الحواجز الأمنية في دمشق: هل ستقوم الحكومة السورية بإزالة حواجزها بعد “النصر”؟

الحواجز الأمنية في دمشق: هل ستقوم الحكومة السورية بإزالة حواجزها بعد “النصر”؟
أستمع للمادة

صارت الحواجز الأمنية في دمشق، وسوريا عموماً، جانباً من الحياة اليومية للسوريين، لتحدد طريقة ووجهات تنقّلهم. ومصائر كثيرين منهم. كما شكّلت ضغطاً موازياً للضغوط الاقتصادية والمعيشية. وسببًا موجباً للرحيل من بلد، لا يأمن فيه الناس أبسط تحركاتهم.

وزرعت القوات النظامية والأفرع الأمنية عدداً من الحواجز الأمنية في دمشق، يزيد وينقص حسب الأوضاع الأمنية لكل منطقة. ووفق قربها أو بعدها عن المراكز الأمنية. لتمتلئ العاصمة دمشق، منذ العام الأول للاحتجاجات السورية، بمئات الدشم الإسمنتية. المغطاة بالأعلام، وصور الرئيس السوري بشار الأسد. يتولّى إدارتها عناصر مسلحون، يقومون بمهام مختلفة، بحسب الفرع الذي يتبعون له.

ومع تراجع العمليات العسكرية في محيط العاصمة. وسيطرة القوات النظامية على مناطق انتشار فصائل المعارضة قرب دمشق. بدأت عملية إزالة الحواجز الأمنية، الأساسية والفرعية، على نطاق واسع. شمل مناطق تابعة لريف دمشق إدارياً.

بعض السوريين أدرجوا عملية إزالة الحواجز الأمنية في دمشق تحت خانة الدعاية الإعلامية، التي تنظّمها الحكومة السورية للترويج لانتصارها. فيما عزاها آخرون إلى الضغط الشعبي، بهدف تخفيف الأزمات المرورية وتسهيل الحركة. واعتبر البعض أن دولاً داعمة لحكومة دمشق أرادت صورة أكثر حضارية للعاصمة. فدفعت باتجاه  تنظيفها من الحواجز الأمنية.

ووسط تباين وجهات النظر ما تزال الحواجز الأكثر قوة وتأثيراً تمارس مهامها اليومية في دمشق. بوصفها شاهداً على استمرار قوة القبضة الأمنية للحكومة السورية وأجهزتها المسلّحة.

دمج وتجميع الحواجز الامنية في دمشق

عملت الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة السورية مؤخراً على جمع معظم الحواجز الأمنية في دمشق. ودمجها مع حواجز أخرى. لتشكّل في النهاية حواجز ضخمة. منتشرة على محيط ومداخل العاصمة.

فعلى مدخل دمشق الجنوبي، من جهة مدينة درعا، يقع حاجز “السنتر”. نسبة الى مركز “تاون سنتر” للتسوّق، التي يواجه الحاجز تماماً. ويسيطر على الحاجز فرع الأمن العسكري 227، وإدارة المخابرات العامة، وأمن الدولة 251. بواقع  مئة وخمسة وعشرين عسكرياً. من مجندين وضباط وصف ضباط.  

أما في مدخل دمشق الجنوبي الشرقي، على أوتوستراد “نجها”، الواصل إلى السويداء، يوجد حاجز “نجها”، الذي يسيطر عليه فرع المخابرات الجوية وفرع فلسطين. بواقع سبعين عنصراً.

وفي مدخل دمشق الغربي، على أوتوستراد القنيطرة-السومرية، يقع حاجز “السومرية”. ويشترك بالسيطرة عليه فرع المخابرات الجوية وفرع الأمن العسكري 215، بواقع مئة عنصر.

اما على مدخل دمشق الشمالي فيوجد حاجز “جسر بغداد”، والذي يسيطر عليه فرع المخابرات الجوية، بواقع خمسين عسكرياً تقريباً .

ومن الجهة الشرقية، على أوتوستراد دمشق-بيروت، يوجد حاجز “يعفور”، الذي يسيطر عليه مكتب أمن الفرقة الرابعة، بواقع أربعين عنصراً.

ابتزاز الفعاليات الاقتصادية

وعلى عكس ما تروّج له الحكومة السورية، فقد شكّلت الحواجز الأمنية في دمشق عبئاً جديداً على الفعاليات الاقتصادية والصناعية. ويكاد توزيع الحواجز الأمنية أن يكون منظماً وممنهجاً، للسيطرة على تلك الفعاليات، وتحصيل المكاسب منها.

فعلى سبيل المثال يفرض حاجز “السنتر”، الذي يقع على أوتوستراد درعا-دمشق، إتاوات على أصحاب المصانع في منطقة الكسوة بريف دمشق الغربي، مقابل تسهيل عمليات نقلهم لمنتجاتهم، وحركة زبائنهم. إضافة إلى فرض إتاوات مشابهة على المزارعين القادمين بحمولتهم من درعا وريفها. بينما يكمل حاجز “نجها” عملية فرض الإتاوات على ما تبقى من السيارات القادمة عن طريق السويداء .

الأمر لم يعد خفياً، لدرجة أن بعضاً من مسؤولي الحكومة السورية صرّحوا بذلك علناً. مثل “فارس الشهابي”، رئيس غرفة صناعة حلب، في تصريحاته  للإعلامية الموالية “ربى الحجلي”. ما أدى إلى إقالتها من عملها في قناة “الإخبارية” السورية، وإعادتها إليه لاحقاً. بسبب تسرّب سبب الإقالة الى العلن.

وكان “الشهابي” قد قال، في المقابلة المتلفزة مع “الحجلي”، إن «هناك كثيراً من الإتاوات، تُفرَض على الصناعيين عبر الحواجز». وعندما وسألته المذيعة عن الجهة التي تتبع لها تلك الحواجز. أكد أنه «لا يعرف. ولكن الصناعيين اشتكوا إلى اللجنة الأمنية والمحافظة وجهات أخرى دون جدوى».

وأوضح أن «عناصر تلك الحواجز الأمنية يقومون بإيقاف الصناعي على باب المدينة الصناعية. ويسألونه عمّا بحوزته. ويطلبون منه إتاوات من بضائع وغيرها. دون أية إيصالات أو إشعارات». واصفاً عناصر الحواجز بـ«اللصوص».

ونظراً للمكاسب الكبيرة التي تحصّلها الحواجز الأمنية في دمشق من الإتاوات والرشى باتت السيطرة عليها مثار اختلاف وتعارك بين الجهات الأمنية المختلفة. مثلما حدث على حاجز “الدولاب”، في منطقة الكسوة الصناعية، بين “زهير الأسد” قائد الفرقة الأولى آنذاك. وفرع المخابرات الجوية بقيادة “جميل حسن “، الذي كان يسيطر على ذاك الحاجز. الأمر الذي أدى الى تدخّل بشار الأسد شخصياً. وإزالة الحاجز نهائياً. إرضاءً للطرفين.

حواجز قمعية وليس أمنية

وبعيداً عن الصراع على الحواجز الأمنية في دمشق بين جهات متعددة تابعة للحكومة السورية، لماذا تروّج السلطات السورية لإزالة الحواجز؟ وهل تتعرّض لضغوط من حلفائها بهذا الصدد؟

العقيد “ابراهيم بكار”، الضابط المنشق عن القوات النظامية أوائل العام 2012، يستبعد أن «تكون هناك ضغوط دولية على الحكومة السورية لإزالة الحواجز». ويعتبر أن «الأمر يمكن تصنيفه ضمن خطوات تقوم بها حكومة دمشق لتلميع صورتها أمام السوريين من جهة، والمجتمع الدولي بشكل عام من جهة أخرى».

“بكار” يقول، في حديثه لـ«الحل نت»، إن «التلميع ضروري بعد الانتهاكات والإساءات، التي تمت على الحواجز الأمنية في السنوات الماضية. خاصة تجاه النساء والشباب». معتبراً أن «تلك الحواجز قمعية لتخويف الناس وإرهابهم، أكثر من كونها حواجز أمنية. ولذلك يمكن رفعها وإعادتها. حسب ضرورات الهيمنة على المواطنين».  

الحواجز الأمنية في دمشق لن تزول

وبحسب “بكار”، الذي كان يشغل منصب عقيد في الفرقة الرابعة عشرة- دبابات، فإن «الإعلام الموالي يركّز على عملية إزالة الحواجز الأمنية في دمشق. دون الخوض في تفاصيل عمل الحواجز التي أزيلت، والمناطق التي تغطيها. فالحواجز التي أزيلت ليست مهمة على المستوى الأمني والعسكري. قياسًا بأخرى، ما تزال حتى اليوم على مداخل العاصمة، وعلى الطرقات الرئيسية».

ويتابع حديثه بالقول: «قامت الحكومة السورية بإزالة الحواجز المنتشرة في الشوارع والحارات الفرعية، وخاصة القريبة من ساحة العباسيين. ومن بينها حواجز ساحة التحرير. إضافة إلى الحواجز المنتشرة في حارات دمشق القديمة. والتي تركز عملها على التدقيق الأمني على الشباب. من خلال عملية “التفييش”، المتعارف عليها محلياً».

ويرى العقيد المنشق أن «الحكومة السورية قادرة على الاستغناء عن جميع الحواجز الأمنية في دمشق. فالعمليات العسكرية توقفت، وفصائل المعارضة لم تعد تجهّز لأي عمل عسكري. وهي في حالة استكانة للدول الداعمة. ولا تشكّل أي تهديد أو خطورة على دمشق في الوقت الحالي». مفسراً بقاء الحواجز الأمنية بأن «سوريا أصبحت محتلة بشكل كامل من الروس والإيرانيين. ولا يمكن أن يعود الأمن والاستقرار كما كان سابقاً. خلافًا لما تروّج له حكومة دمشق حالياً. ولذلك ستظل الحواجز. بوصفها دليلاً على سطوة وقمعية السلطات السورية، موجودة دائماً».

مقالات قد تهمك: التنقل في سوريا يحتاج ميزانية.. الحواجز الأمنية تفرض إتاواتها على الإعلاميين

وكانت دمشق أكبر تجمّع للحواجز الأمنية في البلاد. إذ فاق عددها ثلاثمئة حاجز. بدأ وضعها مع نهاية العام 2011. بعد تخوّف الحكومة السورية من خروج دمشق عن سيطرتها.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات