دول عدة تتنافس فيما بينها لانتشال الصومال من أزماته، سواء الاقتصادية أو السياسية أو حتى الإنسانية، وفي مقدمة هذه الدول تركيا، حيث كان الجانب الإنساني بقوالب سياسية البوابة لانتداب الصومال مع الوقت، عبر عقد صفقات عسكرية واستثمارات اقتصادية وتعليمية وغيرها، مع حكومة مقديشو التي كانت الخاسر الأكبر منها.
وسائل إعلام صومالية نقلت الأربعاء الماضي، عن لقاء جمع محافظ بنادر ورئيس بلدية مقديشو، يوسف حسين جمعالي، بوفد تركي برئاسة السفير التركي لدى الصومال، محمد يلماز.
الزيارة تأتي بحسب الإعلام الصومالي، لتعزيز وتطوير اتفاقية “التوأمة” بين مقديشو والمدن التركية، ولتسريع آلية تنفيذ مشاريع تشييد الطرق الرئيسية، ومراكز المصلحة العامة.
استغلال حاجة السكان
مكتب “قطر الخيرية” قدم أنشطته في مدينتَي مقديشو وهرجيسا، والتي تضمنت خدمات صحية لـ 64 يتيما ويتيمة، إضافة لنشاطات رياضية وترفيهية، ووزع حقائب وزي مدرسي لـ 230 طالبا وطالبة من الأيتام المكفولين في مدينة هرجيسا، بحسب “المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية”.

المنظمة ذاتها، وزعت بداية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وجبة جديدة من المساعدات الإغاثية على النازحين الصوماليين والمتضررين من موجات الجفاف الطاحنة، وهي الأسوأ التي تضرب الصومال منذ 40 عاما، ودفعت العديد منهم وغالبتهم من الرعاة والمزارعين إلى الفرار، فأكثر من سبعة ملايين شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وقد تسببت موجة الجفاف في حدوث نقص كبير في المياه، فأجبرت الأسر على النزوح نحو المدن الكبرى للحصول على المياه الصالحة للشراب.
مراقبون للوضع الصومالي، يرون بأن “قطر تتمدد داخل الصومال عبر أذرع عديدة من بينها الذراع الإنساني المتمثل بمنظمة قطر الخيرية”، ويرى المتخصص في الشأن الإفريقي والصومالي محمد عبد الكريم مختار، خلال حديثه لـ”الحل نت” بأن “الدوحة تستغل الأنشطة الإنسانية لواجهة أعمالها الخيرية، لتخفي أنشطتها غير الشرعية في الجغرافية الصومالية، التي تعتبرها بوابتها للقارة السمراء، كما فعلتها سابقا في كوسوفو”، حسب تعبيره.
قد يهمك: بعد تجنيد السوريين.. تركيا وقطر تجندان آلاف الصوماليين للقتال في ليبيا
إدارة المنظمات غير الحكومية في كوسوفو، علقت أنشطة منظمة “قطر الخيرية” في 2018، بعد تعارض نشطات المنظمة مع المصالح الأمنية لحكومة كوسوفو، وتواردت عدة تقارير حول اشتباه المنظمة في تمويل الإرهاب، خاصة للجماعات الإسلامية المتشددة سواء في الدول العربية والأوروبية، وهو ما دفع المنظمة لتغيير اسمها بعد توارده في قوائم دولية بضلوعها في تمويل المجموعات الإرهابية، بحسب مختار.
“قطر تتسلل من كافة القطاعات إلى البلد المنهك من الصراعات والإرهاب والانهيار الصحي والتعليمي والاقتصادي”، وفق قول مختار. فتفتح مراكز صحية ومشاريع تنموية وتبرم صفقات مع الحكومة الصومالية، منها ما يخص القطاع التعليمي أو الاقتصادي وغيرها، وكل ذلك في خدمة مصالحها ومشاريعها التوسعية، حسب تعبيره.
مكتب “قطر الخيرية”، نفذ ما يقارب 690 مشروعا صحيا وتعليميا في الصومال، وبتكلفة بلغت ثلاثة ملايين ومائة وثلاثة ألفا دولار العام الماضي، وطبقا لحديث مختار، منها خمسة مراكز صحية في ولايات بونت لاند، جلمدغ، جنوب غرب الصومال، وإقليم بنادر، كما أبرمت مذكرة تفاهم بين جامعتي “قطر” و”مقديشو”، حيث يندرج كل ذلك، من وجهة نظر مختار، “ضمن خططها الاحتلالية للصومال، وتسيره على ذات النهج الذي تسلكه تركيا في عدة بلدان من العالم”، وفق قوله.
التغلغل التركي في الصومال
جهات دولية أخرى على رأسها تركيا، تستغل انغماس الصومال في مستنقع الإرهاب الذي خلف عدة أزمات، منها الفقر والجوع والانهيار المعيشي، لتمرير مشاريعها وتحقيق مصالح شخصية لها، وفق المتخصص في الشأن الإفريقي والصومالي، مختار.
منذ 2011 تدفقت المنظمات الخيرية، والإنسانية التركية إلى الصومال، تبعا لحديث مختار، وغالبيتها هي منظمات ذات توجهات استخباراتية، درست جغرافية المنطقة، وتغلغلت في مفاصل الصومال عبر تنفيذها مشاريع بناء جامعات تدرس باللغة التركية، ونشاطات تروج للغة وتاريخ الدولة التركية، على حد قوله.
اقرأ أيضا: الصومال: تفجير يستهدف 4 أتراك و”حركة الشباب” تتبنى
المنظمات قامت أيضا، ببناء دور للسينما والمسارح والتعليم، وتعبيد الطرقات وإطلاق أسماء لسلاطين وقادة أتراك على الشوارع الرئيسية في الصومال، وأيضا على الحدائق والمدارس والجامعات التي بنتها منظمة “أيهاها” التركية ذات التوجه الإنساني “المشكوك فيه”، وفق تعبيره.
النفوذ العسكري التركي
أنقرة شيدت قاعدتها على بعد كيلومترين من العاصمة الصومالية مقديشو، ضمت مدارس عسكرية ومخازن للأسلحة والذخيرة، وتدريب ما يقارب 10 آلاف جندي صومالي تحت إشراف 200 ضابط تركي، وهي تسعى لتحقيق حزمة أهداف يحصيها الصحفي الصومال يحيى سعيد يوسف، خلال حديثه لـ”الحل نت” بفتحها أسواق جديدة لبيع أسلحتها في قارة إفريقيا الملتهبة من النزاعات والاقتتالات، بسبب انتشار التكتلات الجهادية المتطرفة من “القاعدة” و”حركة الشباب” الصومالي، وتنظيم “داعش” الإرهابي وغيرها فيها، بحسب تعبيره.
سعي أنقرة للعب دور الوسيط الإقليمي في القارة السمراء، وتعزيز حضورها في الصومال يضعها في مركز الأحداث الإقليمية، وفق يوسف، نظرا لأهمية الموقع الصومالي وقربه من منطقة الخليج، ومضيق “باب المندب” والدول المطلة على البحر الأحمر، وبذلك تقوي أنقرة حضورها على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
“الحكومة التركية بحضورها على مختلف المستويات استحوذت على نصف استثمارات شرق إفريقيا، والقرن الإفريقي”، يقول يوسف. حيث يمنح الوجود في هذه المنطقة لتركيا العديد من المميزات على جميع المستويات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والعسكرية.
هذه الخطوة يصفها يوسف بـ “الخطيرة”، لا سيما بعد تصاعد التسلل التركي في المجال العسكري، إذ يقول، إن “تركيا عبر القواعد العسكرية احتلت آلاف الكيلومترات من العراق وسوريا وليبيا والصومال، ولن تغادر الجيوش التركية هذه البلدان ما دامت تملك موطئ قدم كبيرة لها، تقويها بمشاريع اقتصادية تستثمر خلالها موانئ، أو مطارات، أو مؤسسات لعشرات السنين كما حصل في مطار مقديشو الدولي”.
صراع الموانئ
الانخراط التركي في الصومال، توسع لمستويات مختلفة، بحسب حديث الصحفي والباحث المتخصص في الشأنين الإفريقي والصومالي خالد محمد، لـ”الحل نت”، حيث استثمرت شركات أنقرة الخاصة والحكومية البنى التحتية للبلد الإفريقي، ووضعت يدها على ميناء “مقديشو” البحري الهام عبر شركتها “البيراق”، كما تحاصصت مع الحكومة الصومالية عائدات المطار الوحيد في العاصمة مقديشو وهو مطار “آدم عبد الله الدولي” عن طريق شركتها “فافوري”، فهيمنت تركيا على أسوق الصومال التي أغرقتها بالبضائع التركية.

صراع محموم يجري بين الدول، وفق محمد، ومنها قطر وتركيا والصين وإيران للسيطرة على الموانئ الإفريقية ومنها الصومالية.
“مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية”، نشر دراسة مطولة بعنوان “التنافس الدولي على الموانئ البحرية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء” والذي تطرق إلى أهمية الموانئ البحرية المنتشرة في إفريقيا للدول الطامحة بتعزيز وجودها في القارة السمراء، وتدشينها لقواعد عسكرية وبحرية وتجارية لها، فشهدت الموانئ الإفريقية تنافسا ملتهبا بين الشركات الدولية لاستثمارها كالتركية والعربية الخليجية، وحصولها على امتيازات لتشغيل تلك الموانئ، وتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية، لم تدر على الحكومات الإفريقية ومنها الصومال إلا على نسبة ضئيلة منها، بحسب الدراسة.
قد يهمك: ما مصير التصعيد العسكري في الصومال بين العشائر و “حركة الشباب”؟
من ناحية أخرى تعتبر الجماعات الإرهابية المتشددة، وفي مقدمتها “حركة الشباب” الصومالي المبايع لتنظيم “داعش” وجود هذه الشركات ومنها الشركات التركية والقطرية والقاعدة التركية هي احتلالات، وضرب مصالحها يبدو أنها تدخل ضمن أوليات الحركة الجهادية التي تضرب نيرانها المدن، والمناطق الصومالية، واستهدافهم النفوذ التركي والقطري سيولد المزيد من العنف وسيعمق الصراعات الدموية على حساب المدنيين الذين باتوا حطب حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
الصومال ستبقى رهينة الوجود التركي، والقطري الذي يستقوي بدوره بالتواجد العسكري التركي، وبالتالي التلاعب على التوترات السياسية ودعم الإرهاب، لتبقى الدوحة وحليفتها أنقرة اللاعبان الأساسيان في الملف الصومالي.

