعة القبلية فيه، وهو تكتّم العائلات على سبب الموت فيما لو كان انتحاراً. خصوصاً إذا كانت المنتحرة امرأة. لأن ذلك يجلب العار لأهلها».

ويربط “الأمير“ أسباب تنامي ظاهرة الانتحار في العراق، وغيرها مما وصفها بالظواهر السلبية في المجتمع العراقي، بـ«توالي الأزمات في البلاد. مقابل فشل مؤسساتي، وتراجع أدوار المؤسستين التربوية والدينية».

وتابع: «المشكلة الأكبر تكمن في تراجع دور الأسرة. فنحن نعاني في العراق انفصاماً اجتماعياً كبيراً. يتبدّى في العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة. إذ أن هنالك فجوة واسعة تحدث بين الآباء والأبناء، مما يولد ضغطاً على الشباب، الذن يشكلون الحلقة الأضعف في المجتمع. لذا نجد بأن الغالبية العظمى من المنتحرين هم من الشباب تحت سن ثلاثين سنة».

«لا توجد ظاهرة انتحار في العراق»

 الباحث “عاهد صلاح“ ينفي، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «تكون ظاهرة الانتحار في العراق من الظواهر الجديدة. لكن ما حدث أن الدولة بدأت تعلن عن إحصائياتٍ بشأنها. بغض النظر صحيحة كانت أم لا».

وقال إن «النظام العراقي السابق كان يخفي المعلومات بشأن المنتحرين. ولم يكن يُدوّن الانتحار في شهادة الوفاة. بل يدوّن سبباً آخر. لكي يظهر المجتمع العراقي بشكل مثالي. مما يوحي أن النظام القائم يؤدي واجباته كما ينبغي».

 لكن الحقيقة، بحسب “صلاح”، أنه «كانت هنالك حرب مع إيران، امتدت لثماني سنوات. وحصار اقتصادي خانق، استمر لأكثر من اثنتي عشرة سنة، بدأ في 1991 وانتهى في 2003. أي أنه كان هناك كم هائل من الضغوطات النفسية. لذا فقد كان الناس ينتحرون، وبأعداد ربما كانت أكثر بكثير من الوقت الراهن».

ولا يرى “صلاح“ أن «هنالك ظاهرة انتحار في العراق، بل مجرد حالات، تتوافق مع عدد السكان في البلاد، والذي زاد عن واحد وأربعين مليون نسمة».

العراقيون لا يثقون بالأطباء النفسيين

منظمة الصحة العالمية نبّهت في وقت سابق إلى العامل النفسي، وعلاقته بارتفاع معدلات ظاهرة الانتحار في العراق. وأشارت إلى أن هنالك «واحداً من بين كل أربعة عراقيين يعاني من مشكلة نفسية، ويوجد ثلاثة أطباء نفسيين لكل مليون مواطن. وهي من النسب المتدنية على المستوى العالمي».

«العراقي يفضّل الذهاب إلى رجل دين أو عرّاف لمعالجة مشكلة نفسية يعاني منها. بدلاً من مراجعة طبيب نفسي». هذا ما يقوله لـ«الحل نت» طبيب الصحة النفسية “علي غالب محفوظ“.

مشيراً إلى أن «الثقافة السائدة في المجتمع تجعل الناس يتجنّبون عيادات الطب النفسي. واتهام من يراجعها بالجنون. في حين أن الغالبية مستعدة لمراجعة الدجالين والمشعوذين، الذين يقنعون المرضى أنه تم تلبّسهم، أو وقعوا ضحايا السحر وما شابه».

وإضافة إلى المسببات التي يتكرر ذكرها لزيادة ظاهرة الانتحار في العراق، مثل الفقر ودور وسائل التواصل الاجتماعي وسواها، يورد “محفوظ” سبباً إضافياً. وهو «انحسار سطوة رجال الدين في المجتمع العراقي. بعد ظهور الجماعات الدينية المسلّحة. وما نجم عن الاقتتال بينها وبين القوات الأمنية من دمار».

وأستدرك بالقول: «رد فعل كثير من الشباب كان العزوف عن تقبّل ما يرد على ألسنة رجال الدين. لذا لم تعد تعيق المقدمين على الانتحار فكرة العقاب في الحياة الأخرى».

مقالات قد تهمك: في ديالى العراقية.. ضحايا الانتحار أكثر ممن يسقطون برصاص “الإرهاب”

ويرى الطبيب النفسي العراقي أنه «آن الأوان لكي تلعب المؤسسة التعليمية دورها. وتركّز على تثقيف الجيل الحالي. بدءاً من المرحلة الابتدائية وصولاً الى المراحل التعليمية العليا. لجعله أكثر وعياً بضرورة تلقي العلاج للمشاكل النفسية. والتعامل معها مثل أي مرض أو عارض صحي آخر. وسيكون لهذا دور كبير في مواجهة ازدياد ظاهرة الانتحار في العراق».

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات