سياسات تحرير سعر الصرف.. ماذا وراء أزمة الدولار في العراق؟

سياسات تحرير سعر الصرف.. ماذا وراء أزمة الدولار في العراق؟
أزمة الدولار في العراق
أستمع للمادة

أزمة طاحنة يعيشها العراق تتعلق بارتفاع سعر الدولار، دفعت برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى إعفاء محافظ “البنك المركزي” مصطفى غالب مخيف من منصبه الإثنين الفائت، وعدد من القيادات في القطاع المصرفي أيضا.

“وكالة الأنباء العراقية” ذكرت أن السوداني اتخذ الخطوة بعد أن أبلغه المحافظ مصطفى غالب مخيف، أنه لم يعد يرغب في البقاء في المنصب، وأن محسن العلاق، محافظ “البنك المركزي” السابق، حل محل مخيف، الذي كان يشغل المنصب منذ 2020.

السلطات العراقية تحاول السيطرة على سعر الدولار الذي يواصل الارتفاع، بإجراءات لتوفيره في السوق للحد من الأزمة الاقتصادية. لكن أزمة الدولار في العراق، يراها اقتصاديون، ناتجة في المقام الأول عن الإجراءات التي اتخذها “البنك المركزي” الأميركي، في الأسابيع القليلة الماضية بشأن تشديد القيود المفروضة على تعاملات البنوك التجارية في العراق بالدولار.

إيران طرف في الأزمة؟

السلطات العراقية تشعر بالقلق إزاء فرض الولايات المتحدة ضوابط طويلة الأمد على التعاملات بالدولار بهدف وقف تدفق الأموال إلى إيران، في ظل تراجع اقتصاد البلاد وفقدان العملة المحلية نحو 10 بالمئة من قيمتها، بحسب ما نقله موقع قناة “الحرة”.

في تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، الخميس الفائت، سلط الضوء على أزمة “الدولار” في العراق وما رافقها من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية والسلع المستوردة.

قد يهمك: العراق: انخفاض غير مسبوق بأسعار صرف الدولار

العراقيون يعزون سبب ذلك، وفقا للصحيفة، إلى التغيير الملحوظ في سياسة وزارة الخزانة الأميركية وبنك “الاحتياطي الفيدرالي” في نيويورك خلال الأسابيع الماضية.

الصحيفة نقلت عن مسؤولين أميركيين وعراقيين، القول إن “بنك الاحتياطي الفيدرالي بدأ في تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي، بفرض ضوابط أكثر صرامة على تعاملات البنوك التجارية العراقية بالدولار، في خطوة تهدف للحد من عمليات غسيل الأموال والوصول غير القانوني للدولار إلى إيران، ودول أخرى تخضع لعقوبات مشددة في الشرق الأوسط”.

منذ عام 2003 عملت البنوك العراقية في ظل قواعد أقل صرامة، لكن بعد ما يقرب من عقدَين من الزمان، يؤكد مسؤولون أميركيون وعراقيون أن “الوقت حان لجعل النظام المصرفي العراقي أكثر امتثالا للضوابط العالمية المتعلقة بتحويل الأموال”.

منذ أن دخلت الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ، تم حظر نحو 80 بالمئة من التحويلات المالية الدولية اليومية للعراق، والتي بلغ مجموعها في السابق أكثر من 250 مليون دولار يوميا، وفقا للصحيفة، ويعود السبب في ذلك إلى عدم وجود معلومات كافية حول وجهة الأموال النهائية أو أخطاء أخرى، وفقا لمسؤولين أميركيين وعراقيين وبيانات رسمية حكومية.

في ظل ندرة الدولار، انخفضت قيمة العملة العراقية بما يصل إلى 10 بالمئة، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع المستوردة، بما في ذلك السلع الأساسية مثل البيض والدقيق وزيت الطهي.

إقالة محافظ البنك المركزي

خطوة إقالة محافظ “البنك المركزي” جاءت رفقة مجموعة من القرارات التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي، ومنها إحالة مدير المصرف العراقي للتجارة سالم جواد الجلبي إلى التقاعد، وتكليف بلال الحمداني لإدارة المصرف الحكومي الذي كان قد تأسس عام 2003.

اقرأ أيضا: لماذا تراجعت حكومة العراق الجديدة عن تغيير سعر الدولار؟

محافظ “البنك المركزي” العراقي الجديد علي العلاق، يُعد إحدى الشخصيات السياسية، حيث سبق أن تقلد العديد من المناصب، من بينها محافظ “البنك المركزي” العراقي بالوكالة، ورئيس مجلس الإدارة بين عامي 2014 و2020، فضلا عن ترؤسه المجلس المشترك لمكافحة الفساد في البلاد بين عامي 2007 و2014، إضافة لمناصب أخرى.

محافظ “البنك المركزي” العراقي المقال مصطفى غالب مخيف، كان قد تحدث في حوار خاص لـ”الجزيرة نت” قبل أيام عن سعي الخبراء في “البنك المركزي”، لرسم السياسة النقدية بتوجيه جهود “البنك المركزي” نحو تحقيق الاستقرار المالي في العراق، ضمن إستراتيجية “البنك المركزي” 2021-2023.

مخيف حذر حينها من تعرض الاقتصاد العراقي لصدمات كبيرة ومؤثرة تعرقل الجهود الموجهة نحو تحقيق النمو، في حال لم تُتخذ إجراءات سريعة مع وضع خطط استشرافية لرسم المصدات اللازمة لعبور الأزمات في المستقبل، وذلك عبر استخدام الصلاحيات الممكنة والتنسيق مع المؤسسات الأخرى المالية وغير المالية، معلقا “أظهر القطاع المصرفي العراقي في عام 2022 تغيرات عدة بمؤشراته في ضوء التحديات الاقتصادية المحلية والإقليمية”.

الخبير الاقتصادي ناصر الكناني خلال حديثه لـ”الحل نت” يرى بأن إقالة محافظ “البنك المركزي” ومدير عام بنك “التجارة” العراقي، شأن إداري لا يغني من جوع، كونه لم يؤشر عليهم تقصير لا إداري ولا فساد مالي، وإنما لتهدئة غليان الشعب، وفق تعبيره.

أما عن أسباب ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار العراقي، يرى الكناني، بأنه جاء نتيجة الحرب الأوكرانية الروسية، وتهريب الأموال نتيجة الاستيراد العشوائي بموجب حوالات سوداء، كما أن بعض المصارف التي تم إيقاف تعاملها، كان بسبب الحوالات السوداء وعدم العمل بنظام “السويفت”.

للحد من ارتفاع الأسعار واحتوائها، يرى الكناني، بأنه يجب على وزارة التجارة العراقية أن تتولى عملية الاستيراد الكامل من الخارج عن طريق شركاتها العامة، لتغطية حاجة السوق من خلال وكلائها الموزعين في جميع المحافظات العراقية بالسعر الرسمي الموحد، كما يجب الابتعاد عن الحلول الترقيعية التي تنتهجها الحكومة.

أسباب هبوط الدينار أمام الدولار

عقب ساعات من اتخاذ القرارات الحكومية العراقية، تراوحت أسعار صرف الدينار أمام الدولار، بـ 1620 دينارا للدولار الواحد، وهو أقل من نهار الأحد، الذي أغلق عند 1650. وأرجع خبراء مال التراجع الطفيف، إلى ارتباك السوق وعدم رغبة المشترين بالشراء لحين وضوح قرارات المحافظ الجديد الذي تم تعيينه، وفقا لموقع “العربي الجديد”.

مستشار الحكومة العراقية المالي، مظهر محمد صالح، أجاب عن سؤال حول سبب تراجع قيمة الدينار والأزمة الحالية في كلمة له بمنتدى اقتصادي مساء الأحد الفائت، قال فيه إن “الفرق في قيمة الحوالات، والطلب المستمر للدولار سببان رئيسان أدّيا إلى هبوط سعر الدينار أمام الدولار”.

صالح ركز على الوضع المالي للبلد، وأسباب هبوط سعر صرف الدينار العراقية أمام الدولار الأميركي، إذ يرى أن “لدى العراق حسابا خاصا بالمقبوضات النفطية، أنشئ بالاستناد إلى قرار صادر من مجلس الأمن الدولي، وهذا الحساب موثق باسم البنك المركزي العراقي، وتحوّل إليه جميع موارد العراق المالية بالعملة الصعبة”.

قد يهمك: ارتفاع سعر شراء الدولار في العراق

حيال التحويلات المالية للعراق وتراجع قيمة الدينار، يوضح صالح ذلك بوجود علاقة بإجراءات “الفيدرالي” الأميركي، وأن العرض والطلب على العملة الأجنبية سبب رئيس في ارتفاع نسبة التضخم في العراق. ولفت المستشار المالي إلى وجود احتياطي مالي كبير في “البنك المركزي” من الدولار.

الارتفاع القياسي الجديد للدولار، المتضرر الأكبر منه هو المواطن العراقي، لأن السوق العراقية تشهد ارتفاعا كبيرا بأسعار السلع والبضائع، كما أن مؤسسات الدولة هي الأخرى تضررت بشكل كبير من ارتفاعه أيضا، لأنها تتبع السعر الرسمي المعتمد لدى “البنك المركزي”، ويرى مراقبون مختصون بالشأن المالي، بأن الإجراءات الأخيرة قد لا تأتي بأي نتائج إيجابية ناجعة على أزمة تراجع الدينار العراقي. حيث حذروا من تجاوز سعر صرف الدولار عتبة الـ 200 ألف دينار عراقي لكل 100 دولار إذا بقي الحال كما هو عليه الآن.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد