كيف يوظف النظام الإيراني الاحتجاجات في استمرار بقائه؟

كيف يوظف النظام الإيراني الاحتجاجات في استمرار بقائه؟
أستمع للمادة

الاحتجاجات في إيران، لا تزال مستمرة على خلفية مقتل الشابة، مهسا أميني، في السادس عشر من الشهر الحالي، حيث لم تستطع السلطات الإيرانية حتى الآن كبح جماح المتظاهرين خاصة من النساء، والذين يرفعون مطالب بسقف عال يصل إلى إزاحة المرشد الإيراني، علي خامنئي، والخلاص من فكرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكلها الحالي.

ناشطات وناشطون إيرانيون، وعلى رأسهم الناشطة الإيرانية، فاطمة سبهري، أكدوا ثقتهم بأن “الجمهورية الإسلامية ستنتهي”، وذلك في مقابلة مع سبهري، على قناة صوت أميركا، في مدينة مشهد الإيرانية، وعلى الرغم من ارتدائها غطاء الرأس وفق معايير سلطات طهران إلا أنه تم اعتقالها على خلفية تصريحاتها.

وفي الاحتجاجات أيضا، نزعت العديد من الناشطات والفنانات والأديبات الإيرانيات أغطية الشعر، وقام بعضهن بقص شعورهن احتجاجا على مقتل أميني، وذلك في مقاطع فيديو تم بثّها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبّرن، وعبّر المتظاهرون أن سبب الاحتجاجات الحالية ليس اقتصاديا، وإنما يتعلق بالتهديد الذي تتعرض له حياة المواطنين، والانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية وعلى رأسها الباسيج، وشرطة الأخلاق.

تشديد متعمد من السلطات

لم يكن مقتل أميني، هو الأول في إيران، بل سبق ذلك بعدة سنوات مقتل الناشطة ندى سلطان آغا، عام 2009، لتظهر خلال هذه الأحداث التشدد الذي تظهره الأجهزة الأمنية، ومؤخرا وجهت سلطات الرئيس الحالي، إبراهيم رئيسي، للعمل وفق إجراءات جديدة من بينها وضع كاميرات مراقبة في الأماكن العامة وغرامات على سائقي التاكسي، في حال أقلوا إحدى النساء التي لا تلتزم بمعايير اللباس الذي تقبل به السلطات.

الاحتجاجات في إيران “وكالات”

هذه الاحتجاجات أثبتت أمرا مهما، وهو أن السياسة الداخلية للسلطات الإيرانية تقوم على مبدأ العصابات وقمع الحريات وتسلط الأجهزة الأمنية والعسكرية وعلى رأسها “الحرس الثوري” على كل شيء، بما فيه الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع، وهذا ما دفع المحتجين خلال الاحتجاجات بحرق صور قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني.

وفي هذا السياق، يرى الصحفي السوري، مالك الخبي، أن هذه الاحتجاجات تعبّر عن جيل إيراني جديد، أعمارهم تدور في فلك العشرينيات، يرفضون فكرة سيطرة “الحرس الثوري” والأجهزة القمعية الأخرى، على الحياة العامة للشعب الإيراني، وحتى أنهم يرفضون أن تكون هذه الأجهزة هي التي تسيطر على مفاصل الدولة داخليا وخارجيا.

يضيف الخبي، أن هذه المظاهرات وإن كانت غير قادرة على إحداث تغيير في النظام أو إسقاطه، إلا أنها تعبر عن رأي الشباب الإيراني بأن هذا النظام فقد أسباب بقائه.

إقرأ:بعد وفاة مهسا أميني.. إيرانيات يخلعن الحجاب واحتجاجات مناهضة لـ”غاشت إرشاد”

كيف يوظف نظام إيران المظاهرات لبقائه؟

بحسب العديد من الخبراء فإن النظام الإيراني، يستطيع توظيف الاحتجاجات الداخلية لاستمرار بقائه في السلطة، حيث يجعل منها معركة بين الشعب الإيراني المقسوم إلى قسمين، لا بين نظام قمعي، وشعب مقموع.

هاني سليمان، الخبير في الشأن الإيراني، يرى أن النظام الإيراني يحاول توظيف الاحتجاجات من خلال شكلين، الأول إظهار أن هناك بعض المحتجين في مقابل قطاع عريض جدا من الشعب المساند للنظام، وهو كعادته يجعل الطرفين بمواجهة بعضهما البعض مع ترجيح كفة الطرف الداعم له، وذلك من خلال قيادة مظاهرات تؤيد النظام وتدعمه وعادة ما يستخدم فيها عناصر الباسيج، وعناصر تابعة للأجهزة الأمنية، وحتى من الحرس الثوري بزي مدني، وهي طريقة يسعى النظام الإيراني من خلالها لهدم ثوابت الاحتجاجات من خلال ثورتين داخليتين متضادتين، حتى تنسف واحدة منها الأخرى.

والثاني، نسف ثوابت هذه الاحتجاجات من خلال الحديث عن مؤامرة خارجية وأن هناك هجمة غربية، وترديد شعارات الغرب الكافر والشيطان الأكبر، والتي لا تزال تجد رواجا لدى شريحة من الإيرانيين المؤيدين للنظام، حيث يحاول تصوير ما يجري أنه هجوم على الدولة الإيرانية القوية، وعلى إنجازاتها الكبيرة ومواجهتها للكفر ودعم القضية الفلسطينية، وغير ذلك من الشعارات المعتادة.

وبحسب سليمان، وخلال حديثه لـ”الحل نت”، فقد أضاف النظام الإيراني، استراتيجية جديدة وهي تشويه العناصر المحتجة ضده في المظاهرات الحالية، من خلال إعادة المظاهرات السابقة والتي شهدت أحيانا بعض العنف والهجوم على مراكز الأمن، والمراكز الخاصة بالمرشد الإيراني، والتي تعتبر من المراكز المقدسة، إضافة إلى دور “الحرس الثوري” حاليا في حث القضاء على ملاحقة المحتجين يسانده في ذلك رجال الدين والحوزات الدينية.

مظاهرات تختلف عن السابق

بحسب خبراء، فإنه يمكن تقسيم تاريخ المظاهرات والاحتجاجات في إيران إلى مرحلتين، الأولى امتدت ما بين الأعوام 1989 و2009، وهذه الاحتجاجات كانت من أجل أسباب مختلفة منها ما هو سياسي أو اقتصادي، لكنها لم تتجاوز حدود العاصمة طهران، وبمشاركة طلابية وبشعارات محدودة لم تمس قدسية الجمهورية الإسلامية ومرشدها.

ولكن المرحلة الثانية، تمتد منذ العام 2017 وحتى الآن تتسم بمعطيات مختلفة، أبرزها إظهار عدم ثقتها بنظام الجمهورية الإسلامية، ومن أبرز شعاراتها إسقاط النظام، ورحيل المرشد، ورافقها هجمات على مراكز الأمن والشرطة، حتى أنها تضمنت شعارات ترفض التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهو ما يعبّر عن تنامي الوعي لدى الشعب الإيراني.

وبحسب هاني سليمان، فإن هذه الاحتجاجات هي الأولى من نوعها خاصة بشعاراتها التي تنوعت بين ما هو سياسي واقتصادي وحقوقي واجتماعي، وشملت العديد من المطالب وعلى رأسها رحيل نظام المرشد نفسه، ومن الواضح أنها آخذة في الاتساع لتشمل جميع المدن الإيرانية.

ويضيف سليمان، أن هناك نقطة مهمة لا بد من التركيز عليها، وهي أن المحتجين في هذه الاحتجاجات هم من كل أطياف الشعب الإيراني حتى “الفرس”، وهي سابقة مهمة حيث أن الاحتجاجات السابقة كان قوامها الرئيسي القوميات الأخرى كالعرب والكرد وغيرهم، وهذا التطور يدل أن الإيرانيين لم يعودوا يستمعون لتحذيرات النظام أن القوميات غير الفارسية تسعى لتقسيم البلاد، أسوة بما يجري في بعض الدول المجاورة.

يشير سليمان إلى أن الاحتجاجات سوف تتسع وسينضم إليها المزيد من الإيرانيين، وهذا سيستمر لبعض الوقت، فلا يزال لدى النظام الإيراني عدة أدوات لإيقافها والسيطرة عليها بحكم القبضة الأمنية، ولكن على المدى الطويل فلن تكون هذه المظاهرات هي الأخيرة.

ولكن مستقبلها يعتمد على أمرين رئيسيين، الأول قدرة النظام على قمعها والتعامل معها، والثاني سواء في الاحتجاجات الحالية أو المستقبلية هو درجة تنظيمها والتحول للمحتجين من العشوائية إلى حالة منظمة والنجاح بكيفية التعاطي مع الداخل والخارج، إضافة للدور الذي يمكن أن تلعبه المعارضة الإيرانية في الخارج وقدرتها على التأثير على المجتمع الدولي.

تنديد دولي بمقتل أميني

في سياق متّصل، وصف البيت الأبيض، في وقت سابق، وفاة الشابة الإيرانية بعد اعتقالها من جانب شرطة “الأخلاق”، في طهران، بأنه أمر “لا يُغتفر”. كما وأعرب البيت الأبيض عن قلقه البالغ من وفاة إيرانية، تحت التعذيب بعد احتجازها على أيدي شرطة الأخلاق الإيرانية.

محتجون إيرانيون بمواجهة قوات الباسيج “وكالات”

جيك سوليفان، مستشار للأمن القومي للرئيس الأميركي جو بايدن، قال في تغريدة على منصة “تويتر”، “يساورنا قلق عميق إزاء وفاة مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عاما، التي أفادت التقارير بأنها تعرضت للضرب أثناء احتجازها على أيدي شرطة الأخلاق الإيرانية”.

وأردف سوليفان، “موتها لا يُغتفر. وسنواصل محاسبة المسؤولين الإيرانيين على مثل هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان”.

في حين، وصف روبرت مالي، الممثل الأميركي الخاص لشؤون إيران، وفاة أميني بـ”المروعة”، وكتب: “يجب محاسبة المسؤولين عن وفاتها، كما يجب على إيران، إنهاء العنف ضد النساء؛ لممارسة حقوقهن الأساسية”.

منظمة “هيومن رايتس ووتش”، وصفت مقتل أميني، بالحادث “القاسي” وكتبت: على السلطات الإيرانية إلغاء قانون “الحجاب الإجباري” وإلغاء أو تعديل القوانين الأخرى التي تحرم المرأة من استقلالها وحقوقها.

منظمة “العفو الدولية”، قالت من جانبها، “يجب إجراء تحقيق جنائي في الأمر الذي أدى إلى وفاة الشابة، أميني في الحجز، والتي تشمل مزاعم التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في الحجز”.

وأشارت المنظمة الدولية، إلى أن “ما يسمى بـ” شرطة الأخلاق “في طهران، اعتقلتها بشكل تعسفي قبل ثلاثة أيام من وفاتها أثناء تطبيق قوانين الحجاب الإجباري، المسيئة، والمهينة، والتمييزية في البلاد”، مشددة، على أنه “يجب أن يواجه جميع الوكلاء والمسؤولين العدالة”.

قد يهمك:غضب واحتجاجات على وفاة مهسا أميني بعد اعتقال شرطة الأخلاق الإيرانية

من الواضح أن الشعب الإيراني بات يعرف حقيقة النظام الذي يسيطر على بلاده، فمقتل أميني، لم يكن سوى الفتيل الذي أشعل احتجاجات سوف تستمر وستتم إعادتها في المستقبل، في ظل نظام يسيطر على كل نواحي حياة الشعب الذي سأم القمع والفقر وخنق الحريات.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة