جرائم قتل النساء في مصر تحدث بشكل أسبوعي ويومي أحياناً، على رغم أن القوانين من حيث المبدأ تجرّم هذه الارتكابات وتصل العقوبة أحياناً إلى الإعدام. إلا أن الجناة يستطيعون الاستفادة من بعض الثغرات القانونية إضافة إلى الدعم الاجتماعي، للإفلات من العقاب والحصول على تبرئة “أخلاقية” في الحد الأدنى، كأن اعتبار أن الضحية أجبرته على ذلك بسبب سلوكها أو طريقة عيشها أو ببساطة لأنها تجرأت وقالت “لا”. 

عام 2022 كان عاماً طويلاً من جرائم قتل النساء في عدد من البلدان العربية ولا سيما مصر، بداعي غسل “العار” و”الشرف”. وهي حجج لسوء الحظ ما زالت رائجة ومجدية لناحية الانحياز للجلاد على حساب الضحية التي تكون قد أصبحت تحت التراب.

معهد “دفتر أحوال” البحثي المستقل رصد وقوع 371 حالة قتل أو إصابة بدعوى “الشرف” في مصر، خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني/ يناير 2015، و31 كانون الأول/ ديسمبر 2019. وكان “الشك في السلوك” سبب وقوع العدد الأكبر من القتلى، بإجمالي 231 قتيلاً، منهم 4 ذكور، و227 إناث، ويليه دافع “ترك المنزل” بإجمالي 41 حالة إناث، في حين حصد “الشك في نسب الطفل” العدد الأكبر من القتلى 13 من الذكور و12 من الإناث، بإجمالي 25 قتيلاً.

التكلفة الحقيقية للصمت

المعهد أوضح أن الوسيلة الأكثر استخداماً لتنفيذ هذه الجرائم هي الطعن، بإجمالي 104 حالات، وتليها وسيلة “الخنق/ الغرق” بإجمالي 75 حالة.

يحدث ذلك فيما يتصاعد خطاب يشجّع على الذكورية والوصاية البطريركية ويدعو النساء إلى الصمت والتحمّل، واللافت أن أبرز دعاة هذا النهج من النساء، ونقصد تحديداً ياسمين عز ورضوى الشربيني، الإعلاميتين اللتين قد تختلفان في طريقة المقاربة، إنما تجتمعان في النهاية على أن الرجال هم القوامون وأن على النساء واجب الرعاية والتفهّم والتحمّل، وهو نهج يساهم باستمرار هذه الجرائم القتل دون رادع أو شعور بالذنب.

مديرة قسم البحوث والمعرفة في برنامج “النساء في الأخبار” الناشطة النسوية المصرية، منى مجدي، أوضحت لـ”الحل نت”، أنه “في الفترة الأخيرة شهدت مصر ارتفاعاً في حوادث العنف التي تتعرض لها النساء، وغالباً ما تكون هذه الحوادث نتيجة العنف المنزلي من الزوج أو الأقارب”. وتشير إلى أن هذه الجرائم بدأت تظهر بشكل ملحوظ في الريف وهنا تنوه إلى الطريقة البشعة التي يتم من خلالها ارتكاب هذه الجرائم، معتبرة أن الذهول والصمت المجتمعي داخل القرى التي تحصل فيها الجرائم، لا يشكلان رأياً عاماً مضاداً لظاهرة قتل النساء. بل على العكس، فدائماً ما يتم إيجاد مبررات لتفسير القضية ودعمها في ظل الوضع الاقتصادي والأزمات التي تعيشها مصر حالياً”.

مجدي تشير إلى أن أسباب متعددة ومتشابكة لظاهرة العنف الذي قد يصل إلى القتل، مشددة على خطورة غياب التربية الأسرية والتوجيه الوالدي المتعلق بترسيخ القيم والمفاهيم الاجتماعية المتعلقة بدور الأفراد في المجتمع واحترام الآخر، واعتبار المرأة كائناً مستقلاً حراً يجب احترام حقوقه.

أيضا تلفت إلى أن “هذه المفاهيم الأساسية غائبة عن المناهج التعليمية أيضاً، كما أننا نشاهد انتشار جرائم قتل النساء في الأرياف، حيث أنظمة التعليم متهالكة وبدائية أحياناً”.  

دور الإعلام الذي لا يقل أهمية عن الدور التعليمي برأي مجدي، “نجده في بعض الأحيان يناصر الخطابات التي تشجع على الاستقطاب، ما يعني الحصول على أكبر قدر من الترند أو المتابعة من الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي”.  

كما تنوه مجدي إلى أن الثقافة القانونية تكاد تكون منعدمة، إن كان على صعيد الحقوق المتعلقة بالمواطن والمواطنة أو على صعيد الحقوق الفردية “إضافة إلى الضعف في مؤسسات المجتمع المدني التي من شأنها نشر هذه الثقافة ومساعدة المواطنين على فهم حقوقهم والدفاع عنها، لا سيما الفئات المهمشة والنساء ضمناً. ذلك أن نشر الوعي بالحقوق يساعد النساء المعنفات أو المظلومات على الدفاع عن أنفسهن بالقانون وبالتالي التخفيف من هذه الجرائم”.

الطقوس السنوية للوحشية

في كانون الثاني/يناير 2023، ذبح شاب زوجته وفصل رأسها عن جسدها، ثم التقط سيلفي بجانب الجثة، وطلب حضور وسائل الإعلام للتصوير معه.

كما عثرت السلطات في كانون الأول/ديسمبر 2022 على جثة لزوجة مع آثار ذبح على الرقبة في منزلها بشارع الرشاح بمنطقة الخصوص التابعة لمحافظة القليوبية، تبين لاحقاً أن الزوج هو على رأس قائمة المتهمين وتم التحقيق معه.

في حزيران/يونيو 2022، قتلت الطالبة نيرة أشرف، أمام بوابة كلية الآداب في المنصورة على يد زميلها، وذلك لرفضها الارتباط به. ولحقتها سلمى بهجت في آب/ أغسطس الماضي، في محافظة الشرقية، إذ قتلها زميلها في الجامعة بـ33 طعنة حتى فارقت الحياة، وذلك لأنها رفضت الارتباط به. 

أماني عبد الكريم أيضاً قتلها شخص رفضت الارتباط به، فغافلها خلال خروجها من منزلها وأطلق عليها النار، من مسدس خرطوش في الشارع، في قرية طوخ طنبشا، التابعة لمحافظة المنوفية، شمال القاهرة.

أيضا في حزيران/يونيو الماضي، شهدنا مقتل الإعلامية المصرية شيماء جمال، وقد أظهرت التحقيقات أن زوج المجني عليها القاضي أيمن حجاج، قرر التخلص منها بسبب خلافات بينهما، فعرض على المتهم الثاني حسين الغرابلي معاونته في قتلها مقابل مبلغ مالي.

المحامية نهاد أبو القمصان، رئيسة “المركز المصري لحقوق الإنسان” أوضحت في حديث صحفي، أنه “لا يوجد شيء في قانون العقوبات اسمه جريمة الشرف، والأمر نفسه ينطبق على القوانين الجنائية العربية”، مشيرة إلى أنه “ربما هناك أسباب لتخفيف العقوبة بحسب تأثر القاضي بالحالة، ومع ذلك صدرت الكثير من الأحكام الزاجرة التي وصلت إلى الإعدام بحق من يقتلون النساء بزعم غسل العار والحفاظ على الشرف”.

على رغم أن الكثير من هذه الجرائم تم الاقتصاص من الجاني فيها وفي بعض الحالات شهدنا أحكاماً بالإعدام، إلا أن بعض الفجوات في القانون قد يستفيد منها بعض مرتكبي الجرائم، مثل المادة 17 التي تسمح للقاضي بالرأفة بالمتهم وعدم إنزال أقسى العقوبات عليه، إضافة إلى المادة 60 التي تنص على أنه لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة.

أما المادة 61 فتعفي من العقاب من ارتكب جريمة لضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره، ولم يكن لإرادته دخل في حلوله ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى.

في المقابل، وإن كان القانون يحمي الضحية أو يعاقب القاتل إلى حد ما، إلا أن المجتمع لا يفعل، إذ يسهل تبرير قتل أي امرأة لدواعٍ أخلاقية، ويسهل تشويه صورة امرأة مقتولة أو معنفة لتبرئة الجاني وتبييض صورته، حتى اعتباره بطلاً تخلّص من امرأة “غير مؤدبة” خرقت برأيه “قيم الأسرة والمجتمع”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.

الأكثر قراءة