اغتيال عبد الله قرداش: هل كانت “تحرير الشام” وتركيا تجهلان وجود زعيم داعش في إدلب؟

اغتيال عبد الله قرداش: هل كانت “تحرير الشام” وتركيا تجهلان وجود زعيم داعش في إدلب؟
أستمع للمادة

أثار إعلان اغتيال عبد الله قرداش، زعيم تنظيم داعش، بالقرب من بلدة “أطمة” التابعة لمحافظة إدلب، بعملية نفذها فريق من الكوماندوس الأميركي، فجر الخميس الثالث من شباط/فبراير، كثيراً من التحليلات والآراء، حول أبعاد العملية وأهدافها.

الإعلان الصادر عن الرئيس الأميركي جو بايدن جاء ليتوّج سلسة من الاستهدافات، التي يجريها التحالف الدولي ضد الإرهاب، لعدد من القياديين المرتبطين بتنظيمي القاعدة وداعش. إذ أعلن الجيش الأميركي، في الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر المنصرم مقتل “عبد الحميد المطر”، القيادي البارز في تنظيم “القاعدة”، إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة. وفي سبتمبر/أيلول 2021 قُتل “سليم أبو أحمد”، القيادي في القاعدة، ومسؤول التمويل والتخطيط بالتنظيم في ريف إدلب. كما قتلت طائرة مسيّرة “أبا الحسن المهاجر”، الناطق باسم تنظيم داعش، قرب مدينة جرابلس بريف حلب عام 2019. وقبلها، في مايو/أيار 2017، قُتل “تركي البنعلي”، مفتي تنظيم داعش، في غارة للتحالف في منطقة الميادين في محافظة دير الزور. فضلاً عن عملية اغتيال أبي بكر البغدادي، الزعيم السابق للتنظيم، عام 2019.  

الملاحظ أن هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، تسيطر على معظم شمال غربي سوريا، الذي يشمل محافظة إدلب، وحزاماً محيطاً بها من الأراضي. وكانت جزءاً من تنظيم القاعدة حتى عام 2016. وتقع “أطمة”، التي حدثت فيها عملية الإنزال الأميركية، التي نتج عنها اغتيال عبد الله قرداش، في مناطق نفوذ الهيئة. كما أنها محاذية تماما للحدود التركية. ما يطرح أسئلة كثيرة عن قيام هيئة تحرير الشام باستضافة قادة داعش على أرضيها. ودورها في عملية الاغتيال. فضلاً عن موقف تركيا مما يدور في منطقة ملاصقة لحدودها.

من هو “خليفة” داعش المقتول؟

اغتيال عبدالله قرداش، الملقب بأبي إبراهيم القرشي، جعل كثيرين يعيدون البحث في تاريخ هذه الشخصية الغامضة. وبحسب المعلومات المتوفرة فإن قرداش من مواليد عام 1976، في بلدة “المحلبية” بمنطقة تلعفر، التابعة لمحافظة نينوى العراقية. وهو تركماني الأصل، وحائز على إجازة في الشريعة الإسلامية من كلية “الإمام الأعظم” في مدينة الموصل العراقية. اعتُقل في سجن “بوكا” بالبصرة، الذي ضم عدداً من الشخصيات القيادية في تنظيمي القاعدة وداعش، ومنها أبو بكر البغدادي وأبو محمد الجولاني. وشغل عدة مناصب في التنظيمات الجهادية. مثل الشرعي العام لتنظيم القاعدة بالعراق. وأمير ديوان الأمن العام لتنظيم داعش، بعد إعلانه في العام 2014. كما كان مسؤولاً عن ديوان التفخيخ والانتحاريين داخل التنظيم، ومقرّباً من قياداته، مثل البغدادي ومساعده “أبي العلاء العفري”. ويتصف بالتشدد في القضايا الشرعية، بحسب ما أورده “حامد الجبوري”، الرجل الثاني في تنظيم داعش، على قناة “العربية” السعودية.

فكيف اختفت شخصية بهذه الأهمية والنفوذ طوال الفترة الماضية في محافظة إدلب دون علم هيئة تحرير الشام والجانب التركي؟

دلالات اغتيال عبد الله قرداش في إدلب

«ينظر داعش لمنطقة إدلب باعتبارها منطقة آمنة لقيادات الصف الأول» بحسب “وائل علوان”، الباحث في “مركز جسور للدراسات”. مؤكداً، في حديثه لـ«الحل نت»، أن هذا «يفسّر نشاطه المحدود في هذه المنطقة. وحصر عملياته في مناطق البادية السورية، ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”».

فيما ينوّه “عبد الجبار عكيدي”، الكاتب الصحفي والمحلل العسكري، إلى «الكثافة السكانية الكبيرة في محافظة إدلب، ووجود عدد كبير من الوافدين إليها من مناطق متنوّعة في سوريا. ما يجعلها منطقة صالحة لتخفّي المطلوبين. لا سيما مع وجود حاضنة فصائلية كبيرة لداعش فيها. مثل تنظيمي حرّاس الدين وجند الأقصى. إضافة لشخصيات من هيئة تحرير الشام، لازالت تنظر لعناصر وقادة داعش على أنهم “أخوة المنهج”».

ويثير “العكيدي”، في إفادته لـ«الحل نت»، مجموعة من التساؤلات حول «اغتيال عبد الله قرداش في هذه المنطقة، وكيفية وصوله إليها. لاسيما وأن ساقه مبتورة. منذ استهدافه في محيط مدينة دير الزور السورية في العام 2019. كما أن وجهه معروف، إذ تم نشر صور له على القنوات الإعلامية، منذ بداية توليه قيادة التنظيم».

“وائل علون” يعتبر بدوره أنه «رغم كل التخفي والتمويه، الذي تمارسه قيادات الصف الأول لتنظيم داعش. إلا أن هناك ثغرات كثيرة تكشف هويتها. فإضافة للرصد والتتبع، منحت التحقيقات، التي تم إجراؤها مع عدد من شخصيات الصف الأول المقبوض عليها، معلومات وفيرة لتتبع قادة داعش».

ويتابع الباحث السوري بالقول: «سلّمت أنقرة لبغداد في العام الماضي “حامد الجبوري”، الرجل الثاني في تنظيم داعش. كما اعتقلت “قسد” قيادياً آخر للتنظيم في مدينة الرقة السورية، في شهر أيلول/سبتمبر من العام الفائت. إضافة لرصد اتصالات قياديين في التنظيم، موجودين في سجن غويران بالحسكة، مع قيادات في الخارج».

ولذلك يمكن القول، بناء على حديث “علوان”، إن اغتيال عبد الله قرداش ليس أمراً مستحيلاً أو مثيراً للاستغراب. والأكثر إثارة للدهشة بقاؤه كل تلك الفترة في إدلب دون علم هيئة تحرير الشام.

هيئة تحرير الشام سبق أن اعتقلت عبد الله قرداش

مصدر لموقع «الحل نت»، مقرّب من هيئة تحرير الشام، فضّل عدم كشف هويته لأسباب أمنية، أكد أن «الهيئة على علم بوجود زعيم داعش في مناطقها. وهي من قامت باعتقاله خلال عملية مداهمة، أجرتها إحدى مجموعاتها الأمنية في بلدة “باتبو” في ريف حلب الغربي، الذي كان خاضعاً لسيطرتها في العام 2020، بعد شهور من تولي قرداش قيادة التنظيم. وقامت الهيئة لاحقاً بنقله وسجنه، أو وضعه تحت الإقامة الجبرية، في مكان مجهول، يشرف عليه “أبو ماريا القحطاني”، الشرعي المعروف في الهيئة، وعضو مجلس الشورى الخاص بها. ولذلك من المستعبد ألا تكون على علم بحيثيات اغتيال عبد الله قرداش».  

وينوّه مصدرنا إلى أن «عملية اعتقال قرداش قد تم تسريبها لوسائل الإعلام. ونشرها موقع وكالة “ستيب” الإخبارية في آذار/مارس 2020».  

فيما يستبعد كل من “علوان” و”العكيدي” أي «علاقة لهيئة تحرير الشام بعملية اغتيال عبد الله قرداش، أو المعلومات المؤدية إليها». منوهين، في الوقت نفسه، إلى «التعاون والتنسيق الأمني بين الولايات المتحدة وكل من تركيا وروسيا. لتأمين دخول الطيران الأميركي إلى مناطق نفوذهما».

من قتل المدنيين الذين كانوا مع قرداش؟

أدى اغتيال عبد الله قرداش إلى مقتل عدد من الأطفال والنساء. دون معرفة الجهة المسؤولة عن هذا. فقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن زعيم داعش قام بتفجير نفسه قبل القبض عليه.

إلا أن “علوان” و”العكيدي” يتفقان على أن «قرداش لم يفجّر نفسه. وهو ما تثبته صورة جثته المصابة بطلق ناري في الرأس. مع إمكانية أن تكون إحدى نسائه هي من قامت بتفجير نفسها».

ويكشف “العكيدي” معلومات عن «تفجير تم في مكان اغتيال عبد الله قرداش. تبعته تفجيرات أصغر لأعيرة نارية. ترافقت مع ضربات قامت بها طائرة مسيرة. ما أدى لتدمير المكان بشكل جزئي».  

مقالات قد تهمك: بينهم “نصر الله” وَ”قرداش” وَ”القرضاوي”.. أخطر الشخصيات تطرّفاً حول العالَم

بكل الأحوال ما زالت تفاصيل عملية اغتيال عبد الله قرداش غامضة، وكذلك الجهة التي سرّبت المعلومات المؤدية لمعرفة مكانه. ودور مختلف الأطراف الفاعلة بالعملية. إلا أنه من الواضح اختلاط الولاءات والانتماءات في المنطقة. وعدم وضوح الدور الذي لعبته هيئة تحرير الشام على وجه الخصوص في كل ما جرى.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات