كبيرة هي المعوقات التي تقف أمام أي احتمالية لانسحاب القوات التركية من الشمال السوري، ورغم أن دمشق تدرك ذلك إلا أنها تضعه شرطا رئيسيا متمما لأي عملية تطبيع سياسي على مستوى رؤساء البلدين.
بالمقابل فإن لتركيا مبرراتها أو ذرائعها، رغم أنها لم تسعى إلى تهيئة البيئة المناسبة للانسحاب، فنجد احتواء أو تجاهل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، إلى جانب جماعة الحزب التركستاني المتشددة، فأي مصير ينتظر مناطق الشمال الغربي من سوريا في ظل هذا التواجد الإرهابي.
تتخوف تركيا من أي موجة لجوء سورية جديدة نحوها إذا ما قام الجيش السوري بأي عمل عسكري في الشمال السوري، فيما إذا كان الشرط السوري محققا، وهذا تقريبا من المستحيل حصوله. ومن هذا المنطلق كانت وما زالت تركيا تصر على تشكيل منطقة آمنة تضم أفواج اللاجئين، ومن ثم يمكن لأنقرة بحث باقي الملفات العالقة بينها وبين دمشق.
السؤال الأبرز في هذا السياق يدور حول كيفية انسحاب القوات التركية من الشمال الغربي وفي المقابل تتواجد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في الشمال الشرقي، وهي القوات التي تعتبرها أنقرة المسوغ الأبرز لبقاءها عسكريا على الأراضي السورية. خلال السنوات الماضية ورغم أن واشنطن كانت حليفة وثيقة لأنقرة لكنها لم تستطع إقناعها بعدم صوابية استمرار العداء الذي تناصبه للقوات الكردية السورية، وبناء على ذلك العداء حصلت عدة عمليات عسكرية تركية أوصل الحال بالجغرافيا السورية لما هي عليه الآن، وبل أوصل التقارب والتفاهم بين روسيا وتركيا إلى أعلى مستوياته.
بدلا من أن تتهيئ الظروف لتقارب سوري-سوري على مستوى المعارضة بين قسد والائتلاف وجناحه العسكري (الجيش الوطني) المدعومين من تركيا، تزايدت عناصر الفرقة والاختلاف بين هذه المكونات، بينما كانت تركيا وروسيا تتقدمان أميالا فأميال باتجاه خلق تفاهمات تقاسم مناطق الشمال الغربي من سوريا، ومن ثم توجيه البوصلة نحو الشمال الشرقي. إذاً ومن هذا الجانب لا نستغرب حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، مؤخرا، حينما قال بأنهم والأتراك سيبحثون فكرة توسيع مسافة تدخل تركيا في عمق الأراضي السورية لمكافحة الإرهاب، بمعنى تحديث جديد لاتفاقية أضنة، لكن ذلك واقعيا لا يعني شيء طالما أن لا تغييرات ميدانية على الأرض ستحصل لا سيما في ظل وجود قوات التحالف الدولي هناك في الشمال الشرقي.
روسيا تستغل تركيا لمناكفة الولايات المتحدة، وهذا فعليا جعجعة بلا طحين، فالحضور الأميركي مع الحلفاء هو ذو الوزن الأثقل، فضلا عن أن أي تفاهمات روسية تركية سورية حيال المخططات تجاه الشمال الشرقي لن تكون متوافقة بسبب عدم اتحاد أهدافهم، فلكل طرف مصالح متناقضة عند البحث في التفاصيل والتبعات.
ملفات اللاجئين ومكافحة الإرهاب أو حماية الأمن القومي لتركيا، هي أبرز الملفات المعلنة التي تعني أنقرة، إلا أن هناك ملفات أكثر خصوصية تهتم بها أنقرة، فكيف يتم الانسحاب بالطريقة غير الواقعية التي تطالب بها دمشق، بمقابل خسارة تركيا لحضورها العسكري الذي يعني لها الكثير على الصعيدين السياسي والاقتصادي مقابل تعويم سياسي للأسد أكثر فأكثر.
المشاريع الإقليمية التنافسية حاضرة أيضا بشكل أو بآخر بين إيران وتركيا، ولن تفكر أنقرة بمغادرة الأراضي السورية قبل ضمان تحقيق مكاسبها الاقتصادية والسياسية بشكل أبرز، هذا إلى جانب أن تركيا تريد أن تثبت للولايات المتحدة مدى قوة سياستها الخارجية وحضورها العسكري في دول الجوار، لتؤكد على أنها دولة ذات أهمية كبرى لواشنطن داخل الناتو.
أردوغان لا يستعجل لقاء الأسد ولن يحقق له هذا الأمر أية مكاسب سياسية في الوقت الحالي، بل على العكس تماما، فإن من يثير هذه المسألة هو الأسد ومن وراءه بوتين لتحقيق أكبر قدر من مكاسب قد لن تتحقق في المدى المتوسط. إذا فالرئيس التركي يعيد استثمار الملف السوري وإن كان هذه المرة من خلال مسألة التطبيع السياسي مع دمشق وما يتصل به من وعود ومساومات.
“أبعاد” هي زاوية صحفية أسبوعية/دورية؛ تحليلية سياسية، يكتبها مالك الحافظ، رئيس تحرير “الحل نت”.

