في يومها العالمي: المرأة العراقية تناضل ولا تحتفل

في يومها العالمي: المرأة العراقية تناضل ولا تحتفل
أستمع للمادة

نضال نسوي مستمر تمارسه المرأة العراقية بشكل كبير، لكنه بات أكثر حيوية بعد سقوط دكتاتورية نظام صدام حسين في ربيع 2003. هو نضال ضد الذكورية، نتائجة بطيئة لكنها مستمرة.

على عكس المألوف في السنوات الماضية، باتت المرأة العراقية تتخذ من اليوم العالمي للمرأة مناسبة لإظهار معاناتها عبر وقفات احتجاجية بدلا من الاحتفال في هذا اليوم.

“عدها حق”، كانت أول وقفة احتجاجية في عراق ما بعد 2003، تبتعد عن الاحتفالية في اليوم العالمي للمرأة، نطمتها ناشطات نسويات بتاريخ 8 آذار/ مارس 2019 في ساحة التحرير وسط بغداد.

بعدها بعام، عمت الوقفات الاحتجاجية في معظم محافظات الوسط والجنوب العراقي والعاصمة بغداد في يوم المرأة؛ لأنها تزامنت مع “انتفاضة تشرين” التي لعبت المرأة دورا بارزا فيها.

انحسرت الوقفات الاحتجاجية في عام 2021، نتيجة تفشي جائحة “كورونا” في العراق، لكن البصرة كانت المحافظة الوحيدة التي نظمت وقفة احتجاجية في اليوم العالمي للمرأة بذلك العام. 

للقراءة أو الاستماع: العنف ضد المرأة العراقية: القانون يشرعنه ولا ينهيه!

تقول رئيسة “فريق نسويات البصرة”، القانونية هيلين حسين، إن تنظيم الوقفة الاحتجاجية قبل عام، كانت من أجل إدامة نضال المرأة العراقية لنيل حقوقها المسلوبة، والابتعاد عن أسلوب الاحتفاء بهذا اليوم.

“الزواجات الثلاث”

هيلين التي نظّمت تلك الوقفة، تقول إن معاناة المرأة العراقية مستمرة منذ عقود طويلة، لكن النضال النسوي في السنوات الأخيرة، جعلها تتقدم قليلا لانتزاع حقوقها.

معاناة مجتمعية متجذرة تعيش معها المرأة في العراق، وآثارها السلبية تتفاقم كثيرا مع مرور الوقت، وهنا تسلّط عضو منظمة “إيسن” لحقوق الإنسان رؤى فائز، الضوء على أبرز ما تعانيه المرأة مجتمعيا.

تقول فائز، إن المعاناة لا يمكن حصرها، بل باتت تتوسع في آخر السنوات، نتيحة “الابتزاز الإلكتروني” الذي يمارس بكثرة ضدها، ناهيك عن التحرش الإلكتروني أيضا.

لكن رؤى تبرز في حديثها مع “الحل نت”، المعاناة المتجذرة منذ وقت طويل ضد المرأة، وأبرزها “الزواجات الثلاث” التي تحدث بالإكراه، وهي “زواج القاصرات” و”زواج النهوة” و”زواج الفصلية”.

للقراءة أو الاستماع: تزويج القاصرات في العراق: لماذا تفشل القوانين في حماية الفتيات من العنف والانتهاكات الاجتماعية؟

فيما يخص “زواج القاصرات”، فهو ببساطة الزواج الرسمي قبل بلوغ النضوج أو سن الرشد وقبل بلوغ سن الـ 18، وهو يسمى أيضا بـ “زواج الأطفال” أو “الزواج المبكر”.

أما “زواج النهوة”، فيمكن تعريفه بقيام رجل من عشيرة ما بـ ”حجز” ابنة عمه لنفسه. ومنعها من الارتباط بأي ذكر آخر، وإلا فإنها ومن سترتبط به سيكونان عرضة للقتل.

وبشأن “زواج الفصلية”، فهو إرغام إحدى بنات عشيرة مُعتدية على الزواج من شخص ينتني للعشيرة المُعتدى عليها، لتجنّب اندلاع حروب الثأر بين العشائر.

وتعيش ضحية “زواج الفصلية” ظروفا قاسية في كنف العشيرة التي أجبرت على الزواج من إحد أبنائها؛ لأنها تعد من ذوي “الطرف الظالم والمعتدي”، فتدفع المرأة ثمن جرائم لا علاقة لها بها.

وتقول روى فائز، إن كل تلك الزواجات هي ظالمة و”مُهينة” لكرامة المرأة ولحقها في الحياة والزواج برضاها وعند بلوغ السن ومن الشخص الذي تختاره ويختارها.

رؤى فائز – إنستجرام

وتشير إلى أن تلك الزواجات لا تستمر بصورة صحية بالمجمل، وغالبا ما تكون نهاياتها مأساوية، منها الانتحار أو القتل من قبل الزوج، والمحظوظة من تحصل على الطلاق، بحسب تعبيرها. 

انتحار وطلاق

وبلغت حالات الانتحار في العراق، 772 حالة في عام 2021، معظم حالات الانتحار تعود لفتيات شابات، حسب بيان رسمي لوزارة الداخلية العراقية.

وتردف رؤى فائز، أن المطلقة بعد أن تتخلص من حياتها القاسية التي عاشتها مع زوجها في أي من الزواجات الثلاث، تعاني دائما من النظرة “الدونية” تجاهها من قبل المجتمع وحتى الأهل في بعض الأحيان.

وبلغ عدد حالات الطلاق عام 2021 في جميع المحافظات العراقية باستثناء إقليم كردستان، 73.399 حالة، بحسب “مجلس القضاء الأعلى” في العراق.

وأرجع المجلس في بيان له، سبب ارتفاع حالات الطلاق إلى عدة أسباب، أهمها “زواج القاصرات”، وطالب بتشريع قانون يمنع ذلك الزواج ويجرّم الزواج خارج المحاكم.

وتشير روى فائز، إلى أن منظمات المجتمع المدني اختارت العديد من الأنشطة للقيام بها في اليوم العالمي للمرأة، منها قيام منظمة “إيسن” التي هي عضوة بها بعمل ندوة تفاعلية، اليوم الثلاثاء، لطالبات جامعة بغداد لتوعيتهن بمخاطر “زواج القاصرات”. 

بالإضافة إلى المعاناة المجتمعية، تعاني المرأة العراقية من التعسف القانوني ضدها، ولا تزال تواصل نضالها من أجل تعديل أو إلغاء المواد القانونية التي تضطهدها، ناهيك عن ضغطها لتشريع قوانين تنصف المرأة وتحميها.

تتحدّث هيلين حسين بصفتها القانونية، أن قانون العقوبات العراقي يحتوي على العديد من المواد التي تضطهد المرأة، ومن أبرزها المادة 41 والمادة 398. 

وتبين حسين في حديث مع “الحل نت”، أن المادة 41 من قانون العقوبات تسمح “للزوج الحق بتأديب زوجته”، ويستغل الأزواج تلك المادة في تعنيف زوجاتهم جنسيا وبالضرب؛ لأنها تضمن لهم ذلك الحق.

وتردف هيلين أن المنظمات النسوية والحقوقية لم تصمت، ورفعت دعوى طعن لإلغاء تلك المادة مؤخرا، لكن “المحكمة الاتحادية” رفضت الطعن، وشرعنت المادة. 

هيلين حسين – تويتر

ورفضت “المحكمة الاتحادية العليا”، في 21 شباط/ فبراير المنصرم، طعن “رابطة المرأة العراقية” بوجوب إلغاء الفقرة الأولى من المادة 41 من قانون العقوبات العراقي، والتي “تسمح للزوج الحق في تأديب زوجته”.

تعسّف قانوني

وجاء في قرار “المحكمة الاتحادية”: “تجد المحكمة من تحليل المادة موضع الطعن أنها نصت على حق (التأديب) في الحدود المقررة شرعا أو قانونا أو عرفا. و(التأديب) المقصود لا يعني (العنف الأسري) وإنما هو إصلاح وتقويم، وهو مقيد. وبناء عليه تكون دعوى المدعي غير مستندة على سبب دستوري. فتقرر الحكم بردها”.

وأثار قرار “المحكمة الاتحادية” غضب منظمات حقوقية متعددة، ووصفت رفض الطعن والسماح بتلك المادة، “بمثابة تأكيد لتقييد القانون العراقي لحقوق المرأة الطبيعية، وتجسيد للعنف القائم ضدها بصبغة رسمية”.

وبخصوص المادة 398 من قانون العقوبات، تقول هيلين، إنها ترفع العقوبة عن المغتصب في حال زواجه من الضحية، شريطة أن يستمر الزواج بينهما 3 سنوات على الأقل.

وتوضح، أن الضحية لو تعرضت لاغتصاب جماعي، فالمادة القانونية ترفع العقوبة عن جميع المشتركين في الحريمة، إن تزوج أحدهم من الضحية، وتلك “مهانة” لا يمكن القبول بها، على حد تعبيرها.

للقراءة أو الاستماع: جرائم الشرف في العراق: مجزرة ضد النساء بتواطؤ من الحكومة والأحزاب المتنفّذة؟ 

وتنتقد حسين تبرير القانون العراقي، بأن تشريعه للمادة 398 هو “سفكا للدماء وللحفاظ على سمعة العائلة والعشيرة”، وتوضح أن ذلك التبرير بحد ذاته، يشير إلى ضعف وعجز القانون أمام العشيرة.

وتلفت إلى أن، المشرع وباشتراطه استمرار الزواج لمدة 3 سنوات سيتسبب بالكثير من المشاكل، التي تضاف إلى “الجريمة الأصلية” وهي اغتصاب الزوج لزوجته اللتي تصبح ضحية للمشرع والقبيلة التي قد تقتلها إن لم يتزوجها المغتصب.

وتتابع، في سنوات الزواح الثلاثة، على الأغلب قد يولد طفل للزوج والزوجة، “لكنه أي طفل هذا الذي يولد لأب نغتصب وأم ضحية، وكيف سيعيش في ظل بيئة أسرية غير صحية من الأساس؟”، تردف حسين متسائلة.

وتضيف، أنه من الضرورة تعديل تلك المواد القانونية، وتشريع قانون “العنف الأسري” لحماية المرأة من المعتدين. “نحن كناشطات حقوقيات سنستمر في نضالنا لتصحيح مسار تلك القوانين”. 

وشهد عام 2020، تسجيل 15 ألف حالة عنف أسري، بالإضافة إلى صدور أكثر من  4آلاف أمر قبض تتعلق بالعنف الأسري، حسب إحصاءات وزارة الداخلية حينها.

بينما أحصت “مفوضية حقوق الإنسان” العراقية، تسجيل وتقديم 5 آلاف شكوى عنف أسري تجاه النساء في عام 2021، ضمن تقريرها عن “مؤشرات حقوق الإنسان في العراق”.

المرأة والإعلام

وأقر مجلس الوزراء العراقي في آب/ أغسطس 2020، مشروع قانون “مناهضة العنف الأسري”. ومرّره إلى البرلمان السابق من أجل تشربعه، تحت ضغط منظماتي وحقوقي.

ومنذ سنوات تضغط المنظمات المجتمعية على البرلمان العراقي لتشريع قانون يعنى بمناهضة “العنف الأسري”، لكن كل تلك الجهود لم تثمر حتى الآن عن نتائج ملموسة في القبة التشريعية بعد.

وتعارض تشريع القانون، بعض الجهات السياسية التي لها ثقلها في البرلمان، بخاصة تلك التي تنتمي لـ “الأحزاب الإسلامية”، وعلى رأسها “تحالف الفتح” وتعرقل المحاولات الرامية لتشريعه.

وصرّح بعض أعضاء التحالف بشكل علني لوسائل الإعلام المحلية، رفضهم لتمرير القانون؛ لأنه “يخالف الشرع الإسلامي، ويعطي للمرأة الحرية والتحرّر”، بحسبهم.

وفي مجال الإعلام والسياسة، لا تختلف معاناة المرأة الإعلامية والسياسية عن معاناة المرأة عامة في الحياة الطبيعية، إلا أن نسب المعاناة هنا تختلف، خاصة وأنها تحتك مع المجتمع وتلتقي به، ولديها فسحة أكبر، لكن المعاناة لا تنكر.

تقول الإعلامية زينب ربيع، إن المرأة أثبتت قدرتها في مجال الصحافة والإعلام، وهناك الكثير من النساء أثبتن أن المرأة قادرة على اختراق الكثير من المجالات التي قيل إنها من الاستحالة أن تستمر بها في مجال الصحافة والإعلام.

ربيع وهي مقدمة برامج سياسية عراقية بارزة، واختارتها “هيئة المرأة العربية” شخصية العام في 2021، تبين لـ “الحل نت”، أن المرأة الإعلامية تعاني من عدم منحها القيادة في المؤسسات الإعلامية، واقتصارها على الرجل.

بعد 2003، كان من اللافت إسناد إدارة قناة “الحرية” التي أسسها الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، إلى امرأة، عندما تأسست القناة في عام 2005، قبل أن تغلق في 2014، بعد انتهاء رئاسة طالباني للعراق وتدهور حالته الصحية.

وأدارت القناة فيروز حاتم لمدة ناهزت العقد من الزمن، وعند تسنمها إدارة القناة في 2006، كان التفاؤل كبيرا بوصول المرأة الإعلامية إلى أعلى السلطة في المؤسسات الإعلامية.

زينب ربيع – فيسبوك

لكن تجربة فيروز حاتم كانت الوحيدة، حتى جاءت مؤخرا تجربة أخرى بإسناد إدارة قناة كردية عراقية إلى إحدى الإعلاميات، غير أن هذا تحقق بعد زهاء 15 عاما من تجربة حاتم.

نزعة وعقلية ذكورية

وتفسّر زينب ربيع، عدم تبوء المرأة لهرم المؤسسات الإعلامية، إلى “النزعة الذكورية”. لا تفسير غير ذلك، وتشاطرها “عدم شعور المرأة بثقتها العالية بنفسها”، وذلك سببه التربية والتنشئة الخاطئة، بحسب تعبيرها.

لكن الطموحات وفق ربيع، أن تصل المرأة لدفة القيادة في المؤسسات الإعلامية. “أعتقد أن المرأة الإعلامية والصحفية ستكون حاضرة خلال السنوات القادمة على مستوى قيادة العمل وتكون لها الريادة في المؤسسات الإعلامية”.

سياسيا، تمثيل المرأة بات واضحا داخل البرلمان العراقي، فقد حققت في الانتخابات المبكرة الأخيرة زهاء 100 مقعد، ما يعني أنها تشكل الثلث المعطل داخل البرلمان.

وتجاوزت المرأة حصتها المخصصة لها كتمييز إيجابي وهي “الكوتا” التي حددت لها نسبة 25 بالمئة من عدد أعضاء البرلمان، أي نحو 82 مقعدا، وحصلت فوق ذلك الرقم أكثر من 15 مقعدا، وهو منجز مهم، بعدم حاجتها لـ “الكوتا” في هذه المرة.

للقراءة أو الاستماع: لا نساء في رئاسة الحكومة: هل يمكن للقوى السياسية “الشيعية” القبول بـ “ولاية المرأة” في العراق؟

لكن التمثيل السيادي وتسنم المناصب الوزارية السيادية وحتى عمادات الجامعات وإحدى الرئاسات الثلاث، يكاد يكون منعدما مع استثناءات نادرة لشخصية أو 2 كأعلى حد في بعض الحكومات قد تعطى لهن وزارة ما.

وكانت “الأُمم المتحدة”، دقّت ناقوس الخطر في 2018، وعدّت وجود المرأة العراقية في السلطة ضعيف وغير لائق بحقها، ما دفعها إلى إطلاق حملة واسعة قبيل انتخابات 2018 تحت وسم “#شكوبيها” للتوعية بوجوب وجود المرأة في المكانات المهمة في الحكومة العراقية.

ويكمن العائق من وصول المرأة إلى التمثيل السيادي، بالذكورية والعقلية الرجعية لدى قادة الأحزاب السياسية الحالية، خاصة وأن معظمها تقود تيارات إسلامية متشددة ومتعصبة تجاه المرأة، وفق الباحثة السياسية ريم الجاف. 

وتردف في حديث مع “الحل نت”، أن ذكورية صنع القرار وغياب الوعي بماهية النوع الاجتماعي، جعل من وجود المرأة مجرد شكل لتطبيق الديمقراطية بلا دور سياسي حقيقي لها.

كذلك الخوف من حملات التشويه والابتزاز التي نالت بعض المرشحات في انتخابات 2018 من قبل الأحزاب الإسلامية، جعل المرأة السياسية تتخوف من مصير أقوى قد يلحقها، إن أصرت على تعزيز تمثيلها النيابي بالتمثيل السيادي، وفق الجاف.

للقراءة أو الاستماع: المرأة العراقية والرئاسات الثلاث: “المحاصصة” تمنع الحلم؟

يذكر أن العراق كانت له الأسبقية بولوج أول امرأة إلى سدة المناصب التنفيذية على مستوى العرب قاطبة، وهي الوزيرة نزيهة الدليمي، ومعها أول قاضية في بقعة الوطن العربي، زكية حقي، وذلك قبل أكثر من 60 عاما.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول المرأة