في الوقت الذي تنخفض فيه نسب النمو الاقتصادي ومؤشرات التنمية والمستوى المعيشي في إيران؛ تتصاعد نسب الطلاق والإجهاض وهجرة الشباب المتعلم فيها، نتيجة تفاقم الوضع الاقتصادي المتدهور، مترافقا مع اليأس من العيش في ظل النظام الحاكم، أو انعدام فرص الحياة الكريمة بوجوده.

بحسب وكالة “تسنيم” للأنباء، فإن ما بين 250 إلى 650 ألف عملية إجهاض تحدث في البلاد كل عام. فيما 40 بالمئة من حالات الإجهاض، يقدمن النساء عليها بسبب الظروف الاقتصادية السيئة وعدم الاستعداد المالي، وفقا لمستشارة وزيرة الصحة الإيرانية لشؤون الولادة، شهلا خسروي. و36 بالمئة منها بسبب ضيق الوقت المناسب و20 بالمئة بسبب الخوف من الفرص المستقبلية.

بالتوازي مع ذلك، تشهد إيران زيادة مضطردة في حالات الطلاق، رغم محاولة السلطات عرقلتها ووضع القيود أمام العازمين على الانفصال لإثنائهم عن هذا القرار، حسب “قناة إيران الدولية”. منوهة لتراجع كبير في حالات الزواج والإنجاب، رغم تسهيلات الحكومة في هذين المضمارين. وتُشير القناة، لرغبة متزايدة في الهجرة ومغادرة البلاد، ففي عام 2021 أصبح معدل هجرة الإيرانيين أكثر من المتوسط العالمي، هذا ويأتي الميل نحو الهجرة من قبل الأفراد المؤثرين في قطاعات الصحة والعلم والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

“مرشد الأعلى للثورة الإيرانية”، علي خامنئي، وصف هجرة الشباب الإيراني المتعلم بالخيانة، حسب “إيران الدولية”، وذلك بقوله، “هناك عناصر في بعض الجامعات تشجع النخب الشابة على مغادرة البلاد، أقول بصراحة؛ هذه خيانة.. هذه خيانة.. هذه معاداة للوطن”. 

من أصل 241 دولة، حلت إيران في المرتبة الـ 19 بعدد الطلاب الذين يهاجرون خارج البلاد، وفي عام 2020 كان ترتيبها 102 بين 132 دولة يقصدها الأساتذة الجامعيون. الأمر عائد لسوء الأوضاع السيئة المعيشية في إيران، حسب صحيفة “الاقتصادية”. 

الإيرادات من النفط لا تعادل الخسائر من هجرة العقول

بالنسبة لإيران، لا يتوقف الأمر على خسارة مواطن ينتقل للإنتاج في دولة أخرى غربية كانت أو جارة إقليمية، فالأمر يتعداه إلى خسائر اقتصادية يقدرها الخبراء الإيرانيون بنحو 150 مليار دولار سنويا، هي حصيلة ما أنفق على هذه النخب وقيمة ما تنتجه في مجالها. قائمة العقول الإيرانية النابغة طويلة، ووفقا للطبيب النفسي والبيولوجي داريوش فرهود، فإن هجرة الأدمغة مدفوعة بالبحث بحث عن فرص التنمية والتطور وبلوغ الأمان الوظيفي والاجتماعي والشعور بتقدير الذات والحرص على الاستفادة منها.

وفي تقرير لصندوق النقد الدولي أشار فيه إلى أن إيران تتصدر قائمة البلدان التي تفقد النخبة الأكاديمية لديها، بمعدل خسارة سنوية يتراوح بين 150 ألف إلى 180 ألف من المتخصصين.

هجرة الأدمغة الضخمة بين الشباب الإيراني وارتفاع معدلات الإجهاض، هي نتيجة للسياسات السياسية والاقتصادية الخاطئة على حد سواء، حسب حديث الصحفي المتخصص في الشؤون الإيرانية، رحيم حميد لـ”الحل نت”.

لا يتبع النظام الإيراني سياسات اقتصادية سيئة فحسب، بل يتبنى أيضا ممارسات سياسية قمعية تدفع الشباب الذين يحلمون بالتغيير وحياة أفضل إلى مغادرة البلاد، كما تدفعهم أيضا للامتناع عن الزواج، بهدف عدم تأسيس أسرهم داخل البلاد. فهم يرفضون النظام، لذلك يرفضون أن تعيش عائلاتهم تحت حكمه القمعي وفشله الاقتصادي.

المجتمع الإيراني يمر بظروف اقتصادية بالغة الصعوبة نتيجة العقوبات المفروضة على النظام بسبب سياسته الإقليمية، وفق حميد. من المؤكد أن هذه الظروف الاقتصادية لها تداعيات اجتماعية، حيث لا توجد فرص جيدة للإيرانيين في الداخل، لذلك يفرون من البلاد، وبالمثل، فإن تضاؤل الآفاق الاقتصادية يجعل الشباب أقل حماسا للزواج وتأسيس الأسر.

مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق، بريت هوك، كان قد وصف خلال تصريحات لصحيفة “اندبندنت عربية”، إيراني الشتات بالقول، “التقيت الشتات الإيراني في مختلف أنحاء العالم، وما خلصت إليه هو أن الإيرانيين ناجحون في كل مكان باستثناء إيران، وهي واحدة من المآسي الكبرى التي أعتقد أنها حدثت في السنوات الـ 41 الماضية التي حرم فيها الشعب الإيراني من إمكاناته الهائلة. الشعب الإيراني يستحق حكومة أكثر تمثيلاً”.

رغم أن الأسباب المبدئية للهجرة والإجهاض تتعلق بالحالة المعيشية للمواطن، لاسيما في المدن الكبرى، خلافا للمجتمعات الريفية التي تكون فيها الأسرة كبيرة وممتدة، والزواج فيها يتم في عمر مبكر، والذي يؤدي غالبا للطلاق بسبب الانغلاق، وعدم وجود ترابط حقيقي بين الزوجين في حياة تبدو مزيجا بين المعاصرة وتحدياتها وكذلك الحياة القروية وضغوطها. إلا أن السياسة التي تتحكم بكل شيء في إيران، تبقى هي المسؤول الأول عن كل ذلك، حسب المتخصص بالشأن الإيراني، يوسف السرخي، من خلال تقييد المواطن وحرياته، وكذلك طموحه بحياة أكثر استقرار، حيث يعاني نفسيا من اضطرابات عدم الاستقرار مع عدم الشعور للأسرة والمجتمع والدولة.

السرخي أشار في حديثه لـ”الحل نت” أنه ومع وضع الاقتصاد في المرتبة الأولى، حيث تزيد نسبة البطالة والفقر يوما بعد يوم ضمن الأوساط الايرانية والشابة منها، لاسيما الطلاب والجامعيين والمؤهلين للزواج، حيث لا توجد فرص عمل كافية وكذلك السكن غير مؤمن.

الأزمات تولّد بعضها 

جنس المولود وعدم رغبة الزوجين في تحمل المسؤولية، أو الزمان والمكان غير المناسبين، أو الضغوط الاقتصادية، أو حدوث الحمل قبل الزواج بين المخطوبين، أو نتيجة لعلاقة غير شرعية، أسباب تدفع المرأة للإجهاض في إيران. لقد تنامت ظاهرة الإجهاض؛ وفق موقع “الجزيرة”، وهو ما ولّد سوق سوداء للأدوية، تتولى المتاجرة بأدوية الإجهاض وبيعها للناس في شوارع بعض المدن الإيرانية، أشهرها شارع ناصر خسرو في طهران، والذي أصبح ملاذا لمافيا الأدوية التي تباع بأسعار باهظة بشكل غير قانوني.

سياسات النظام التي تسببت في تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، هي الأسباب الحقيقية للإحجام عن الزواج أو الإنجاب وتزايد نسب الهجرة وهجرة الأدمغة، حسب الباحث حميد.

ظاهرة مرضية أخرى تعتري المجتمع الإيراني، حسب السرخي، تتمثل بتراجع نسبة المواليد، والتي تبدو أنها قد وضعت السلطة في خوف وحيرة تجاهها. حيث طالب خامنئي في عدة مناسبات، خلال السنوات الأخيرة، ضرورة العمل على زيادة نسبة السكان، على حد قوله، عبر مكافآت تقدم للأسر التي تُقدم على إنجاب أكثر من مولود جديد. ويقابل طلب خامنئي، أصوات تطالب بتحسين ظروف المعيشة بدلا من طلب المزيد من الأفواه الجائعة. شارحا أسباب خوف النظام وحيرته من جراء تراجع نسب الولادة، بالقول، إن تراجع نسبة المواليد قد يجعل المجتمعات الهامشية تنمو بسرعة أكبر قياسا بالمركز، وهو ما يشكل خطرا على ديمغرافية الدولة والمجتمع الإيراني.

انعدام الأفق أمام مستقبل واعد وحياة كريمة للإيرانيين، دفع العديد منهم لوأد ذراريهم قبل أن تدب الروح فيها، ودفع بآخرين للهجرة بحثا عن حياة تليق بإمكانياتهم العلمية والفكرية. وما بين هؤلاء وهؤلاء، يعزف العديد من الإيرانيين عن الزواج أو الإنجاب في ظل أوضاع اقتصادية متزايدة السوء.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات