الصدر يوافق على الحوار بشروط.. ما مصير العملية السياسية في العراق؟

الصدر يوافق على الحوار بشروط.. ما مصير العملية السياسية في العراق؟
أستمع للمادة

ما إن جدّدت البعثة الأممية في العراق دعوتها إلى القوى السياسية بضرورة الركون إلى الحوار، لتجاوز الجمود السياسي الذي تشهده البلاد بسبب استمرار تدافع القوى السياسية حول آلية تشكيل الحكومة منذ نحو عام، استجاب زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، الطرف الرئيسي في الصراع، للدعوة مشترطا أن يكون حوارا “علنيا لإصلاح النظام“.

موافقة الصدر جاءت بعد إحاطة “شديدة” لرئيس البعثة الأممية في العراق جينين هينيس بلاسخارت، قدمتها أمس الثلاثاء عبر الفيديو لمجلس الأمن الدولي، وأكدت خلالها أن “خيبة أمل الشعب قد وصلت إلى عنان السماء، وأن النظام السياسي ومنظومة الحكم يتجاهلان احتياجات الشعب، ولا بد من جولة حوار تشارك فيها جميع الأطراف“.

بلاسخارت، أشارت أيضا، إلى أن “جميع الأطراف السياسية أخطأت وفشلت في تأدية واجبها تجاه البلاد، وأن الخلافات طغت على لغة الحوار في البلاد، وأن المحافظات الجنوبية تشهد مناوشات مسلحة والطبقة السياسية غير قادرة على حسم الأزمة، وقد فقد العراقيين الثقة في قدرة الطبقة السياسية على العمل لصالح البلد وشعبه“.

وقالت، “خلال الأشهر الاثني عشر الماضية كان للشقاق ولعبة النفوذ السياسي، الأولوية على حساب الشعور بالواجب المشترك وقد تركت الأطراف الفاعلة على امتداد الطيف السياسي البلد في مأزق طويل الأمد. وكان العراقيون رهينة لوضع لا يمكن التنبؤ به ولا يمكن احتماله، ليتحول إلى اشتباكات مسلحة“.

وحولة ضرورة الحوار، أكدت بلاسخارت: “لكي يؤتي الحوار أُكله، من المهم جدا أن تشارك فيها الأطراف كافة“، مشيرة إلى أن “هناك حلول ولكن فقط لو كان هناك استعداد للوصول إلى تسويات“، بالتالي أن “في نهاية المطاف يعود الأمر كله إلى الإرادة السياسية، ويتوجب على كافة القادة تحمل المسؤولية“.

اقرأ/ي أيضا: الفساد في مناقصات المقاولات الحكومية بالعراق.. الأسباب والنتائج

الصدر والموقف الأممي حول المستقبل العراقي

رئيسة البعثة الأممية كذلك لفتت، إلى أن “النظام السياسي ومنظومة الحكم في العراق يتجاهلان احتياجات الشعب العراقي. ويمثل الفساد المستشري سببا جذريا رئيسيا للاختلال الوظيفي في العراق، ولا يمكن لأي زعيم أن يدّعي أنه محمي منه“، لافتة إلى أن “إبقاء المنظومة كما هي سوف يرتد بنتائج سلبية. ولن يؤدي استمرار الإخفاق في معالجة فقدان الثقة هذا سوى إلى تفاقم مشاكل العراق“.

وردا على ذلك، أعلن مقتدى الصدر، بعد ساعات قليلة من كلمة رئيسة البعثة الأممية، موافقته على المشاركة في حوار علني، وقال في بيان تابعة موقع “الحل نت“، إن “أول خطوة للإصلاح التدريجي هي عدم مشاركة الوجوه القديمة وأحزابها وأشخاصها في الحكومة المقبلة وفقا لتطلعات المرجعية والشعب الثائر“.

الصدر أضاف، “إننا نوافق على الحوار إذا كان علنيا ومن أجل إبعاد كل المشاركين في العملية السياسية والانتخابات السابقة، ومحاسبة الفاسدين تحت غطاء قضاء نزيه“، مؤكدا: “نتطلع إلى مساعدة الأمم المتحدة بهذا الشأن: أعني الإصلاح ولو تدريجيا، كما إنني أؤيد ما جاء في كلمات المشاركين في جلسة مجلس الأمن ضبط النفس، لذا أدعو إلى ضبط النفس وعدم اللجوء إلى العنف والسلاح من كل الأطراف، والإسراع بمعاقبة الفاعلين من دون النظر إلى انتماءاتهم“.

تطورات فتحت باب التكهّن حول مستقبل المشهد السياسي في العراق، خاصة بعد الموقف الـ “شديد” من قبل البعثة الأممية والتي كثيرا ما اتهمت في تواطؤها مع الطبقة الحاكمة، وبعد الاستجابة السريعة لزعيم “التيار الصدري”، الذي أعلن في وقت سابق من شهر آب/أغسطس الماضي اعتزال العمل السياسي نهائيا، وغلق باب الحوار مع غرمائه في تحالف “الإطار التنسيقي”، المقرب من إيران والذي حلّ أخيرا في الانتخابات، ووسط مساعيه لتشكل حكومة جديدة في ظل أجواء مشحونة.

غير أن “هذا التحول في موقف البعثة الأممية واستعداد طرف سياسي واجتماعي بحجم التيار الصدري، يعني أن هناك قناعة جادة في إيجاد مخرجا من هذا المأزق السياسي الذي يعيشه العراق، ويعكس قناعة المجتمع الدولي بشأن النظام السياسي في البلاد بعد إن كان هناك موقفا واضحا لدعمه والاستمرار به“، كما يرى المهتم في الشأن السياسي أحمد الحديثي، ويقول في حديث لموقع “الحل نت“، إن “ما صدر أمس من أطراف فاعلة يؤشر رغبة في التحول السياسي في المشهد العراقي“.

اقرأ/ي أيضا: “الوقت ضيق”.. هل تنهي القوى الكردية العراقية خلافاتها على الرئاسة؟

الصدر يصوّب موقف البعثة الأممية

لكنه يلفت إلى أن “موقف البعثة الأممية ومهما كانت شدته، فهو لم يأتي بجديد أكثر من الحديث عن كل ما كان العراقيين طيلة الـ19 عاما يتحدثون به، ومع ذلك هذا ربما يعني أنه توصل المجتمع الدولي لقناعة تامة بأن النظام السياسي في العراق لم يعد هناك فرصة لدعمه أكثر مما تم تقديمه له من دعم، بالتالي يجب التحرك إلى إصلاحه بشكل جدّي بعيدا عن الخطابات التسويفية التي طالما كانت البعثة الأممية تردها“.

الحديثي، أشار أيضا، إلى أن “علامة الاستفهام الوحيدة في خطاب البعثة الأممية هو أشارتها إلى مدى فشل الطبقة الحاكمة في إدارة البلاد والنظام السياسي، ومن ثم العودة للدعوة لضرورة إصلاحه من قبل ذات الأطراف، وهذا ما تم تداركه من قِبل الصدر الذي أكد أن الإصلاح يقتضي استبعاد جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية طيلة السنوات الماضية“.

موقف الصدر “كان حاسما لاسيما وأنه يمثل الطرف الأساسي في معادلة الصراع السياسي الذي تشهده العملية السياسية، كما أنه يمثل تصويب لموقف المجتمع الدولي الذي غاب عن خطابه أنه لا يمكن الطلب من المجرم والسارق، التحول إلى قديس والتخلي عن كل مكاسبه في ليلة وضحاها، وبالتالي يجب عليه أن يستجيب إلى تلك الرغبة، مؤكد أن ذلك غير معقول، وهذا هو ما طالبت به ممثلة البعثة الأممية في خطابها يوم أمس، لذلك جاء موقف الصدر حاسما“.

كما أردف الحديثي، أنه “يمكن توليف الموقفين والخروج بنتائج يمكن أن تصلح من الشأن العراقي، فيما لو ترجمت الأمم المتحدة موقفها وزاوجته مع رغبة الصدر، بإجراء حوار علني حاسم تتم فيه مكاشفة الجميع بما وصل العراق إليه في ظل حكمهم، وضرورة فسح المجال أمام القوى المدنية الصاعدة، وإتاحة الفرصة لهم في الإدارة تحت رعاية دولية ودعم أممي، لضمان سلامة التحول والإصلاح“.

واختتم، أن “ذلك يمكن أن يكون على مدى دورة انتخابية واحدة على الأقل، يسمح فيها للقوى الصاعدة بتولي إدارة البلاد، وتعهد الجميع على التعاون على نجاح تلك التجربة، وإظهار الرغبة الجدّية بالتخلي عن السلاح المنفلت وحصره بيد الدولة، وإبعاد المصالح الشخصية عن المصلحة العامة، وبعدها يمكن عودة القوى التقليدية التي فسحت المجال للقوى الصاعدة في خوض الانتخابات والتنافس الشريف بعيدا عن المال السياسي وسطوة السلاح، وهنا سنضمن تحوّلا ديمقراطيا سليما“.

الأزمة التي استثارت البعثة الأممية والصدر

سيناريو يأتي بعد أن اشتدّت وتيرة الأزمة السياسية العراقية، في 30 تموز/ يوليو الماضي، عندما اقتحم جمهور “التيار الصدري“، المنطقة الخضراء حينها، وأقاموا اعتصاما مفتوحا من داخلها وأمام مبنى البرلمان العراقي، بعد 72 ساعة من الاقتحام الأول لهم للخضراء، الذي لم يتجاوز 5 ساعات قبل أن ينسحبوا بتوجيه من زعيم “التيار“، مقتدى الصدر وقتئذ.

العاصمة العراقية بغداد، شهدت في 29 آب/ أغسطس الماضي، تصعيدا صدريا على إثر إعلان زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، اعتزاله الحياة السياسية نهائيا، من خلال اقتحام أنصاره لكل بقعة في المنطقة الخضراء، وأهمها القصر الجمهوري، قبل أن يتطور المشهد لصراع مسلح.

الصراع سببه مهاجمة القوات الأمنية المكلفة بحماية الخضراء والتي من ضمنها فصائل موالية لـ“لإطار“، ومنضوية تحت راية “الحشد الشعبي“، لأنصار الصدر لتفريقهم وإخراجهم من الخضراء، فتدخل فصيل “سرايا السلام” الجناح المسلح التابع للصدر للدفاع عن أنصاره من المتظاهرين، لتندلع مواجهة مسلحة داخل الخضراء منذ ليل 29 آب/ أغسطس، وحتى ظهر 30 آب/ أغسطس، عندما دعا الصدر في مؤتمر صحفي، أتباعه للانسحاب وإنهاء اعتصاماتهم.

جراء العنف المسلح، سقط 40 قتيلا و700 جريح، وانتهت اعتصامات الجمهور الصدري بعد شهر من خروجها أمام البرلمان للمطالبة بحله وإجراء انتخابات مبكرة جديدة.

الأزمة السياسية العراقية، تأتي نتيجة لصراع سياسي دام لأكثر من 10 أشهر منذ انتهاء الانتخابات المبكرة الأخيرة، وفوز الصدر فيها وخسارة “الإطار” الموالي لإيران، الذي وقف بوجه مشروع “التيار الصدري“، عندما سعى إلى تشكيل حكومة “أغلبية“.

اقرأ/ي أيضا: الصدر يغرد والكاظمي لأربيل يتودد.. هل عاد حلم الولاية الثانية؟

الصدر ومشروع الـ “أعلبية”

بعد الانتخابات المبكرة، ذهب “التيار الصدري” بقيادة الصدر، إلى تشكيل تحالف ثلاثي مع الحزب “الديمقراطي الكردستاني” وتحالف “السيادة” الجامع لأغلب القوى السنية، وسمي بتحالف “إنقاذ وطن“.

“إنقاذ وطن“، أصر بـ 180 مقعدا نيابيا على الذهاب نحو تشكيل حكومة “أغلبية” تستثني مشاركة كل “الإطار التنسيقي” أو بعض أطرافه، في وقت استمر الأخير بالدعوة إلى حكومة “توافقية” يشترك فيها الجميع، وذلك ما لم يقتنع به الصدر، ولم ينجح في ذات الوقت بتمرير مشروعه.

الفشل في تمرير مشروع حكومة الأغلبية، جاء بسبب عدم تمكن التحالف الثلاثي من حشد النصب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 3 مناسبات، والذي تكمن أهمية انتخابه في تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، ودونه لا يمكن المضي بحكومة جديدة.

سبب الفشل كان إلزام “المحكمة الاتحادية العليا” -التي لجأ إليها “الإطار” صاحب 83 مقعدا نيابيا بالتصدي لمشروع الأغلبية- البرلمان العراقي بعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بحضور ثلثي أعضاء المجلس، أي 220 نائبا من أصل 329، وفقا للدستور.

بعد ذلك، شهد العراق انسدادا سياسيا أضطر الصدر للانسحاب من العملية السياسية، وتوجيه أعضاء كتلته بالاستقالة من البرلمان في 12 حزيران/ يونيو الماضي، لتستبشر قوى “الإطار”، بعدها بسهولة تشكيل الحكومة، وهذا ما لم يحدث إلى الآن.

اقرأ/ي أيضا: هل يحتاج العراق إلى تعديل دستوري؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة