في بلد تمزّقه الحرب والصراعات منذ سنوات، بات الموت أحد أبرز التحديات التي تواجه السوريين، ليس فقط على الصعيد النفسي والاجتماعي، بل أيضًا على الصعيد اللوجستي والتنظيمي.
فمع ازدياد أعداد الموتى ليس فقط جرّاء سنوات الصراع الطويلة، باتت المقابر في سوريا تعاني من الاكتظاظ والارتباك، ما دفع بعض المسؤولين إلى البحث عن حلول لهذه المشكلة، أبرزها فكرة “المدافن الطابقية”.
غير أن هذه الفكرة لم تلقَ ترحيباً من الجميع، إذ أثارت جدلاً واسعاً حول مدى جواز تطبيقها من الناحية الشرعية والدينية، في بلد يعَد الدين والمعتقدات جزءاً أساسياً من هويته الاجتماعية.
حلّ أزمة ازدحام الموتى
في مواجهة أزمة نقص المساحات المخصصة للدفن داخل العاصمة دمشق، لجأت محافظة المدينة إلى حلٍّ، يتمثل في اعتماد ما يعرف بـ”القبور الطابقية”.

وبحسب المسؤولين، فقد بدأت المحافظة بتوسعة القبور عموديّاً إلى طابقين، قبل أن تضطر لاحقًا إلى زيادة الطوابق إلى ثلاثة، نظرًا لاستمرار الندرة في المساحات المتاحة للدفن داخل المدينة.
وأدى هذا الوضع إلى نشوب سوق سوداء لبيع القبور، حيث وصل سعر القبر الواحد إلى أكثر من 100 مليون ليرة سورية (أي ما يعادل 7 آلاف دولار أميركي)، فضلاً عن نشوب خلافات بين الأُسر على ملكية القبور القديمة.
ورغم الجدل الحاد الذي أثير حول هذه الخطوة، والذي شمل مخاوف من انتهاك حرمة الموتى، إلا أن محافظة دمشق أكدت أن الأسلوب الطابقي سيطبَّق فقط على القبور التي مضت على دفن أصحابها خمس سنوات على الأقل، وبما يضمن التباعد المناسب بين الجثامين.
طوابق للتأجير
تؤكد محافظة دمشق أن فكرة المدافن الطابقية في سوريا، التي لجأت إليها لحل أزمة نقص المساحات المخصصة للدفن داخل العاصمة، تأتي في إطار مساعدة الناس على التعامل مع هذه المشكلة.

وتوضح المحافظة أن هذا الأسلوب ضروري في ظل شحّ المساحات الأفقية المتاحة للمقابر، مشددة على أنه سيتم التأكد من عدم إلحاق أي ضرر بالقبور المجاورة، كما سيلتزم المستفيدون بعدم التنازل عن قبورهم أو بيعها إلا لأقاربهم.
رغم أن فكرة القبور الطابقية ليست جديدة، إذ سبق تطبيقها منذ زمن طويل في منطقة جوبر بريف دمشق، إلا أنها تواجه جدلاً متجددًا كلما تم إضافة طابق جديد للقبور.
وكان هناك في السابق ما يعرف بـ”استضافة الميت”، حيث يتم استئجار قبر لفترة محددة إلى أن يتم إيجاد بديل للدفن.
ولكن هذا الأسلوب يعَد مخالفًا للقانون السوري الذي يمنع استضافة ميت من غير العائلة، وغالباً ما يتم ممارسته بشكل سرّي مقابل مبالغ مالية يتم الاتفاق عليها بين ملاك القبور والوسطاء والمستأجرين.
رعب القبور
تثير فكرة “الموتى الضيوف” رعباً كبيراً لدى الأهالي في دمشق، حيث يحرص المقتدرون منهم على شراء قبور والاطمئنان على وجودها وهم على قيد الحياة، خوفاً من أن يتعرضوا للمشاكل والصعوبات بعد وفاتهم.

وبحسب إحصاءات محافظة دمشق، فقد تخطى عدد الوفيات في العام الماضي 7 آلاف حالة داخل المدينة، بمعدل يصل إلى 20 حالة وفاة يوميّاً. في المقابل، يبلغ إجمالي عدد القبور المتاحة 160 ألفاً موزعة على 30 مقبرة، منها 4 آلاف قبر طابقي فقط.
وعلى الرغم من وجود مقبرة “نجها” شبه المجانية جنوبي دمشق، إلا أن إصرار الأهالي على دفن موتاهم داخل المدينة أدى إلى نشوء سوق سوداء تبيع القبور بأسعار خيالية للعائلات المُيسرة.
ويتم استهداف القبور القديمة التي انقطع عنها الزوار للبيع في هذه السوق السوداء، حيث يتم كسر شواهدها ومحو ملامح أصحابها الأصليين، قبل بيعها بشكل غير قانوني لميتٍ جديد.
سوق سوداء للقبور
يؤكد المحامي إسماعيل جبر، في حديثه لموقع “إرم نيوز”، أنه “وفق القانون السوري، لا يخضع القبر لعمليات البيع والشراء، وإنما تعود الملكية لوزارة الأوقاف، ويحق للوفاة الأولى فقط دفن جثمانها في القبر، ولا يمكن دفن شخص غريب عن الأسرة ومن غير الورثة الشرعيين.”

وتؤكد محافظة دمشق على موقعها الإلكتروني، أنه “لا يوجد ما يسمى بيع أو شراء أو استئجار للقبور في مقابر المدينة أو مقبرة دمشق الجنوبية (نجها)، وإنما يوجد تخصيص للقبور وهو عبارة عن استحقاق دفن، يتم عند الوفاة وهو مبلغ رمزي”.
ورغم هذا الرفض الرسمي، إلا أن السوق السوداء لبيع القبور لا تزال تنشط في دمشق. وتتوقع المحافظة أن تتراجع هذه الممارسات بعد تطبيق فكرة القبور الطابقية الثلاثية.
وكان مدير مكتب دفن الموتى في دمشق قد أعلن عن التوجّه لبناء “جزيرة تضم بين 4 و6 آلاف قبر”، إضافة إلى توفير 4 آلاف قبر جديد في مقبرة “عدرا” شرقي العاصمة.
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً
- مقتل قيادي “حوثي” بارز في “كهبوب” قرب باب المندب
- من الساحل السوري إلى لبنان.. كيف تحركت شبكة متهمة بالتخطيط لهجمات في سوريا؟
- لماذا يتزايد غضب الشارع الإيراني ضد العراقيين؟

