في الثاني عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2020 أعلن المستشار النمساوي سبيستيان كروتز، عن اتخاذ مجموعةٍ من التشريعات لمكافحة الإرهاب، وتضمنت هذه التشريعات التحقيق حول تجريم جماعة “الإخوان المسلمين” والإسلام السياسي الساعي للتطرّف السياسي بدوافع دينية، واعتباره “جريمة جنائية” يعاقب عليها القانون النمساوي. وردت على محاولات سنّ مثل هذه القوانين أحد رموز الدراسات الإسلامية بألمانيا، وهي الدكتورة جوردن كريمر؛ عضو مجلس العلوم الألماني قائلة: “أن الجهود النمساوية لإدخال الإسلام السياسي كجريمة جنائية كما هو في النمسا سخيفة طالما لم يتم تعريفها بدقة”. وأوضحت أن التجريم يجب أن يقف عند حدود الخطر وممارسة العنف أو التحريض عليه.

بالمقابل ثمّة اتجاهاً يرى في الإسلام السياسي الدهاء الكافي الذي يمكّنه من التحايل على القانون والنظام الأوروبيين، ومن ثم يتغلغل داخل المجتمعات الأوروبية بشكل يهدد قيمها التي تعمل على حمايتها، خاصة أنه يعمل على تنامي هذه القيم خارج الحدود الأوروبية إلى بلدان الشرق. فأضحى ما يُطبّق عليه محاولة أسلمة أوروبا، فضلًا عن أن المجتمع الأوروبي يتفاجأ كثيراً بخروج عمليات إرهابية من داخل بنائه الاجتماعي وهذا ما يجعله يراجع نفسه، ويتساءل حول كيفية بناء القوى المعرفية والبُنى المفاهيمية للجاليات المسلمة داخل حدود دولته.

الخصومة القيم الأوروبية وأيديولوجيات الإسلامويين

بعد أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023 أعاد الإسلام السياسي المخاوف العالمية منه على الساحة من جديد، كما أنه في الوقت عينه سعى إلى العودة للمشهد السياسي مرة أخرى عبر هذه الأحداث وما تعنيه من بُعد وجداني بالنسبة للشعوب العربية، بل إنه استفاد كذلك من تنامي التعاطف مع أحداث غزة إلى البُعد العالمي، وهذا ما أثار حفيظة الدول الغربية حول الإسلام السياسي وجعلها تعمل على إعادة النظر في أموره من جديد، والسعي نحو تقويضه وربما تجريمه؛ ومن ثم يُطرح التساؤل حول الخصومة بين القيم الأوروبية وأيديولوجيات الإسلام السياسي.

ما يوجد فعلياً كبديل للأحزاب السياسية هو الجماعات الإسلامية، لكنها ليست جماعات فضفاضة، فغالباً ما تتستر هذه المجموعات خلف الدعوة- “إنترنت”

وحول هذا التساؤل، يقول الأكاديمي السوري المقيم بكندا أحمد يوسف: التوتر بين العالم الأوروبي والإسلام السياسي يعود إلى أسباب عدة، لعل أولها؛ أن هذه الدول تتبنى نظاماً ديمقراطياً علمانياً وغالباً ما تنظر إلى الأحزاب والكيانات السياسية الإسلاموية “نظرة خصومة”.

وفي المقابل، تضع هذه الأحزاب والجماعات نفسها في صراع مع العلمانية والديمقراطية، وإن كان بعضها يحاول أن يصيغ الديمقراطية في شكل إسلامي أو يقرب طرحه منها، ولكن العلمانية تبقى إشكالية بالنسبة لها وفي حالة خصومة معها، أضف إلى ذلك أن الدولة العلمانية الأوروبية تنظر إلى هذه الأحزاب نظرة ريبة وإدانة في كثير من الأحيان، وفق ما يضيفه يوسف لموقع “الحل نت”.

وما يوجد فعلياً كبديل للأحزاب السياسية هو الجماعات الإسلامية، لكنها ليست جماعات فضفاضة، فغالباً ما تتستر هذه المجموعات خلف الدعوة. وقد يكون لديهم أحزاب سياسية خارج الحدود التي يستمدون منها أيديولوجيتهم وأهدافهم، لكنهم يختبئون وراء مفهوم الدعوة الذي يخاطب الجاليات المسلمة في أوروبا وتبني علاقات معهم غالباً ما تكون لكسبهم لأهداف خارج الحدود الأوروبية، أكثر مما تكون مفيدة لهذه الجالية الموجودة في أوروبا نفسها. فهم يستغلون المساجد مثلاً، بمعنى أن المسجد، أو المنبر، هو مقرّهم الأصلي والرئيسي، وتقريباً كل إمام مرتبط بالبلد الذي جاء منه وفكره وأيديولوجيته التي حملها معه، وهو في همومها ومشاريعها ترتبط بالبلد الذي خرج منه.

وخرجت مجموعة من القوانين تدين جهات إسلامية عدّة منها “الإخوان المسلمين”، ومنها “حزب الله” اللبناني الموالي لطهران، والريبة والإدانة في ظن الأكاديمي، أحمد يوسف، لها أسباب؛ منها ارتباط هذه الجماعات بمشاكل الشرق الأوسط، ومشاكل الدول المسلمة كفلسطين مثلًا، والأكثر احتمالية ارتباطها بمنظمات إرهابية كتنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” وتنظيم “القاعدة” وأسماء كثيرة، ومنها أحداثٌ حصلت كان لها تأثير على المسلمين بشكلٍ عام كأحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر التي حصلت في أميركا، وكانت حدث تاريخي غيّر الموقف من الجاليات الإسلامية بشكلٍ عام بعدما كانوا ضيوفاً في كثير من الأحيان مرحّباً بهم، وحرب أفغانستان والعراق التي تلت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر.

وما يُدان فيه الخطاب الإسلامي أيضاً أنه يبني جداراً ما بين الجالية المسلمة في البلدان الأوروبية ومجتمع الأهل (المُستقبل) وهذا يعيق حالة الاندماج المرجوة ويصنع فجوة بين مجتمع الأهل والجاليات المسلمة، فقضية الاندماج، وقضية الموقف من العلمانية، وقضية الارتباط بخارج حدودها هي أهم المشاكل، وأضف إلى ذلك أن بعضها يحرّض على العنف لارتباطها بمشاكلها التي في بلدانها الأصلية، وتحاول أن تكسر الجاليات المسلمة في أوروبا لحساب مشكلات خارج أوروبا، وتستغل المظالم التي تعيشها الجالية المسلمة؛ فمن الممكن أن تعيش هذه الجاليات مشكلات على المستوى العمالة، أو على مستوى التقبّل الثقافي، كاستغلالهم لمنع الحجاب في فرنسا، وهذه الخطابات لا تكون ثقافية معرفية للدفاع عن الجالية بقدر ما تكون خطابات تحريضية استغلالية لهذه المشاكل لحسابات وأهداف أخرى.

الأبعاد السياسية للخصومة الأوروبية مع الإسلامويين

لا يمكن القول إن أبعاد الخصومة بين الإسلام السياسي والمجتمعات الأوروبية تقف عند الحدود الأيديولوجية فقط، ولكن لها أبعادٌ سياسية، وهذا ما أكده الباحث بالفلسفة والفكر العربي المعاصر، السوري/ الفرنسي، خلدون النبواني، في تصريح خصّ به “الحل نت” قائلاً: بعد زوال الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية وجد الغرب عموماً سواء في أوروبا، أو الولايات المتحدة الأميركية في الإسلام السياسي “عدوا جديداً” بعد الشيوعية، وبالتالي كانوا بحاجة لعدو خارجي بشكلٍ أو بآخر لتمرير سياساتهم الخارجية، وكان هناك أيضاً تنامي للعنف من قِبل الإسلام السياسي في العالم، وبخاصة في العالم العربي، مما عزز مثل هذه الأطروحة وتم تكوين ضجة وأجندة كاملة على أن الإسلام السياسي مرتبطٌ بالعنف، بل حينما نذهب بهذا البُعد إلى أقصاه يصبح الإسلام عموماً مرتبط بالعنف والإرهاب ويجب محاربته، وفقاً للمنهجية الغربية الجديدة في إيجاد عدو لمحاربته.

يتم محاربة التنظيمات الإسلاموية الجهادية وتضييق الأمور عليهم لأنهم يحملون أجندات معادية للدول الغربية وقيمها، ويريدون الانتقام وتصفية الحسابات مع الغرب مما يؤدي إلى قيام بعض العمليات؛ “الذئاب المنفردة” أو العمليات الأكثر تنظيماً، وبالتالي الغرب يجد نفسه في هذه المواجهة المفتوحة مع الإسلام السياسي.

وفي هذا الإطار، كان هناك ربطٌ بين مكافحة الإرهاب ومكافحة الإسلاموية، خاصة في جانبه السياسي. ولم يتم ربط الإسلام بالإرهاب فحسب، بل تم ربط التّصور الإرهابي المرتبط بالجماعات المتطرفة أو القوة العسكرية بالإسلام السياسي. وكل ذلك تم ربطه ببعضه البعض، على سبيل المثال، التمييز بين الجناح السياسي والجناح العسكري في “حزب الله”، كان ذلك أمراً يُؤخذ به في بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا. بعد ذلك، جرت محاولة محو الحدود بين العسكري والسياسي، وتجريم “حزب الله” ككل في أوروبا. ولذلك فإن هذه القضايا فيها شيء من الصراع السياسي أكثر من البُعد الثقافي في هذا الجانب، وبالتالي يتم محاربة الإسلام السياسي من هذا الباب.

في فرنسا على سبيل المثال وفي معظم البلدان الأوروبية حصلت هناك حالات إرهابٍ مرتبط بالتطرف الإسلامي، بشكلٍ أو بآخر عن الإسلام السياسي، وعن تنظيم “داعش” أو “الدولة الإسلامية”، وبالتالي كلمة الدولة هي ارتهان، أو فكرة إقامة مشروع سياسي، وتنظيم “القاعدة” أيضاً و”الإخوان المسلمين” كل ذلك يُنظر إليهم “نظرة العدو”، ويتم محاربتهم وتضييق الأمور عليهم لأنهم يحملون أجندات معادية للدول الغربية وقيمها، ويريدون الانتقام وتصفية الحسابات مع الغرب مما يؤدي إلى قيام بعض العمليات؛ “الذئاب المنفردة” أو العمليات الأكثر تنظيماً، وبالتالي الغرب يجد نفسه في هذه المواجهة المفتوحة مع الإسلام السياسي.

دور الإسلام السياسي في بناء صورة الإسلام بالغرب

لا يمكن أن يقف تكوين صورة الإسلام في الغرب الأوروبي والأميركي على حدود النظرة الأوروبية فقط، ولكن يساهم في بناء هذه النظرة للمسلمين في أوروبا وأميركا، خاصة جماعات الإسلام السياسي، بوصفها المسيطرة على البناء الفكري لهذه الجاليات والساعية لتدبير شؤونها وأدلجتها في العديد من الأحيان، فأعطت هذه الجامعات صورة محددة عن الإسلام للغرب الأوروبي الأميركي أكثر من غيرها، حيث إنها العنصر الأول في المواجهة مع هذه النّظم والمجتمعات.

وهذا ما أقرّه الأكاديمي السوري، أحمد يوسف لـ”الحل نت”، قائلاً: بحسب علمي لا توجد أحزاب سياسية ذات نزوع إسلامي في أوروبا، لكن يمكن القول إن هناك جماعات إسلاموية كـ “الإخوان المسلمين” على سبيل المثال، ولكنها لا ترقى أن تكون أحزباً سياسية أوربية، وتنتمي هذه الجماعات بالأحرى إلى المواطن التي خرجت منها كسوريا أو مصر وغيرها من البلدان، أو بعض الجماعات الأخرى أو الأحزاب الأخرى التي تحمل ارتباطات بباكستان أو إيران، أو بالدول الإسلامية بشكلٍ عام، وهي أحزاب في المنفى وليسوا أحزاباً معنية بالجاليات التي تعيش في أوروبا بقدر ما لديهم مشاريع تتعلق بالبلدان التي خرجوا منها، وبمشاكل هذه البلدان، والوجهة التي يتوجّهون إليها ويستهدفون دول منشأهم، والتي هي خارج أوروبا.

مشكلة الإسلام السياسي هي الارتباط الخارجي بأيديولوجيات مرتبطة بأنظمة الدول الإسلامية التي لديها أجندات تتعارض مع الأنظمة الأوروبية، مثل إيران- “إنترنت”

ويمكن القول إن مشكلة الإسلام السياسي بشكل عام في أوروبا هي الارتباط الخارجي بأيديولوجيات مرتبطة بأنظمة الدول الإسلامية التي لديها أجندات تتعارض مع الأنظمة الأوروبية، مثل إيران على سبيل المثال، بمعنى بنقل الصراعات من الشرق الأوسط وإلقائها على الجالية المسلمة بأوروبا التي تحاول الاندماج والعيش، وأن تكون مجموعة من المواطنين من الدرجة الأولى، وغالباً ما يعمل الخطاب الإسلامي هنا على جره إلى مشاكل أخرى.

ومن الطبيعي أن تكون هذه المجتمعات جزءاً من ثقافتها “الإسلام”، وجزءاً من هويتها هو ارتباطها بالمجتمعات المسلمة. فهو تعاضد طبيعي، فبعض الجماعات وهي قلّة أحياناً تأخذ شكل فردي أكثر مما هي جماعات، كرجال فكر الذين يأخذون شكل تعاضدي غالباً وهذا سليم، لكن للأسف المفكرين الإسلاميين يعانون لسببين؛ السبب الأول هو الصيت والصورة التي وضعتها الجماعات الإسلاموية التي ارتبطت بالعنف من جهة، والسبب الثاني، الصورة النمطية التي رسّخت في المجتمع الغربي، فإذا كان معتدلاً، فهو غالباً مدان بأنه يحمل خطاب أشبه بالتقليدي، أو أنه تكتيكي أكثر مما هو مبدئي، وفي النهاية ما يدفع الثمن هي الجالية المسلمة وليست الدول الراعية للتنظيمات وقوى الإسلام السياسي المنتشرة في أوروبا وغيرها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة