انهيار الاسترليني كارثة عالمية.. حقبة اقتصادية جديدة؟

انهيار الاسترليني كارثة عالمية.. حقبة اقتصادية جديدة؟
أستمع للمادة

لا شك أن النظام المالي البريطاني بات في خطر وفقا للقراءات الأخيرة، إذ خلفت أسعار الفائدة المتزايدة والتضخم، تأثيرا سلبيا على الأسواق الدولية. وكان الخفض غير المتوقع للضرائب الذي نفّذته الحكومة البريطانية الجديدة قبل حوالي أسبوع، قد أخاف المستثمرين من الثقة المالية في البلاد مما تسبب في هبوط الجنيه الاسترليني وسوق سندات الحكومة البريطانية، مما يمهد لعصر اقتصادي جديد.

منذ أن بدأ الجنيه الإسترليني في التعويم الحر لأول مرة في عام 1971، لم يتسبب أي حدث في انخفاض العملة البريطانية، إلا بعد إعلان الميزانية المصغرة لوزير المالية الجديد، كواسي كوارتنج، في الأسبوع الأخير من شهر أيلول/سبتمبر الفائت، وهذا أدى إلى مكافأة الجنيه الاسترليني للدولار ووصوله إلى أدنى مستوياته، مما يشير نوعا ما إلى أن هذا الانخفاض له أبعاد المتعددة، ولكن ما تأثير الأسواق المالية البريطانية على الاقتصاد العالمي، وهل يعزز هبوط الجنية الاسترليني عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي؟

أزمة الجنيه الاسترليني

كان سعر صرف الجنيه الاسترليني في تراجع خلال عام 2022، لا سيما مقابل الدولار الأميركي القوي. في 1 كانون الثاني/يناير الفائت، كان الجنيه الاسترليني بنحو 1.35 دولار، ثم بـ 1.20 دولار فقط في 21 تموز/يوليو الفائت، ولكن في هذا الأسبوع انخفضت قيمة الجنيه إلى أدنى مستوى مسجل: الجنيه الاسترليني = 1.03 دولار، مسجلا انخفاضا بأكثر من 20 بالمئة هذا العام.

يقول الخبير في العولمة الاقتصادية وتحليل سوق العمل، ستيفن ماكبرايد، لـ”الحل نت”، يُعتبر الجنيه الاسترليني ضعيفا حاليا مقابل الدولار، واليورو إلى حد ما. تُظهر أزمات العملة السابقة أن سعر صرف الجنيه الاسترليني يمكن أن يكون عرضة للتوقعات السلبية بشأن الاقتصاد، والذي قد يتأثر اليوم بأزمة تكلفة المعيشة، وتجارة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وآفاق النمو.

كان السبب المباشر للانخفاض الكبير للجنيه السترليني يوم الإثنين الفائت، هو الإعلان عن خطة للإنفاق والضرائب من قِبل الحكومة المحافظة الجديدة في بريطانيا، والتي وعدت بتخفيضات ضريبية حادة أفادت الأشخاص الأكثر ثراء بشكل أساسي، بالإضافة إلى تدابير مكلفة للمساعدة في الحد من الارتفاع المؤلم في أسعار الطاقة على المستهلكين والشركات.

أزداد الشعور بالأزمة يوم الأربعاء الماضي، عندما تدخّل بنك انجلترا في خطوة نادرة وحذر من “الخطر المادي على الاستقرار المالي” للمملكة المتحدة من خطة الحكومة. فقد قال البنك المركزي، إنه سوف يبدأ في شراء سندات الحكومة البريطانية، “بأي حجم” لمنع بيع الديون البريطانية.

وقد بدا الإجراء الطارئ الذي اتخذه بنك “إنجلترا”، متعارضا مع جهوده التي بدأها قبل أشهر في محاولة لإبطاء معدل التضخم السنوي الذي يقارب 10 في المئة، والذي رفع أسعار الضروريات مثل البنزين والأغذية، إلى مستويات قياسية.

ولذلك، يرى ماكبرايد، أن انخفاض الجنيه الاسترليني هذا الأسبوع يحمل رسالة سياسية واضحة، يرقى إلى تصويت بحجب الثقة من المجتمع المالي العالمي في الاستراتيجية الاقتصادية التي اقترحتها رئيسة الوزراء ليز تروس، ومستشار الخزانة ووزير المالية الجديد، كواسي كوارتنغ.

الاتحاد الأوروبي وتأثيره

“المشكلة ليست أن ميزانية المملكة المتحدة كانت تضخمية،” كما كتب داريو بيركينز، المدير الإداري في شركة “تي إس لومبارد” البحثية، على موقع تويتر. مضيفا أن “الهبوط في الجنيه الاسترليني هو نتيجة اختيارات سياسية، وليس حتمية تاريخية”.

بالنسبة للخبير في سوق العمل ماكبرايد، تشير رحلة الجنيه الاسترليني إلى تراجع في التأثير الاقتصادي والسياسي، الذي تسارع عندما صوتت بريطانيا على مغادرة الاتحاد الأوربي في 2016. ومن العديد من النواحي، تمتلك بريطانيا بالفعل الاقتصاد الأسوأ أداء، باستثناء روسيا، في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 38 عضوا.

يضيف ماكبرايد، أنها مسألة وقت فقط قبل أن تخرج بريطانيا من أفضل 10 اقتصادات في العالم، إذ تحتل المرتبة السادسة، بعد أن تفوقت عليها الهند مؤخرا، ولكن ذلك يشير إلى أن بريطانيا ستذهب نحو خيار العودة إلى الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، لكن ذلك غير مستبعَد على مدى العقد القادم.

تقول صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، إن تخفيض الضرائب المفاجئ لم تكن كبيرة، لكن الاضطرابات التي شهدتها الأسواق الأسبوع الماضي كانت غير اعتيادية. ففضلا عن التقلبات الضخمة في قيمة الجنيه، فقدت السندات طويلة الأجل، المستحقة خلال 50 عاما، ثلث قيمتها في أربعة أيام.

ثم قفزت قيمتها بأكثر من الربع في يوم واحد بعد شراء السندات الطارئ الذي أقدم عليه بنك إنجلترا، بهدف منع دورة بيع اضطراري من صناديق التقاعد. وبالمقارنة كانت أكبر حركة هبوط سابقة في أربعة أيام نصف هذا الحجم، وبلغت نسبة أكبر مكاسب يومية 15 بالمئة، وكلاهما كان في الوقت الذي تسببت فيه إغلاقات الجائحة في تعطل الاقتصاد.

كان لهذه التحركات الكبيرة تأثير مباشر على الأسواق العالمية، وهذا أدى إلى ارتفاع عوائد الدولار وسندات الخزانة والإضرار بأسعار الأسهم والسلع، وتراجع السوق مرة أخرى.

وتشير الصحيفة، إلى أن مكانة لندن كمركز مالي رئيسي وقاعدة للمستثمرين العالميين، بالإضافة إلى دور سعر صرف الجنيه الاسترليني مقابل الدولار كثالث أكثر أزواج العملات تداولا في العالم، غالبا ما يمنحها تأثيرا كبيرا على الأسواق العالمية، ولكن ثمة مشكلة أكبر، بمعنى آخر تحذير من المخاطر التي تواجهها الأسواق المتقدمة الأخرى أيضا.

يذكر أن عشرات العملات بما فيها اليورو والين اليابانى والرنمينبى الصينى، قد انخفضت في الأسابيع الأخيرة، وكان ارتفاع أسعار الفائدة والتوقعات الاقتصادية المشرقة نسبيا في الولايات المتحدة، فضلا عن الاضطرابات التي يعاني منها الاقتصاد العالمي، من الأسباب التي جعلت الاستثمار في الدولارات أمرا جذابا بشكل خاص.

سوابق تاريخية

على مدار السبعين عاما الماضية، كان الانخفاض المستمر في قيمة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأميركي يعكس في الغالب ارتفاعا في معدلات التضخم في المملكة المتحدة مقارنة بالولايات المتحدة، مما يتطلب سعر صرف أقل لمعادلة مستويات الأسعار في كلا البلدين.

انخفض الجنيه الإسترليني، إلى أدنى مستوى له على الإطلاق مقابل الدولار الأسبوع الجاري، مما دفع المحللين إلى مقارنة مساره مع مسار عملة الأسواق الناشئة.

لكن الجنيه البريطاني ارتفع وانخفض مقابل الدولار الأميركي في الماضي، ومنذ الحرب العالمية الثانية كان الاتجاه هبوطيا باستمرار. في نظام “بريتون وودز”، بعد الحرب لأسعار الصرف الثابتة ولكن القابلة للتعديل، تم تحديد الجنيه الاسترليني في البداية عند 4.03 دولار، لكن المملكة المتحدة لم تكن قادرة على الحفاظ على السعر بسبب العجز التجاري المستمر، وتدفقات العملات الخارجية.

أعقب تخفيض كبير لقيمة العملة في عام 1949، انخفاض آخر في عام 1967، وكانت هناك أزمات الجنيه الاسترليني مع أسعار الصرف الثابتة حتى انهار نظام “بريتون وودز” في عام 1971. وفي عام 1985، عندما كان الدولار قويا بشكل غير مستدام، وصل الجنيه الاسترليني إلى مستواه السابق.

وفقا لصحيفة “فاينشال تايمز”، ليس هناك شك في أن الانخفاضات الأخيرة في الجنيه الاسترليني تمثّل تصورا لمشكلة في عملة المملكة المتحدة وليس مجرد قوة الدولار الأميركي. انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 3 بالمئة، تقريبا مقابل اليورو خلال الأسبوع الماضي وأكثر من 7 بالمئة، مقابل عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين للمملكة المتحدة منذ بداية آب/أغسطس الفائت، لا تبشر.

يعكس هذا التصور في الأسواق المالية الدولية وجهة نظر مفادها أن السياسة الاقتصادية للمملكة المتحدة تتحرك في الاتجاه الخاطئ، تماما كما فعلت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عندما فقد الجنيه الاسترليني 10 بالمئة، من قيمته.

ما الحل أمام بريطانيا؟

انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني سيؤدي حتما إلى زيادة التضخم. ووفقا للخبير الاقتصادي ماكبرايد، لدى بنك إنجلترا قاعدة أساسية مفادها أن 60-90 بالمئة، من الانخفاض في سعر الصرف سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات. وبالتالي، فإن انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني بنسبة 7 بالمئة، من شأنه أن يضيف 1.5 إلى 2 بالمئة، إلى الأسعار على مدى سنتين إلى ثلاث سنوات. وسيؤدي هذا إلى تفاقم التضخم المرتفع بالفعل في المملكة المتحدة وأزمة تكلفة المعيشة.

كما أن ارتفاع معدل التضخم والحاجة إلى جذب الاستثمار الأجنبي لتمويل العجز التجاري الهائل في المملكة المتحدة، سوف يتطلب أيضا معدلات فائدة أعلى. تتوقع الأسواق المالية الآن أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة إلى أكثر من 5 بالمئة، العام المقبل.

بحسب ما تراه صحيفة “فاينشال تايمز”، فهناك أربعة طرق محتملة متاحة لسلطات المملكة المتحدة إذا أرادت وقف انخفاض الجنيه الإسترليني.

أولا، يمكن للحكومة أن تأمر بنك إنجلترا بالتدخل في أسواق العملات، وشراء الجنيه الاسترليني باحتياطيات من العملات الأجنبية. ووفقا لنائب السابق لمحافظ بنك إنجلترا، جون جييف، فإن “هذا يمثل إشكالية؛ لأنه ليس لدينا الكثير من الاحتياطيات مقارنة بحجم سوق العملات، لذا أعتقد أن هذا لا يُنظر إليه على أنه سلاح فعّال”.

والثاني، هو أن تقوم الحكومة بعكس التغييرات في سياستها المالية، ولكن سيكون ذلك صعبا للغاية بالنسبة للمستشار الجديد ورئيس الوزراء.

ثالثا، يمكن أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة لزيادة العائد المتاح للأشخاص الذين لديهم أموال في المملكة المتحدة، مثلما فعلت العديد من الاقتصادات الناشئة هذا العام. أشار البنك المركزي إلى أن المزيد من الزيادات في أسعار الفائدة ستتم في اجتماعه في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لكن الأسواق المالية تريد التحرك بسرعة أكبر.

رابعا، قد يسعى كبار المسؤولين في بنك إنجلترا إلى طمأنة الأسواق من خلال توضيح، أنهم سيتخذون إجراءات فورية إذا خرج التضخم أو الاقتراض العام عن السيطرة. قد يكون الحديث عن الجنيه، خاصة مع الوعد بمعدلات فائدة أعلى، سلاحا فعّالًا في استعادة الثقة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة