أسعار الفروج تُحلّق.. غذاء السوريين نباتي؟

أسعار الفروج تُحلّق.. غذاء السوريين نباتي؟
أستمع للمادة

في سوريا، باتت الأجوبة التهكمية هي السائدة على من يطرح سؤالا، لأن الوضع الاقتصادي المضطرب والذي غطت أفق حلوله سُحب سوداء لا انفراج لها، ولّدت في نفوس السوريين حرب قلب المفاهيم من أجل التعايش مع الواقع، فكم من أسر بسيطة ومتوسطة وضعها الغلاء في دوامة لا تجد للخروج منها.

“غذائنا صحي، اللحوم بتعمل كولسترول”، هذه الجملة التي تلتها ضحكة تختفي وراءها سرا، لم تأخذ سوى ثواني من إبراهيم السرور، الذي يعمل في دائرة آثار درعا، عندما طرح “الحل نت” عليه سؤالا: لماذا لا تشتري الدجاج، وجوابه ليس لأنه متبع حمية غذائية، إنما خلفه العديد من القصص.

تخيل في سوريا، أن تستفيق وترى نشرة لمديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق، وقد قفزت فيها أسعار أجزاء الفروج إلى 10 آلاف ليرة عن السعر الرسمي خلال يومين، وهذا فعليا ما يحصل للعائلات في سوريا، والتي يوما بعد يوم افتقدت موائدها للعديد من مكوناتها الرئيسية.

من الفروجة إلى العظم!

“كنا نجيب فروجتين، بعدين اتبعنا أسلوب الدولة بالتقنين حتى وصلنا للنتر”، رحلة تحول عائلة سرور من أكل اللحوم إلى النباتات مرت بعدة مراحل، خلال السنوات السابقة ومع ارتفاعات الأسعار المتواترة في مقابل تراجع القدرة الشرائية وهبوط قيمة الأجور بسبب التضخم، أصبحت جل مخاوف إبراهيم، أن يصطحب معه ابنته ريم إلى السوق.

أدى ارتفاع الأسعار الشديد في سوريا بما فيها أسعار الفروج في درعا ومحافظات أخرى، إلى سماع قصص عجيبة لم يعهدها السوريين من قبل، مثل بيع الغاز بالأوقية والزيتون بأكياس صغيرة، وآخرها بيع عظام الفروج المطحونة!.

يقول سرور الذي يعمل منذ 15 عام في دائرة الآثار المحاذية لسوق ساحة بصرى الشام في مدينة درعا، إن “تقلب أسعار الفروج سواء الجاهز أو المذبوح، كان عاملا رئيسيا في أن يكون غذاء أهل بيته المكون من 6 أطفال هو النباتات الموسمية، كالملوخية، والفاصولياء، وغيرها”.

في السابق، كان سرور يجلب دجاجتين لبيته، ومنذ العام الفائت حينما بلغ سعر الدجاجة الواحدة من وزن كيلو ونصف، 18 ألف ليرة سورية، أي حوالي ثلث راتبه آنذاك، بدأ بجلب دجاجة واحدة كل شهر، ثم مع غلاء الفروج شيئا فشيئا، بدأ ينتقل لجلب أطراف الدجاج الذي يباع الكيلو منها بحوالي 6 آلاف ليرة، ثم انتقل كبقية العائلات من ذوي الدخل المحدود إلى شراء “نتر الفروج”.

ورشات “نتر الفروج”، انتشرت مؤخرا في سوريا، وهي عبارة عن فرم بقايا قطع الفروج وطحن العظام والغضاريف وخلطها مع اللحوم وتحويلها إلى كباب وبيعها بأسعار منخفضة.

أم ربيع، وهي أم لخمسة أطفال من محافظة حمص، قالت لـ”الحل نت”، إن ولدها الوحيد يعمل في محل حلاقة رجالية براتب شهري 50 ألف، ووجبة الفروج الواحدة ستكلفها 28 ألف و200 ليرة أي ما يعادل (6 دولارات أميركية) الآن، مما اضطرها الاستغناء عن شرائه هذا العام.

بدائل اللحوم النباتية

“العزيمة على جاج انتهت موضتا”، وهنا يقصد سرور، أن الولائم التي كانت تقام للضيوف والتي تكون اللحوم متربعة فيها على الطبق الرئيسي لم تعد كما كانت، فالطعام الذي يقدمه لأخواته المتزوجات عند عزيمتهن، بات من صنف المأكولات النباتية المعلبة.

ربات البيوت من أصحاب الدخل المحدود، يبحثن عن بدائل اللحوم لتضمينها في وجباتهم في ظل غياب أنواع مختلفة من الأطعمة، خصوصا تلك التي تعتمد على اللحوم في الطبخ. ومن بين هؤلاء ربات البيوت، أم ربيع، التي تخلت عن شراء اللحوم لأسرتها لصالح معلبات الخضار من إنتاج الشركات المحلية ويبلغ سعرها 4000 ليرة سورية (دولار أميركي).

المنتج، الذي وصفته أم ربيع، 60 عاما، بأنه “لحم الفقراء”، يكفيها لصنع ثلاث وجبات، تحشو بها الكبة، وطعمها كاللحمة، وهي متوفرة بالشكلين الناعم والخشن.

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية يوما بعد يوم في سوريا، واستمرار ارتفاع معدلات التضخم في البلاد، فضلا عن انهيار الليرة السورية مقابل النقد الأجنبي، وعجز حكومة دمشق في حلحلة الأزمات، الأمر الذي حوّل قيمة رواتب، ومداخيل السوريين بشكل عام في البلاد إلى أدنى المستويات. لدرجة أن راتب الموظف الحكومي اليوم لا يخوّله شراء 100 غرام من اللحوم يوميا، ولا حتى أسبوعيا.

القدرة الشرائية تحدد عادات

كمية المنتجات والخدمات التي يمكن للشخص شراءها بالمال المتاح له خلال فترة معينة (شهر أو سنة) تعرف بالقوة الشرائية. وتشير هذه الفكرة إلى قدرة الناس على الاستهلاك وتلبية احتياجاتهم، كما أنها تنبئ بمستوى معيشتهم ورفاهيتهم.

الطريقة المعيارية لقياس القوة الشرائية هي نصيب الفرد الحقيقي (المعدل حسب التضخم) من الدخل الإجمالي القابل للتصرف داخل الدولة، ولكن بعض الدول تغير هذا المؤشر ليشمل الخدمات المجانية المقدمة للسكان (مثل التعليم والصحة، على سبيل المثال) في الدخل المتاح.

ونظرا للتفاوت في الإيرادات والمصادر الأخرى للدخل، فإن هذا مؤشر متوسط ولا يمثل دائما ظروف جميع المقيمين، ويقدم نموها صورة واسعة لأنماط صعود القوة الشرائية في البلاد، غير أن هذه الصورة يمكن أن تكون مضللة في بعض الأحيان إذا تركزت ثمار النمو في أيدي أقلية ولم توزع بشكل عادل بين السكان، وهو ما حصل مع السوريين في تحولهم إلى الطعام النباتي وتركهم للحوم.

رئيس جمعية حماية المستهلك، عبدالعزيز المعقالي، بيّن في تصريح لـصحيفة “الوطن”، اليوم الإثنين، أن أهم أسباب ارتفاع أسعار الفروج هو ارتفاع أسعار العلف، فالصوص يكلف المربي 4 آلاف ليرة والعلف 4 آلاف ليرة، إذ إن كل صوص يحتاج لأربعة كيلوغرامات من العلف حتى يصبح فروجا ويحتاج 1500 ليرة أدوية، ولذلك فإن واقع سعر الفروج حاليا هو تقريبا 11500 ليرة.

بورصة الفروج

أغلب الأسواق في سوريا تشهد فوضى سعرية بعد توقف صدور نشرات التموين التي تحدد أسعار الفروج وأجزائه وتعود آخر نشرة أصدرتها تموين الريف إلى 23 من الشهر الماضي، بينما تعود آخر نشرة تسعير لتموين العاصمة إلى 24 الشهر الماضي محددة بموجبها أسعار الفروج الحي بـ9700 ليرة والفروج المذبوح والمنظف إلى 13100 ليرة والشركات بسعر 23 ألف ليرة للكيلوغرام، لتعود مديرية التجارة الداخلية في دمشق أمس الأحد وتصدر نشرة جديدة حددت بموجبها سعر كيلوغرام الفروج الحي بـ 10300 ليرة والمذبوح والمنظف بـ14 ألفاً وكيلوغرام الشرحات بـ25 ألفا.

بلغ سعر كيلو غرام سودة الفروج 25 ألفا ليوازي بذلك سعر الكيلوغرام من سودة الغنم، وارتفع سعر الكيلوغرام من الشرحات ليتعدى 35 ألفا متجاوزا بذلك سعر كيلوغرام الهبرة من لحم الخاروف مع 25 بالمئة دهنه والبالغة 32 ألف ليرة بسعر 3 آلاف ليرة وليتجاوز أيضا سعرها في صالات السورية للتجارة والبالغ 27 ألفا بمبلغ 8 آلاف ليرة، ويتجاوز كذلك سعر كيلوغرام هبرة لحم البقر البالغ 24 ألف ليرة بمبلغ 11 ألف ليرة.

وبلغ سعر كيلوغرام الوردة من الفروج 17500 ألف ليرة والدبوس 17 ألف ليرة ليقارب بذلك سعر الكيلوغرام من مسوفة العجل والبالغ 19 ألف ليرة.

ووفقا للصحيفة المحلية، في أسواق دمشق وريفها فإن سعر فروج الريش يبلغ وسطيا 30 ألف ليرة بينما وصل سعر الفروج المذبوح والمنظف إلى ما بين 30 و40 ألف ليرة وذلك حسب الوزن، على حين وصل الكيلوغرام من الجناحات بين 11 و13 ألفا.

يذكر أن برنامج الأغذية العالمي، في تقريره السنوي لعام 2021 الصادر أخيرا، أكد أن ثلاثة من كل خمسة سوريين يعانون من “انعدام الأمن الغذائي”، بعد الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية، وتدهور الاقتصاد في جميع أنحاء سوريا.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد