منذ أكثر من أسبوع ويعيش مليون مدني في مدينة الحسكة وبلدة تل تمر وريفها، ظروفا حياتية صعبة في ظل استمرار توقف ضخ مياه الشرب من محطة آبار “علوك” الواقعة شرقي مدينة رأس العين/سري كانييه شمال الحسكة، والتي تقع ضمن منطقة ما يسمى بـ“نبع السلام” التابعة لسيطرة تركيا وفصائل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من أنقرة.
على إثر هذا الانقطاع المستمر والمتكرر للمياه عن أهالي الحسكة وريفها، أعلنت “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا في بيان رسمي، يوم أمس الإثنين، مدينة الحسكة وقراها ومخيمات النازحين فيها، منطقة منكوبة بسبب قطع المياه عنها، واتهمت كل من روسيا ودمشق بالتواطؤ.
أزمة المياه في الحسكة شمال سوريا ليست بجديدة، فالمحافظة تعاني ومنذ سنوات، وذلك بعد الاجتياح التركي لمدينة رأس العين/سري كانييه أواخر عام 2019، واستحواذها على محطة “علوك” التي تعد المصدر الوحيد لتغذية تلك المنطقة. منذ ذلك الحين، كارثة عطش أهالي الحسكة وضواحيها وريفها الغربي ثابتة ولا تزال على حالها، ولا بوادر لانفراجة نهائية، وسط تقاعس الحكومة السورية عن القيام بواجباتها حيال ممارسات تركيا تجاه سوريا.
الحسكة منطقة منكوبة!
نحو ذلك، قال الرئيس المشارك لـ”مديرية مياه الحسكة” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” عيسى يونس، إن “استمرار هذه الكارثة الحقيقية هو نتاج اتفاق دولتي روسيا وتركيا ومباركة الحكومة السورية”، معربا عن أسفه لعدم اتخاذ التحالف الدولي أي موقف تجاه هذه الكارثة حتى الآن.

يونس أردف في البيان “ليس لدينا الكثير من الخيارات في وقت لا ينفع فيه سوى الاستعجال في إيجاد الحلول، وبتضافر كل من يستطيع ذلك من جهات رسمية ومنظمات إنسانية لدرء تبعات هذه الأزمة المريعة عن الأهالي”.
أزمة المياه هذه تتزامن مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة وانعدام التيار الكهربائي، حيث قضى السكان عيدهم بلا ماء ولا كهرباء. ويعمل المدنيون في تدبير أمورهم الحياتية بتأمين المياه من خلال صهاريج المياه التي أصبحت البديل الوحيد للمنطقة، وتزداد هذه المأساة سوءا وتفاقما مع فصل الصيف الحار حيث وصل سعر الخزان الواحد من المياه “5 براميل” خلال الأيام الماضية إلى 20 ألف ليرة سورية، وسط تتالي الأزمات الاقتصادية في البلاد.
أغلب مناطق ومدن محافظة الحسكة يعتمدون على نظام المولدات الخاصة “الأمبيرات” للحصول على الكهرباء، وسط غياب التيار الكهربائي لساعات طويلة. وعقب انقطاع المياه عن المدينة، ارتفعت أسعار طرود المياه المعدنية من 9 آلاف إلى 12 ألف ليرة سورية للطرد الواحد، وفق تقرير لموقع “غلوبال نيوز” المحلي، مؤخرا.
التقرير المحلي أشار إلى أن نائب المحافظ ومدير عام “مؤسسة المياه السورية” تفقّدا محطات التحلية المنتشرة في أحياء وسط مدينة الحسكة، لتأمين حاجة بعض الأحياء الواقعة تحت سيطرة دمشق بمياه الشرب، وذلك عبر مشروع المياه بين “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” ومنظمة “الهلال الأحمر العربي السوري”.
هذا يدلل إلى أن ممارسات الحكومة السورية لا تختلف كثيرا عن ممارسات تركيا بحق أهالي مدينة الحسكة وريفها من حيث تعطيشهم للمياه. أزمة المياه هي أزمة إنسانية بحتة ولا علاقة لها بالحسابات السياسية، وبالتالي لا ينبغي تعطيش بعض المناطق عن مناطق أخرى.
حملة إغاثة
في إطار الحرب الممنهجة التي تمارسها تركيا والفصائل الموالية لها ضد السكان في شمال شرقي سوريا، جدد الأهالي مناشدتهم للمنظمات والجهات الدولية و”الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا لإيجاد حل عاجل بخصوص استمرار انقطاع المياه.
وسط عدم تحرك جَدّي وملموس من الجهات المعنية تجاه هذه الكارثة، أطلق ناشطون ومواطنون هاشتاغ تحت شعار “مليون إنسان بدون مياه – الحسكة تموت عطشا”، وفق تقرير لـ”المرصد السوري لحقوق الإنسان” يوم الأحد الماضي.
أحد سكان مدينة الحسكة ومن المشاركين في الحملة قال في تصريح للمرصد إن “استمرار انقطاع المياه عن مليون شخص يُعتبر جريمة حرب ومع استمرار انقطاعها وعدم تحرك أي جهة دولية أو حقوقية، قررنا بدء حملة تحت هاشتاغ على مواقع التواصل الاجتماعي يهدف إلى تسليط الضوء أكثر على الحالة الإنسانية المستمرة من عدة سنوات من دون إيجاد أي حلّ جذري لها”.
كما وطالب الأهالي المنظمات الدولية والقوى الإقليمية وجميع القوى الموجودة على الأراضي السورية بإبعاد الملفات الإنسانية عن الحرب الدائرة منذ سنوات في سوريا لأنها تزيد من معاناة الأهالي في ظل استمرار الصمت الدولي حيال أي ملف إنساني وعدم القدرة على الحل، مطالبين بوضع حل دائم لملف مياه “علوك” أو إيجاد بديل آخر يُنهي تلك المعاناة.
في 12 من الشهر الماضي، أكد مدير “المؤسسة العامة لمياه الشرب” في محافظة الحسكة محمود العكلة أن المؤسسة قامت بضخ مياه الشرب إلى المشتركين في عدد من قطاعات مدينة الحسكة والأحياء المحيطة بها، إلا أن عمليات الضخ كانت غير منتظمة، ما أثّر في امتلاء خزانات منطقة الحمة وضخ المياه إلى المشتركين.
العكلة صرح في وقت سابق أن الحلول البديلة من قبل حكومة دمشق لا تزال خجولة جدا، ولا تؤدي الغرض إطلاقا وهي التي لا تزال تتم بالطريقة التقليدية وكما هي الحال الحاصلة في مخيمات النزوح التي نُصبت للنازحين فقط، من خلال محطات التحلية التي أصبحت تعمل من خلال 11 محطة، من أصل 13 محطة، وبإمكانيات خجولة جدا ودون مستوى الطلب، والتي بدورها تقوم بإيصال مياه الشرب للمواطنين من خلال “بيدونات” المياه، ودون المستوى المطلوب لاحتياجات المدينة، نتيجة لسحب المياه من محطة “علوك”، من الجانب التركي والفصائل التابعة له.

مسؤولون في “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا، أفادوا في وقت سابق إزاء أزمة المياه في الحسكة أنه لا ضمان روسي لمنع تجاوزات القوات التركية والفصائل المدعومة منها بقطع مياه “محطة علوك”، عن الحسكة وريفها.
انقطاعات سابقة
أهالي مدينة الحسكة وريفها والمخيمات القريبة منها، يعانون من أزمة مياه الشرب منذ سنوات، والتي تعتمد على محطة “علوك” الواقعة تحت سيطرة الفاصل التابعة لتركيا، الأمر الذي دفع المنظمات الإنسانية غير الحكومية إلى التركيز على هذه الأزمة المستمرة، والتي لم تلقَ حتى الآن أي حلول مستدامة، ومع الوقت تحولت إلى سلاح للضغط على المنطقة بعد أن كان غائبا عن المشهد أو عامل صراع ضعيف قبل عملية “نبع السلام” التركية.
من جانبها، “الأمم المتحدة” طالبت مرات عدة إلى تحييد محطة “علوك” عن الحسابات السياسية، لكن تعطيلها ما زال مستمرا، وإن كانت تعلن بين الفترة والأخرى إيصال الكهرباء إليها أو معايدتها بفرق الصيانة التابعة لـ”الهلال الأحمر السوري”.
الجانب التركي يتعمّد بين الفترة والأخرى حبس مياه نهر “الفرات” عن سوريا، منذ منتصف شهر شباط/فبراير 2021، وبحسب الاتفاقية الموقّعة بين دمشق وأنقرة 1987 والمتعلقة بنهر “الفرات”، فإنّ حصة سوريا من المياه القادمة من تركيا تبلغ 500 متر مكعب في الثانية، والآن لا يصل منها سوى أقل من 200 متر مكعب.
بالتالي تخالف تركيا الاتفاقية الدولية المبرمة بينها وبين سوريا، بعد حبسها للمياه خلف ست سدود بنتها على نهر الفرات في الجانب التركي، أكبرها سد “أتاتورك” ثاني أكبر سد في الشرق الأوسط بطاقة تخزين تصل إلى 48 مليار متر مكعب.
بحسب تقارير لمنظمات دولية، فإنه منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019، تعطلت محطة “علوك”، 25 مرة على الأقل، والتي توفر مياه الشرب النظيفة لحوالي 460 ألف شخص. توقفت المحطة عن العمل نهائيا منذ 23 حزيران/يونيو 2021، لعدة أسباب منها انخفاض قدرة الفنيين على الوصول لإجراء أعمال الصيانة والإصلاحات ونقص الكهرباء. الأمر الذي حدّ بشكل جدّي وفوري من وصول المياه إلى محافظة الحسكة.
بشكل عام، يتأثر بهذا القطع من محطة “علوك”، حوالي مليون شخص، بما في ذلك العديد من العائلات النازحة الأكثر هشاشة التي تعيش في المخيمات والتجمعات العشوائية.
طبقا لهذه التقارير، فإن العائلات هناك تلجأ إلى مصادر المياه التي من الممكن أن تكون غير آمنة أو إلى الحد من استهلاك المياه، مما قد يُسهم في زيادة الأمراض المنقولة بواسطة المياه والتي من المحتمل أن تكون فتّاكة، ويزيد من تقويض نظام الصحة العامة الهشّ أصلا، كما وقد انتشر مرض “الكوليرا” مؤخرا، نتيجة لانخفاض منسوب مياه نهر الفرات، وموجة الجفاف التي ضربت سوريا مؤخرا، فضلا عن هشاشة القطاع الصحي.
أواخر أيلول/سبتمبر 2021، أوصى المنتدى الدولي للمياه والذي انعقد في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، بحضور الباحثين الدوليين والأكاديميين الأجانب والعرب والمحليين إلى جانب حضور فرنسي لافت تقدّمهم برنارد كوشنير وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، بدعوة المجتمع الدولي إلى الضغط على تركيا لمنع استخدامها المياه سلاحا وورقة ضغط سياسي على “الإدارة الذاتية” والسماح بمنح سوريا حصتها من المياه في نهري “الفرات ودجلة”، إضافة إلى “محطة علوك” الواقعة في مناطق سيطرة تركيا.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

