في زيارة هي الأولى لها، وصلت نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، إلى غانا الأحد الماضي، وذلك في مستهل جولة إفريقية تقودها إلى ثلاث دول في القارة السمراء، في الوقت الذي تتطلع فيه واشنطن إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية في إفريقيا، مقابل تمدد النفوذ الروسي الصيني.

جولة كامالا، تأتي في أعقاب قمة استضافها الرئيس الأميركي جو بايدن في واشنطن، عقدت في كانون الأول/ديسمبر بين مسؤولين أميركيين ونظراء لهم من إفريقيا، وذلك في الوقت الذي تشهد فيه القارة السمراء تصاعدا للنفوذ الصيني والروسي عبر أداة التبعية والصمت من أجل الاستثمار، فيما ستشمل الجولة كلا من غانا وتنزانيا وزامبيا وتستمر حتى الثاني من نيسان/أبريل القادم.

في جولتها لإفريقيا، رافق هارس زوجها دوغلاس إيمهوف، واستقبلهما في العاصمة الغانية أكرا نائب الرئيس محمد باوميا ومسؤولون حكوميون رفيعو المستوى، ورحّب تلامذة بنائبة الرئيس الأميركي بقرع الطبول والرقص، رافعين أعلاما غانية في مطار كوتوكا الدولي، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة العالمية “رويترز”.

ما أهداف الجولة الأميركية للقارة الإفريقية

بعد أن وصلت هاريس، تحدثت في تصريحات مقتضبة أن زيارتها تمنحها الفرصة لتعميق العلاقة بين الولايات المتحدة والشركاء الأفارقة، مشيرة إلى تطلعها لهذه الرحلة باعتبارها تعبيرا إضافيا عن العلاقة الطويلة الأمد والمستمرة والبالغة الأهمية والصداقة بين شعب الولايات المتحدة والأفارقة في القارة السمراء.

هاريس، وبحسب ما قالته فإنها متحمسة للغاية بشأن مستقل القارة السمراء، وتأثير مستقبل إفريقيا في بقية العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية. هذا وتندرج الرحلة في إطار استراتيجية واشنطن الهادفة للحد من النفوذ المتزايد لبكين وموسكو في القارة بسبب غناها بالموارد لا أكثر، وتوجيه رسالة أكثر إيجابية من جانب الولايات المتحدة، بحسب المسؤولين الأميركيين.

اقرأ/ي أيضا: الأردن يصحو على مبادرة جديدة نحو سوريا.. الخطوات السعودية السر؟

جولة نائبة الرئيس الأميركي التي جاءت في أعقاب زيارات أخرى إلى إفريقيا، أجراها أعضاء في حكومة الرئيس جو بايدن وكذلك زوجته جيل، تحمل بعدا خاصا، على اعتبار أن هاريس هي أول شخص “أسمر البشرة”، وأول امرأة تصل إلى منصب نائب الرئيس في الولايات المتحدة، وسبق أن زارت زامبيا حين كانت طفلة حيث كانت تعمل جدتها والدة أمها المتحدرة من الهند.

وسط ذلك، ستزيد الولايات المتحدة الأميركية الاستثمارات في إفريقيا، كما ستساعد على تحفيز النمو الاقتصادي، في الوقت الذي ضخت فيه الصين استثمارات ضخمة في إفريقيا خلال العقود الأخيرة في مجالات منها تطوير البنى التحتية والموارد الطبيعية من أجل خنق الحكومات وفرض التبعية عليهم في وقت لاحق. أيضا بينما ينمو النفوذ الروسي من خلال نشر قوات من مجموعة “فاغنر” العسكرية الخاصة التي استباحت مقدرات بعض الدول الإفريقية وارتكبت جرائم حرب تحت غطاء عقود مع حكومات انقلابية، حيث قالت هاريس بعد وقت قليل من هبوط طائرتها في غانا، إن “في هذه الجولة أعتزم القيام بعمل يركز على زيادة الاستثمارات هنا في القارة وتسهيل النمو الاقتصادي والفرص”.

قبل ذلك، وفي الأسبوع الماضي تحديدا، قال مسؤولون أميركيون كبار إن نائبة الرئيس الأميركي ستناقش في هذه الجولة دخول الصين في المسائل ذات الصلة بالتكنولوجيا والقضايا الاقتصادية في إفريقيا التي تقع في مدار اهتمام الولايات المتحدة، إضافة إلى مشاركة بكين في إعادة هيكلة الديون.

حول أهمية الزيارة، شرح الباحث في الشأن الاجتماعي والسياسي الإفريقي، عبدالمنعم الكزان، أن كامالا هاريس قد بدأت جولتها في إفريقيا في سياق لا أحد يمكنه أن ينفيه، وهو التنافس الأميركي الروسي والصيني.

من سيكسب الصراع الإفريقي؟

الكزان، أكد في حديث لموقع “الحل نت”، أن الولايات المتحدة الأميركية قد سرعت من وتيرة هذا التنافس نتيجة ضعف بعض الدول الأوروبية الفاعلة على المستوى السياسي والاقتصادي الدولي في التعاطي مع القارة الإفريقية مما فتح المجال لدخول فاعلين جدد على الساحة.

ما يزيد من حدة الموقف الأميركي بشأن القارة الإفريقية التي شهدت تراجعا للدور الغربي، هو أن الفاعلين الجدد في القارة السمراء ليسوا من أصحاب الماضي الاستعماري، بمعنى أن المنطقة لا تعد منطقة نفوذ لهم، لذلك تحاول الولايات المتحدة الأميركية تعويض الفراغ الغربي الذي تركه شركاؤها خلفهم، بحسب الكزان. 

اقرأ/ي أيضا: زيارة السوداني تكشف خيوط لعبة أردوغان.. تجفيف الأنهار للسيطرة على الاقتصاد؟

لكن الكزان لفت إلى أن الاستثمارات لا تكفي وحدها لبناء أي اقتصاد، بل هذا يقتضي خلق مناخ لهذا الاستثمار خصوصا أن مجموعة من دول الساحل وجنوب الصحراء تعاني من شبح الإرهاب، وعدم الاستقرار السياسي والذي لن يكون مساعدا في ذلك إذا لم تعمل الولايات المتحدة على بناء شراكات صلبة مع الدول المستقرة أمنيا وسياسيا، بالشكل الذي يجعل من الدول الإفريقية شريكة في التنمية، مؤكدا أن الولايات المتحدة الأميركية بإمكانها كسب هذا الرهان، على اعتبار أن نظرة الأفارقة للولايات المتحدة تختلف عن نظرتهم لأوروبا عموما.

قبل القمة الأميركية الإفريقية التي عقدت في كانون الأول/ديسمبر الماضي، خصصت الولايات المتحدة 55 مليار دولار للقارة الإفريقية على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة، وأيضا كان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قد أعلن تقديم 150 مليون دولار مساعدات إنسانية جديدة لمنطقة الساحل الإفريقي خلال زيارة إلى النيجر الشهر الجاري.

خلال جولتها، التي ستقودها الأربعاء المقبل إلى تنزانيا ثم الجمعة إلى زامبيا، ستلتقي هاريس الرئيس الغاني نانا أكوفو أدو هذا الأسبوع، كما ستزور “قلعة العبيد” السابقة التي أُرسل منها عبيد إلى الولايات المتحدة خلال حقبة تجارة الرقيق.

هذا وستنتهي زيارة هاريس إلى غانا في 29 آذار/مارس، قبل أن تتوجه إلى تنزانيا من 29 إلى 31 من الشهر نفسه، ثم زامبيا من 31 آذار/مارس وحتى الأول من نيسان/أبريل، حيث ستلتقي برؤساء الدول الثلاث، وتعتزم الإعلان عن استثمارات في القطاعين العام والخاص.

جهود أميركية مستمرة

وصول نائبة الرئيس الأميركي إلى القارة السمراء، هو جزء من جهود الولايات المتحدة فيما يخص استدراك تنامي المد الصيني والروسي الذي أفسد الحكومات في إفريقيا، وذلك امتدادا للقمة التي احتضنتها أواخر العام الماضي، محذرة من تنامي نفوذ الدولتين الغريمتين لها في أكثر من منطقة بالعالم.

في المقابل، تعتبر الصين أول دائن “فاسد” عالمي للدول الفقيرة والنامية، حيث تستثمر مبالغ طائلة في إفريقيا الغنية بالموارد الطبيعية دون تقديم رؤية لحلول دائمة في المنطقة، حيث تتبع الصين سياسة إغراق الدولة بالأموال والاستثمارات، حتى تصل إلى مرحلة عدم القدرة على السداد لتبدأ أنياب الحزب “الشيوعي” الصيني بقضم أصول الدولة السيادية، والدخل في شؤونها الداخلية وطريقة الحكم.

من جانبها، عززت روسيا وجودها في القارة بشكل كبير بما يشمل إرسال مرتزقة “فاغنر” لعدة دول إفريقية، حيث تقيم علاقات وثيقة مع بعض عواصم القارة السمراء. وهذا أدى إلى انتشار الإرهاب بشكل كبير في هذه الدول، أيضا شجعت بعض قادة العسكر الفاسدين على الانقلابات، ما أحدث هزة في أركان الديمقراطية بهذه الدولة، وهي حركة غير مستبعدة على المجموعة التي يدعمها “الكرملين”، لأن الفرصة هنا من أجل رفد الثروات والموارد الطبيعية إلى موسكو التي تغرق بالعقوبات بسبب غزوها لأوكرانيا.

ما دفع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من الغرب، إعادة النظر بجدية وضرورة العلاقة مع القارة الإفريقية، هو الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ أدى بلا شك إلى خلق شعور إضافي لدى الدول الغربية بضرورة التعجيل بإقامة علاقات وثيقة مع بلدان إفريقيا، وذلك بسبب انقسام الدول الإفريقية في التصويت الذي أجري في “الأمم المتحدة” على إدانة الغزو، حيث امتنعت نصف الدول الإفريقية عن التصويت، ومن بينها تنزانيا، إحدى محطات جولة هاريس.

على هذا النحو؛ يبدو أن القارة الإفريقية ستكون مستعدة إلى التحول لمسرح كبير لتدافع الدول الكبرى، وتقاسم المكاسب التي يمكن أن توفرها القارة السمراء الغنية بالموارد والطاقة، لاسيما بعد زيارة هاريس التي تبدو واضحة إنها خطوة متقدمة لسياسة الخارجية الأميركية في المنطقة التي تشهد بروزا متناميا على الخارطة العالمية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.