المغرب وشبح الجفاف.. الزراعة الذكية حل مستدام؟

المغرب وشبح الجفاف.. الزراعة الذكية حل مستدام؟
أستمع للمادة

مع نهاية عام 2022، بات المغرب يعاني من أشد موجة جفاف منذ ثلاثة عقود، ما أجبر الحكومة على تشديد الإجراءات التي اتخذتها في البداية للحد من نقص المياه، لهذا السبب، حذر رئيس جمعية “المنارات البيئية للتنمية والمناخ”، مصطفى بن رامي، الجمعة الماضية، من أن الوضع مقلق بسبب تأثير تغير المناخ على المياه، وأعرب عن أسفه لأن المغرب، على الرغم من موارده المائية الطبيعية الكبيرة، قد وصل إلى هذا الوضع المأساوي.

في ظل هذا السياق، تزايد الاهتمام بالزراعة الذكية والمستدامة في المغرب، لا سيما بعد توالي سنوات الجفاف، فيما تسعى عدة مبادرات إلى تشجيع طرق زراعية لا تؤدي إلى استنزاف موارد المياه.

المناخ في الأراضي القاحلة وشبه القاحلة في المغرب يتغير، حيث تؤدي فترات الجفاف الطويلة إلى تقليل الإنتاج الزراعي والحيواني في المنطقة. تعمل التكيفات الذكية مناخيا مع الزراعة الآن على بناء قدرة السكان على الصمود أمام الصدمات المناخية في المنطقة، وهي مقدمة لحماية الأمن الغذائي والأمن المائي وسبل العيش، ولكن هل يمكن للحلول الزراعية الذكية للمياه أن تساعد في وقف التصحر ومواجهة موجات الجفاف في المستقبل.

التضخم والجفاف يشكلان صداعا رئيسيا

المغرب للعام الرابع على التوالي عانى من قلة هطول الأمطار، لذا هذا العام كان هناك جفاف كبير، ولم يكن هناك إنتاج زراعي، حيث انخفضت المياه كثيرا، وبات من الصعب جدا على المزارعين العمل في ضواحي الرباط.

وفقا لتقرير صادر عن وزارة التجهيز والمياه، كان المعدل الوطني لمعدل ملء السدود الكبرى في المغرب 29.2 بالمئة فقط حتى منتصف تموز/يوليو 2022، بانخفاض يقارب النصف عن نفس الفترة 45.2 بالمئة في عام 2021.

الخبير في الهيدرولوجيا والموارد المائية وتغير المناخ، الفاتح الطاهر، ذكر لـ”الحل نت”، أن الحكومة المغربية قررت بشكل عاجل تنفيذ برنامج لتوفير المياه بالإضافة إلى تخصيص أكثر من مليار دولار لمساعدة الفلاحين الذين يعانون من الجفاف.

المغرب، مثل العديد من البلدان في إفريقيا بحسب الطاهر، يواجه معضلة متزايدة، فبينما قام بتحسين إنتاجه الغذائي للحد من انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية، فقد أثر هذا التقدم على إمدادات المياه المحدودة للبلاد من خلال ممارسات الزراعة الصناعية كثيفة الاستخدام للمياه.

بينما يؤدي تغير المناخ إلى تكثيف الجفاف الهيكلي في جميع أنحاء المغرب الكبير والساحل وأماكن أخرى، انعكس ذلك على المناطق التي لم تضع سياسات تعالج انعدام الأمن الغذائي وندرة المياه كأزمتين مترابطتين.

إجهاد الموارد المائية هي قضية عالمية، وفقا للطاهر، فمنذ عام 1960، زادت عمليات سحب المياه العالمية بأكثر من الضعف، من 1.75 تريليون متر مكعب إلى 4 تريليون في عام 2014. وبشكل عام، تواجه 17 دولة تضم ربع سكان العالم ضغطا مائيا مرتفعا للغاية، إذ يستهلك في المتوسط 80 بالمئة أو أكثر من إمدادات المياه المتاحة كل عام، خاصة للزراعة المروية والصناعات والبلديات.

يمكن أن يؤدي تغير المناخ على كوكب الأرض والاستجابة البشرية غير الكافية إلى تفاقم ندرة المياه بما يكفي لإجبار 700 مليون شخص هذا العقد للفرار من ديارهم في مناطق متباينة مثل المغرب العربي، ومنطقة الساحل والقرن الإفريقي، والشام، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة. وسيكون هذا النزوح الضخم ما يقرب من 10 أضعاف المستوى الأخير، المرتفع تاريخيا، للتهجير البشري في جميع أنحاء العالم بسبب الحرب.

الطاهر أوضح أيضا، أن ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف الإنتاج على المستوى الدولي يؤثران على البنية التحتية المحلية وبالتالي يؤدي ذلك إلى تضخم داخلي، حيث وصل التضخم في المغرب إلى مستويات لم يسمع بها من قبل، بعد أن أدت عواقب جائحة فيروس “كورونا” إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية، كما أدى الغزو الروسي المستمر لأوكرانيا إلى ارتفاع تكاليف الطاقة.

نتيجة لذلك، تعرضت القوة الشرائية للمغاربة لضغوط متزايدة، كما كان الحال في العديد من الدول الأخرى حول العالم. وبحسب وكالة التخطيط المغربية، بلغ معدل التضخم في المغرب 7.2 بالمئة في حزيران/يونيو الفائت، وهو من أعلى مستوياته منذ عام 2008.

الحلول الزراعية الذكية

من أجل تحقيق هدف تشجيع طرق زراعية لا تؤدي إلى استنزاف موارد المياه، شرعت الحكومة المغربية في تشجيع شباب الجامعات على هذه المبادرات الذكية، حيث أعلنت خلال اليومين الأخيرين عن تخصيص 55 مليون درهم لتمويل برنامج تشجيع مقاولات الشباب في القرى.

تفاصيل المبادرة وفق ما نقله موقع “سكاي نيوز”، كانت بدايتها إطلاق جامعة “محمد السادس” متعددة التخصصات التقنية بمدينة ابن جرير في المغرب، الجمعة الفائت، مباراة وطنية لاختيار ومواكبة الشباب الحاملين لمشاريع مبتكرة في مجال الفلاحة الرقمية والذكية مناخيا.

هذه المبادرة أقيمت من طرف وكالة التنمية الفلاحية في إطار تفعيل استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030 لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إذ تراهن المبادرة على خلق جيل جديد من الشباب المقاول في المغرب، يضم 44 مشاركا و25 مشروعا في مجال الزراعة الذكية.

المبادرة مرت بأربع مراحل رئيسية، الأولى انتهت بانتقاء 25 مشروعا مبتكرا لـ 44 شابا وشابة. أما المرحلة الثانية، فتهدف إلى مواكبة الشباب حاملي المشاريع المنتقاة من خلال معسكرات تدريبية وتدريب مكثف حضوري وعن بُعد لمدة خمسة أشهر، وفقا لرشيد الغريب، مدير هندسة المشاريع بوكالة التنمية الفلاحية.

خلال المرحلة الثالثة، يعرض المستفيدون من التدريب مشاريعهم أمام لجنة لاختيار ثلاثة مشاريع، ستستفيد من دعم كبير من قبيل أول طلب زبون، وأن أصحاب حاملي المشاريع ستتم مواكبتهم لبناء نماذجهم وإحداث مقاولاتهم.

في جميع أنحاء العالم، وفقا للطاهر، لا يؤدي النشاط البشري إلى تدهور الأراضي فحسب، بل يؤدي أيضا إلى تسريع تحول الأراضي الجافة التي يقطنها 3 مليارات نسمة إلى صحراء. وإلى جانب تكثيف موجات الجفاف، والممارسات الزراعية غير المستدامة كثيفة الاستخدام للمياه، ومجموعة متنوعة من العوامل الأخرى؛ فإن التنوع البيولوجي، والنظم الغذائية، والصحة البيئية معرضة للتهديد بشكل لم يسبق له مثيل. ومع ذلك، فإن القطاع الزراعي لديه إمكانات غير مستغلة لتأخير ظهور التصحر، وحتى عكس العملية في بعض الحالات.

في إفريقيا وخارجها، يشير الطاهر، إلى أنه يستثمر عدد متزايد من البلدان في الجهود المبذولة لمنع الخسائر الناجمة عن حالات الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة الأخرى. وبمساعدة الخرائط الرقمية مثل نظام مراقبة الجفاف في جنوب آسيا، تمكن الباحثون من دعم صانعي السياسات والجهات الفاعلة المحلية في تطوير وتنفيذ استراتيجيات متنوعة وقابلة للتطوير للتعامل بشكل فعّال مع نقص المياه.

هل ينجح مشروع الزراعة الذكية؟

وفق ما ذكره الخبير في الهيدرولوجيا والموارد المائية، الطاهر لـ”الحل نت”، في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تمتلك المغرب ولبنان والأردن القدرة على مواجهة الجفاف بشكل أكثر فاعلية. إذ إن أقوى أداة للمشروع هي الخريطة التفاعلية التي تجمع بيانات الأقمار الصناعية عن هطول الأمطار وصحة الغطاء النباتي ودرجة حرارة سطح الأرض ورطوبة التربة، لمراقبة وجود الجفاف ومدى انتشاره.

لا تسمح هذه الخريطة للمجتمعات المحلية فقط بتوقع حالات الجفاف والاستجابة لها بسرعة، ولكنها توفر أيضا إرشادات لصانعي القرار لتصميم سياسات قائمة على الأدلة للتكيف مع المناخ على المدى الطويل والقدرة على الصمود.

الزراعة الذكية مناخيا وفقا للطاهر، هي نهج لإعداد الإجراءات اللازمة لتحويل النظم الزراعية إلى دعم الأمن الغذائي في ظل تغيرات المناخ، ساعية إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، هي زيادة الإنتاجية بشكل مستدام، والتكيف مع تغير المناخ والصمود في وجهه، وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تنتجها ممارسات الزراعة.

البنك الدولي يرى أن نهج الزراعة المراعية للمناخ، هو نهج متكامل لإدارة الأراضي الطبيعية التي تتضمن الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والغابات ومصايد الأسماك ذات الصلة بالأمن الغذائي وتغير المناخ، لذا استهدف 52 بالمئة من تمويل البنك الدولي للزراعة الممارسات التي تسعى إلى التخفيف من آثار التغيرات المناخية والتكيف معها.

الهدف من استنباط المحاصيل الجديدة هو الحصول على أصناف “ذكية مناخيا”، تتحمل التغيرات البيئية السلبية التي تؤثر على إنتاجية المحصول، مثل ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف التربة وملوحتها، ونقص المياه، إذا ما طبق ذلك عبر تأهيل المزارعين ودعم الدولة المباشر، يمكن أن ينجو المغرب من خطر الجفاف، حسب قول الطاهر.

مكافحة على كافة المسارات

في عام 2008، أطلق المغرب خطة “المغرب الأخضر” لتعزيز إنتاج الغذاء، لا سيما من خلال تطوير سلاسل التوريد الإنتاجية والزراعة. زاد إنتاج الغذاء وانخفض عدد المغاربة الذين يعانون من نقص التغذية من 1.8 مليون إلى 1.3 مليون بحلول عام 2019، أي ما يقرب من 25 بالمئة.

خطة “المغرب الأخضر” ركزت على التغييرات الهيكلية في الإمدادات الغذائية، كما ركزت خطة جديدة تسمى “الجيل الأخضر 2020-2030″، على التنمية البشرية في المناطق الريفية، بما في ذلك خلق الثروة الفردية، وتنويع فرص العمل وتعزيز ريادة الأعمال، وكذلك تحديث وتنويع التنمية الزراعية التقليدية.

المزارع الصناعية الكبيرة استحوذت على جزء كبير من التنمية الزراعية، بينما شهدت المناطق الزراعية الأصغر والأكثر فقرا نموا أبطأ واستثمارا أقل. كما أدى تركيز المغرب على الزراعة التصديرية إلى تقليص مساحة الأراضي المخصصة للحبوب، مما جعلها أكثر اعتمادا على الواردات الأجنبية.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي التابع للحكومة سلط الضوء بعد منتصف هذا العام، على الدراسات التي تشير إلى أن عادات استهلاك المياه الحالية، إلى جانب آثار تغير المناخ، التي يمكن أن تسهم في خسارة 80 بالمئة من جميع الموارد المائية في المغرب بحلول عام 2045.

التهديد الذي يتمثل بالنضوب السريع لطبقات المياه الجوفية، التي استغلها المغرب بكثافة لتوسيعه الزراعي، وسع إجراءات الحكومة، حيث فرضت تطبيق قيود على تدفق المياه الموزعة على المستهلكين، وحظر ري المساحات الخضراء وملاعب الجولف بمياه الشرب.

كما حظرت غسل الشوارع والأماكن العامة بمياه الشرب والاستخراج غير المشروع للمياه من الآبار والينابيع والمجاري المائية وقنوات النقل المائي، وتجنب استخدام مياه الشرب لغسيل السيارات أو الغسالات، وكذلك ملء برك المياه في الأماكن العامة وحمامات السباحة الخاصة، والتي من الآن فصاعدا يجب أن يتم تنفيذها على أساس سنوي من خلال نظام إعادة التدوير.

بحسب الخبراء، فإن تشجيع شباب على الزراعة الرقمية التي تواجه التحديات المناخية مبادرة لفريدة من نوعها، سيساهم في تدريب الشباب وتقديم مهارات تساعده في إنجاز مشروع زراعة مستدامة هدفها تشجيع وتثمين نتائج البحث العلمي والتكنولوجي.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة