التنمية في الشرق الأوسط.. سبيل للتخلص من الخلافات والنهوض بدول المنطقة؟

أستمع للمادة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، أكد في ندوة حوارية عقدت على هامش “المنتدى الاقتصادي العالمي 2023” في دافوس السويسرية الأربعاء الفائت، بعنوان “المستقبل المشرق في خضم التحديات الجيوسياسية”، أن بلاده تشعر بقوة بأن ما تقوم به والآخرون في المنطقة وخاصةً دول “مجلس التعاون الخليجي” في مواجهة التحديات الاقتصادية، والاستثمار في بلدانهم بالتركيز على التنمية هو مؤشر قوي لإيران وغيرها في المنطقة، بأن هناك طريقا لتجاوز النزاعات التقليدية نحو الازدهار المشترك، داعيا من خلال ذلك، طهران إلى الحوار كسبيل إلى الازدهار المشترك عبر التعاون البنّاء بين دول المنطقة بدلا من الخلافات.

حديث الوزير السعودي، يعززه أكثر من تصريح سابق لمسؤولين سعوديين يدفعون في ذات الاتجاه، كان آخرهم وزير المالية السعودي محمد الجدعان خلال جلسة حوارية أيضاً على هامش المنتدى، بأن لدى بلاده علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلاقة وثيقة مع الصين، وبإمكانها رأب الصدع بين الجانبين، والدفع نحو التركيز على التعاون وتجنب التوترات الجيوسياسية، والدعوة للهدوء والحلول السياسية.

التصريحات السعودية والحديث عن التنمية يدعو للتساؤل حول الدور الذي تلعبه التنمية للتخلص من الخلافات، وهل يمكن لدول المنطقة تفضيل التنمية على العلاقات السياسية، وما إمكانية انخراط إيران في هذه التنمية، ومستقبل التنمية في الشرق الأوسط.

الدور الذي تلعبه التنمية للتخلص من الخلافات

بالنظر إلى الرؤية السعودية، التي ساهمت بحسب مختصين في احتواء كثير من التوترات في المنطقة خلال العامين الماضيين، وعبرت خلالها عدد من الدول من حالة الخلاف إلى حالة التعاون الثنائي، وكان من مظاهر ذلك اعتماد عدد من الدول في المنطقة على تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها عن طريق تأسيس مجالس للتعاون والتنسيق الثنائي، وتركز في الأساس على التعاون الاقتصادي وتنمية الاستثمارات البينية، وصولا حتى إلى إنشاء كيانات استثمارية مشتركة.

من منتدى دافوس 2023

رامي زهدي، عضو الهيئة الاستشارية لمركز العرب للدراسات والأبحاث، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن كل الصراعات التي تحدث في العالم أو المنطقة سواء صراعات سياسية أو عسكرية أو أيّا كانت، هي صراعات ذات خلفية اقتصادية بمعنى أن الاقتصاد هو الذي يحرك السياسة والجوانب الاستراتيجية.

كلما ازدادت الأزمات وتراجعت جهود التنمية للشعوب كلما زادت الصراعات أي أن المشاكل والحروب انعكاسٌ لأزمات اقتصادية كلما ازدادت سوءا كلما ازدادت الصراعات، وبالتالي فالتنمية لشعوب المنطقة كدول منفردة أو كإقليم بصرف النظر عن خلفية الشعوب العرقية والقومية والدينية تعني الاستقرار لأن الإنسان يحاول دائما حماية ما أنجزه.

أما في حالة عدم وجود تنمية وتراجع وسائل الحياة الكريمة وتراجع الاقتصاد، تشعر الشعوب بالاكتئاب والإحباط ما يدفعها لحالة من عدم الاستقرار والثبات لمواجهة هذه الأزمات، أي أن للتنمية دور مهم وكبير في تجاوز الخلافات لأنه في نهاية الأمر الجميع يبحث عن حياة أفضل، حسب زهدي.

إقرأ:الصفقات السعودية الصينية.. عقبة أمام تطورات الطاقة في الشرق الأوسط؟

أيضا حسب زهدي، يمكن فصل التنمية عن العلاقات السياسية ويجب ذلك، لأن مزيدا من التوتر والصراع ينعكس سلبا على الجميع، فلو تم الحديث عن النطاق الجغرافي في المنطقة فقط والابتعاد عن الخلافات السياسية والتنوع البشري، فذلك سيكون أكثر فائدة للجميع.

هل تنخرط إيران في تنمية مع دول المنطقة؟

في مقابل ما تسعى إليه السعودية ودول “مجلس التعاون الخليجي” من تطوير التنمية، فإن كل ما بيد إيران عبارة عن أدوات تنشر الفوضى وتزعزع الاستقرار وبالتالي لا تملك إمكانيات المنافسة البناءة، ونتيجة ذلك بدأت تدفع ثمن سياساتها، داخليا عبر عجزها عن تلبية احتياجات وتطلعات شعبها الذي خرج إلى الشوارع بحثاً عن نمط حياة جديدة، فلو فهم أصحاب القرار في طهران أن هذا وقت التنمية وليس وقت نشر الميليشيات في الداخل والخارج لكان وضعهم أفضل.

أيضا تشهد إيران تحديات لا تقل خطورة، تتمثل في ابتعاد الدول الغربية عنها لفشل نظام الحكم فيها وعدم تعاونه في الاتفاق النووي وملفات أخرى نتيجةً لتلك السياسات، وأيضا تنظر كثير من شعوب المنطقة بإعجاب وتقدير لما حققته السعودية خلال سنوات قليلة من تنمية ورؤية مستقبلية للبلاد وشعبها، تنظر ذات الشعوب إلى إيران بأنها نظام خارج الزمن يعيش في أوهام الماضي ويريد أن يعيد البلاد للخلف.

في هذا السياق، يرى مراقبون أنه إذا لم تعد إيران النظر بسياساتها وتعطي الأولوية للتنمية كما يحدث في دول “مجلس التعاون الخليجي”، وتبتعد عن سياسة التصعيد وتلتزم منطق الحوار فإن النظام الإيراني سيواجه خطر الزوال نتيجة الفوضى التي أنتجها وهي نفسها الفوضى التي قد تطيح به.

من جانبه يرى زهدي أن إيران دائما تلوّح بالحروب والمشاكل والصراعات، وهي دولة غير مأمونة الجانب فالطرف الآخر يشعر أنه غير قادر على إبداء الثقة بالجانب الإيراني، لذلك يجب على الجميع أن يقدم ما يدعم الثقة، ولا يمكن لإيران أو لغيرها الانخراط في عملية شراكة وتنمية دون إبداء حسن النية لجميع الجيران.

لذلك يجب على إيران أن تقدم ما يطمئن الجميع على أنها دولة شريكة في المنطقة لا تسعى لمد نفوذها أو هيمنتها على دول أخرى، ولا تسعى للسطو على مكتسبات الدول المجاورة حتى يأمن الجميع أن الهدف الأساسي هو التشاركية والتعاون المشترك من أجل ظروف أفضل لمواطني المنطقة، حسب زهدي.

مآلات التنمية في الشرق الأوسط

لطالما كانت الأساليب التقليدية في حلحلة قضايا المنطقة سواء عبر الوساطات أو المصالح الأمنية هي الطرق المتاحة دائما، وفي غالب الأحيان لا تنتج نتائج إيجابية نظرا لإصرار الدول على مصالحها من طرف واحد، غير أن التنمية المشتركة يمكنها أن تلعب دورا مقنعا ومفيدا في الوقت ذاته يساهم في تحويل حالة الخلاف إلى حالة تعاون بشكل مباشر.

التنمية في دول الخليج العربي

في هذا السياق، يشير زهدي إلى أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة مهمة من العالم وتكاد تكون محور الأحداث المهمة، وهي دائرة الصراعات فهي في موقع جغرافي واستراتيجي وسياسي مهم، كما أنها منطقة الثروات والأعمال.

زهدي يضيف أنه لا بد من النظر إلى منطقة الشرق الأوسط الأوسع أو الكبير عند الحديث عن التنمية، ليصل إلى ما بعد العراق وتركيا وشمال وشرق القارة الإفريقية، وإحداث تعاون وشراكة تؤدي للتنمية بين دول الخليج وهذه المناطق أمر مهم للغاية، بشرط إبداء حسن النوايا من الجميع وعدم التعدي على دول الجوار أو الطمع بالدول المجاورة.

منطقة التنمية في الشرق الأوسط سيكون لها مستقبل جيد، حسب زهدي، إذا تمت إدارتها بشكل جيد خاصة إذا تم الربط بين مناطق الثروة ومناطق الشركات والأعمال، بحيث يتم استخدام الثروات في دول أخرى في دعم مشروعات يرجع عائدها للدول المستثمرة وتعود الخدمة للدول المستضيفة، وهذه تعتبر عملية تنمية شاملة تقوم على فكرة الربط بين وسائل مختلفة أبرزها الأرض ورأس المال والخبرات البشرية، وهذا مهم خلال المرحلة القادمة خاصة أمام ما يواجهه العالم من أزمات في الغذاء والطاقة والمياه، فهذه التنمية تنعكس إيجابيا وتجعل من هذه الدول قادرة على تجاوز التحديات القائمة.

من الواضح أن أمام دول المنطقة وشعوبها خيارين فقط، إما إعادة النظر بطبيعة العلاقات والعمل على خفض التصعيد في الملفات المتوترة والتوجه نحو حل الخلافات عن طريق الشراكة والتعاون للوصول إلى تنمية مثمرة تنعكس إيجابا على كل شعوب المنطقة، أو البقاء على الأوضاع الحالية وهو ما قد يؤدي لمزيد من الدمار في بعض الدول خاصة تلك التي تعمل على التدخل الخارجي وافتعال الخلافات مع الدول الأخرى.

قد يهمك:تسارع العلاقات التركية السعودية.. “النقلة النوعية” نحو شراكة استراتيجية؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة