“سيل الزّيتون من سيل كانون”.. مزارعو الزيتون السوري يفقدون الأمل

“سيل الزّيتون من سيل كانون”.. مزارعو الزيتون السوري يفقدون الأمل
أستمع للمادة

“شجرة الزيتون مثل ما بدّك منها بدها منّك”، هذا هو التفسير البسيط للمزارع محمد الرفاعي، لانخفاض إنتاج الزيتون هذا العام في سوريا، فارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام هطول الأمطار بغزارة، والغازات الدفيئة، وهجر الناس لمزارع الزيتون بسبب الغلاء وعدم قدرتهم على تأمين السماد، أدى لانخفاض في إنتاج الزيتون.

 يُعد تغير المناخ أكثر من مجرد مشكلة، إنه يعرّض مستقبل قطاع الزيتون بأكمله للخطر، الآثار هي حقيقة واقعة بالنسبة إلى آلاف الأسر من أصحاب الحيازات الصغيرة في زراعة الزيتون في سوريا. فبالنسبة لمعظم الناس، يُعتبر الزيتون مصدر دخلهم الرئيسي أو الوحيد، وتعتمد مناطق بأكملها على جدوى الزيتون كمحصول نقدي.

لا تزال الزراعة في سوريا جزءا رئيسيا من الاقتصاد، إلا أن النظام الوطني الجديد المقترح والذي استثنى بعض أنواع المزروعات من التأمين وعلى المحاصيل ومصالح المزارعين، وتغطية أوسع لخسائر المحاصيل وغيرها من الكوارث الطبيعية المماثلة فضلا عن دعم الأسمدة والمواد النفطية، سيُفقد المزارع وخصوصا مزارعو الزيتون قدرتهم على الاستمرار في عملهم.

الدود أكل المحصول

في حين يترقب منتجو الزيتون انخفاضا حادا للمحصول في الموسم الحالي، الذي سيتأثر بشح المياه الناجم عن الجفاف الذي عرفته سوريا، ما سيفضي إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية، يشير الرفاعي، خلال حديثه لـ”الحل نت”، الذي يمتلك 5 هكتارات من الزيتون إلى أن عوامل أخرى أدت إلى كساد محصوله.

يقول الرفاعي، “سوريا هي أحد أكبر منتجي ومصدّري زيت الزيتون في العالم، حتى قبل إيطاليا واليونان، تطورت مزارع الزيتون مع مناخ البحر الأبيض المتوسط وهي معروفة بمقاومتها لندرة المياه. ومع ذلك، فقد أظهرت السنوات الأخيرة أنه حتى شجرة الزيتون، رغم مرونتها يمكن أن تكون أحد المحاصيل التي تأثرت بشدة بآثار تغير المناخ، مما يعرض للخطر أحد مصادر العيش والثقافة والتجارة في سوريا منذ آلاف السنين”.

تُعد شجرة الزيتون، أحد أقدم المحاصيل وأكثرها رمزية في البحر الأبيض المتوسط، فالفينيقيون هم من طوّروا زراعة شجرة الزيتون في البحر الأبيض المتوسط، وبعد ذلك بدأت تنمو في أوروبا وخصوصا إسبانيا، التي تُعد الآن أكبر منتج ومصدر في العالم.

إحدى الآفات التي لم يستطع مزارعو الزيتون في سوريا محاربتها وأثرت في إنتاج هذا العام، هي الحشرات من دودة ثمار الزيتون، وفقا لما يرويه الرفاعي، حيث بدأت بالظهور ومن المرجح في حال عدم مكافحتها أن تؤثر بشكل سلبي في الإنتاج، وعدم قدرة المزارعين على محاربتها يرجع إلى فقدانهم للمصائد الفرمونية، التي كانت توزعها دائرة الوقاية في مديرية الزراعة.

فقدان الأساسيات

مع مطلع العام الحالي، وافق مجلس الوزراء على توصية اللجنة الاقتصادية المتضمنة تأييد مقترح وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بتمديد قرارات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية المتعلقة بمنع تصدير عدة مواد بينها زيت الزيتون حتى نهاية 2022، بشكله الدوكمة، أو المعبأ بعبوات تزيد على سعة 5 ليترات.

في عام 2012، صُنّفت سوريا في المركز الخامس عالميا بإنتاج زيت الزيتون، حيث وصلت الكمية إلى 200 ألف طن سنويا، وسبقها في الترتيب تونس واليونان وإيطاليا وإسبانيا، إلا أن الضربات التي توالت على المزارعين ربما تسهم في تراجع مركزها لهذا العام بسبب انخفاض إنتاج الزيتون.

في تطور جديد لهذا العام، كشفت عبير جوهر، مديرة مكتب الزيتون بوزارة الزراعة، في تصريح لصحيفة “الوطن” المحلية، في منتصف أيار/مايو الفائت، أن دعم المازوت والأسمدة الزراعية موجه حاليا لأنواع معينة من المحاصيل الزراعية كالقمح والحمضيات، لكن الزيتون مازال مستثنى من ذلك.

وبيّنت جوهر، أن الحكومة قدمت دعما للأسمدة لمزارعي الحمضيات، كون زراعة الحمضيات تتركز في محافظتين، حيث تقل فيهما المساحات المزروعة عن الزيتون الذي يزرع في جميع المحافظات السورية، ولأن إمدادات الأسمدة غير كافية، فإن دعم الحمضيات أسهل من دعم الزيتون.

وأشارت جوهر، إلى أن وزارة الزراعة تعوّل على تحسّن الظروف وتوافر المواد في المستقبل، لمساعدة مزارعي الزيتون، لافتة إلى أن بديل الأسمدة النيتروجينية “الآزوتية”، التي توزعها البنوك الزراعية والتي يمكن لزراع الزيتون استخدامها والاستفادة منها، يمكن للمزارع استخدام الأسمدة العضوية، لأنها متوفرة على نطاق واسع وبأسعار أقل من الأنواع الأخرى من الأسمدة التي تقدمها الوزارة.

صحيفة الزيت إلى ارتفاع

الأصل الجغرافي لشجرة الزيتون يقع في شرق البحر الأبيض المتوسط، ما يقابل حاليا لبنان والأردن وسوريا وبعض المناطق المجاورة، ويعود لما بين 4000 و3000 قبل الميلاد. قيل إن قيمتها العظيمة تعكس جزئيا وتحدد تاريخ الإمبراطوريتين الفينيقية والرومانية. ومنذ بداية تاريخها، جلبت الشجرة أكثر بكثير من الزيتون والزيت، إذ كانت أيضا مادة ذات قيم طبية ووقود ومستحضرات تجميل.

مدير زراعة السويداء، أيهم حامد، بيّن في حديثه لصحيفة “الوطن” المحلية، اليوم الأحد، أن انخفاض إنتاج الزيتون لهذا العام كان بسبب قلة الهطولات المطرية خلال العامين السابقين، لافتا إلى أن تقديرات إنتاج محافظة السويداء وحدها من الزيتون هذا الموسم نحو 7803 أطنان، للمساحات المزروعة منه والبالغة 9984 هكتاراً، منها 1640 طنا، لزيتون المائدة و6165 طناً، للزيت حيث يتوقع أن تصل كمية الزيت الناتج إلى نحو 1200 طن.

وفي السياق ذاته، أكد مزارعو الزيتون على ساحة المحافظة انتظارهم لتسعيرة عصر الزيتون خاصة أن تسعيرة العام الماضي كانت مجحفة في حقهم والتي بلغت 165 ليرة، للكيلو الواحد على أن يكون التفل لصاحب المعصرة و200 ليرة، لعصر الكيلو الواحد إذا كان التفل للمزارعين.

ولفت المزارعون، إلى أن جميع التكاليف تلك يضاف إليها أجور التقليم والرش إضافة لأجور الفلاحة، فإنها ستدفع بهم بالضرورة وأمام هذا الواقع ولتعويض المبالغ المالية برفع سعر مبيع زيت الزيتون الذي تراوح العام الماضي بين 275 ألفاً، و350 ألفاً للصفيحة الواحدة.

محاربة التغيير المناخي

في نهاية أيلول/سبتمبر من كل عام، ينتظر أن يبدأ جني الزيتون، غير أن المزارعين يترقبون تراجعا حادا في الإنتاج جراء عدم انتظام التساقطات المطرية التي يُفترض أن تمتد من بداية العام إلى غاية تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر.

يقول الأخصائي الزراعي، عبد المولى أبازيد، لـ”الحل نت”، رفع الدعم عن مزارع الزيتون سيؤدي إلى كارثة مناخية في سوريا، حيث يحتل محصول الزيتون 14 بالمئة، من المساحة الزراعية للبلاد، يمتص مساحات كبيرة من بساتين الزيتون، كما هو الحال مع أي زراعة كبيرة للأشجار، كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وكل شجرة زيتون في المتوسط ، نظرا لوجود أشجار زيتون أكبر وأصغر، تمتص 30 كجم من ثاني أكسيد الكربون سنويا، مما يجعل بستان الزيتون عاملا مهما في الحد من تغير المناخ.

ويشير أبازيد، إلى أن انبعاثات غازات الدفيئة تخنق العالم، وتوجد فرص للتخفيف ولكن انبعاثات غازات الدفيئة مستمرة في الارتفاع، ففي سوريا قدرت الأمم المتحدة انبعاث 42.6 مليون طن من غازات الاحتباس الحراري، وعلى الرغم من أن أشجار الزيتون يمكنها إلى حد ما، التخفيف من آثار تغير المناخ من خلال امتصاصها لثاني أكسيد الكربون، فهي أيضا ضحايا لتغير المناخ.

يتسبب ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في زيادة درجات الحرارة وفي تواتر الظواهر الجوية المتطرفة مثل الجفاف أو العواصف أو درجات الحرارة غير الموسمية، خلُصت دراسة نُشرت في عام 2019 أن تغير المناخ، الناجم بشكل أساسي عن الطقس الأكثر جفافا وحرارة في الصيف والخريف، من المتوقع أن يقلل المساحة التي يمكن فيها زراعة الزيتون.

تفيد إحصاءات المجلس الدولي للزيتون لموسم 2020-2021، بأن سوريا أكثر الدول العربية من حيث استهلاك الفرد لزيت الزيتون، وحسب إحصاءات المجلس، وهو عبارة عن منظمة حكومية دولية تضم 44 دولة، تستحوذ على 98 بالمئة، من الإنتاج العالمي من زيت الزيتون، فإن استهلاك الفرد من زيت الزيتون في سوريا، هو الأعلى عربيا والرابع عالميا بـ4.6 لترات سنويا.

الجدير ذكره، أن عدد أشجار الزيتون في سوريا يبلغ، وفق إحصائية وزارة الزراعة، نحو 106 ملايين شجرة، منها 82 مليونا مثمرة، وتتوزع زراعة الزيتون في المنطقة الشمالية: إدلب وحلب، بنسبة 46 بالمئة، وفي المنطقة الوسطى: حمص وحماة، بنسبة 24 بالمئة، وفي المنطقة الساحلية: طرطوس واللاذقية، بنسبة 18 بالمئة، وفي الشرقية: دير الزور والحسكة والرقة، بنسبة 2 بالمئة، لتدخل مناطق الجنوب: درعا والسويداء حديثاً وبوتيرة زراعة عالية، بنسبة 10 بالمئة، ما أوصل الإنتاج المتوقع إلى أكثر من 800 ألف طن هذا العام من الثمار، ونحو 125 ألف طن من زيت زيتون.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول شرق أوسط