صراع الأجنحة الاقتصادية في أنقرة.. تجليات العقل السياسي ومستقبل النظام التركي

صراع الأجنحة الاقتصادية في أنقرة.. تجليات العقل السياسي ومستقبل النظام التركي
صراع الأجنحة الاقتصادية في أنقرة
أستمع للمادة

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عاشت تركيا حالة من عدم الاستقرار الداخلي ناتجة عن خلافات عميقة بين الأطراف السياسية في البلاد، بين مؤيد لليبرالية وآخر للاشتراكية، وبين محافظ وعلماني، وبين قومي رافض لتواجد قوات “الناتو” وآخر مؤيد، كل هذه التجاذبات خلقت البيئة الملائمة لتشكيل الأجنحة السياسية والاقتصادية في البلاد، وأصبحت لتلك الأجنحة دورا في إدارة وحكم البلاد، كلٌّ بحسب ما يملك من قوة وقدرة على التأثير بالوضع العام لصالحه.

إلى جانب الأجنحة السياسية توجد داخل تركيا، أجنحة اقتصادية عملاقة لا تؤثر فقط في الاقتصاد، بل تتجاوز ذلك إلى السياسة وكافة ميادين الحياة. والنقاش حول هذه الأجنحة الاقتصادية وتأثيرها هو الهدف من هذه السطور، ويمكن القول يوجد في تركيا جناحَين رئيسيَين ذوي تأثير بالغ الأهمية، وهما منظمتي “التوسياد” و”الموصياد” لرجال الأعمال الأتراك.

التوسياد

التوسياد” تأسست عام 1971 من قبل مجموعة من أثرياء ورجال أعمال أتراك داخل البلاد، وبحسب الكاتب التركي محمد جنبكلي، تشكل “التوسياد” حوالي 50 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي، وتضم آلاف الشركات ويعمل تحت مظلتها 50 بالمئة من العمال الأتراك، ويستحوذ أعضاء المجموعة على قرابة 85 بالمئة من إجمالي تجارة تركيا الخارجية.

 عند التأسيس كان هدف المنظمة غير المعلَن، حماية مصالح الأعضاء السياسية والاقتصادية في وقت كانت تعيش فيه تركيا حالة من عدم الاستقرار السياسي، وكانت الخلافات بين الأحزاب شديدة، مع ظهور ملامح صعود الأحزاب المحافظة إلى مراكز في الدولة.

تكتل أثرياء تركيا في منظمة واحدة أعطاهم نفوذا اقتصاديا وسياسيا كبيرا في البلاد، حتى أصبحت لديهم القدرة في التأثير على قرارات الحكومة، وبحسب جنبكلي في عام 1979 ساهمت منظمة “التوسياد” في إسقاط حكومة أجاويد بعدما نشب خلاف بين المنظمة والرئيس أجاويد، حينها مارست منظمة “التوسياد” سياسة احتكارية للسلع الغذائية، مما تسبب في ارتفاع الأسعار وفقدان العديد من السلع من الأسواق مما أدى في نهاية المطاف إلى استقالة الحكومة.

قد يهمك: أعلى مستوى له في ربع قرن.. التضخم يضرب تركيا

 منظمة “التوسياد” لم تكتفِ بالسيطرة على الاقتصاد، بل تعدت ذلك إلى الصحافة والإعلام والفن، والبنوك، والجامعات الخاصة، وكرة القدم ومن المعروف أن عائلة “كوج” التي هي من أغنى العائلات التركية، وأفراد العائلة هم أعضاء ضمن مجموعة “التوسياد” وهم من يديرون نادي “فناربخشة” العريق في تركيا، وتمتلك العائلة أيضا جامعة “كوج” وهي من أقوى الجامعات في تركيا.

الموصياد

منظمة “الموصياد” تأسست بعد فترة من تأسيس منظمة “التوسياد”، ويرى العديد من الخبراء في تركيا، أن تأسيس “الموصياد” كان رد فعل ضد رجال الأعمال المسيطرين على الاقتصاد التركي في منظمة “التوسياد”، وساعد على تأسيس “الموصياد” الدعم الذي قدمه الرئيس السابق نجم الدين أربكان، لعدد من رجال الأعمال الذين ينتمون للفكر المحافظ.

عدد أعضاء رجال الأعمال في “الموصياد” يتجاوز 10 ألاف، وتضم أكثر من 60 ألف شركة، وتساهم منظمة “الموصياد” في 18 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي في تركيا. ورغم كل هذه الأعداد الضخمة إلا أن أعضاء منظمة “التوسياد” يبقون الأكثر قوة وثراء من مجموعة “الموصياد“.

شركات منطقة الأناضول في تركيا، تُعد القاعدة الرئيسية لمنظمة “الموصياد”، ومعظم تلك الشركات ذات توجهات إسلامية، والتي كانت شركات صغيرة حتى استطاعت جذب استثمارات من الخارج، لاسيما من المغتربين الأتراك في دول الاتحاد الأوروبي، وبعدها جذبت مستثمري العرب والدول الإسلامية للدخول للسوق التركية.

بنوك “كويت تورك” و”البركة تورك” تُصنف من أبرز المموّلين لشركات ورجال أعمال منظمة “الموصياد”، وأبرز القطاعات التي يختص فيها أعضاء المنظمة هي قطاع العقارات، والمنسوجات.

الصراع بين المنظمتين

أول معركة حقيقية بين المنظمتين، بدأت في تسعينيات القرن الماضي بالخلاف حول تطبيق السياسات النقدية، فقد قامت “التوسياد” برفع قضايا على الشركات والبنوك المؤيدة لـ”الموصياد”، بسبب تطبيقها سياسة نقدية قائمة على الربح والخسارة وليس على الفوائد، ونتج عن ذلك إغلاق عدد من شركات “الموصياد” ومصادرة أصولها.

اقرأ أيضا: ارتفاع كبير في أسعار الكهرباء والغاز في تركيا.. أزمة اقتصادية متزايدة؟

مع بداية حكم حزب “العدالة والتنمية” في الفترة الممتدة بين عامي 2002 – 2012 انخفضت وتيرة التنافس بين المنظمتين، لأن كل من الطرفين كان مستفيدا على صعيد التجارة الخارجية بعد جملة من التغيرات الإيجابية التي حصلت للنظام السياسي والاقتصادي الذي شهدته تركيا.

 في عام 2013 دخلت تركيا في أزمة داخلية حادة، هددت بسقوط حكم حزب “العدالة والتنمية”، وكانت بسبب تطور أحداث “حديقة غيزي”، حينها اتخذت منظمة “التوسياد” موقف المعارض من حزب “العدالة والتنمية”، وأعلنت أنها تقف إلى جانب المحتجين وتدعمهم فيما يتعلق بـ”حديقة غيزي”، وسجلت حينها أول مواجهة بين حزب “العدالة والتنمية” ومنظمة “التوسياد“.

 من الضروري معرفة أن منظمة “الموصياد” وقفت مع حكومة حزب “العدالة والتنمية” التي بدورها كانت داعم كبير للمنظمة. وبعد استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، لم تشهد أي مواجهة بين “التوسياد” والحكومة، حتى عام 2022 بعدما طرح الرئيس أردوغان النموذج الاقتصادي الجديد القائم على خفض أسعار الفائدة، وزيادة حجم الصادرات، وتخفيض معدلات البطالة.

مواقف متباينة

إن تخفيض أسعار الفائدة أدى بطبيعة الحال إلى انخفاض كبير لقيمة الليرة التركية التي وصلت قيمتها إلى 18 مقابل الدولار بعدما كانت 13، مما دفع منظمة “التوسياد” لإعلان معارضتها للسياسة الاقتصادية للرئيس أردوغان، وطالبت برفع الفائدة وبإجراء انتخابات مبكرة في البلاد. أما منظمة “الموصياد” فقد وقفت في صف حكومة حزب “العدالة والتنمية”، وأعلنت دعمها للرئيس أردوغان، الذي بدوره حاول تعزيز قوة وحضور “الموصياد” في الاقتصاد التركي، لعرقلة سيطرة “التوسياد” على الاقتصاد التركي كما في السابق.

لا تخلو المواجهة السياسية الحالية التي تشهدها تركيا بين الحكومة الحالية التي يديرها حزب “العدالة والتنمية” وبين المعارضة التي تتحالف مع عدة جهات، من استخدام الأدوات الاقتصادية للتأثير على البلاد، لاسيما في التأثير على نتائج الانتخابات القادمة المزمع عقدها في منتصف عام 2023، وسيكون لمنظمتي “التوسياد” و”الموصياد” دور كبير في دعم حلفائهم، ولعب دور بارز في تحديد مستقبل الدولة التركية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد