“العفو” الدولية: مرتكبو “جرائم الحرب” في الساحل مسؤولية دمشق

العفو الدولية": مرتكبو "جرائم الحرب" في الساحل مسؤولية دمشق
العفو الدولية": مرتكبو "جرائم الحرب" في الساحل مسؤولية دمشق

 

أصدرت “منظمة العفو الدولية” (أمنستي) اليوم الخميس، تقريراً مفصلاً يدعو الحكومة السورية إلى محاسبة مرتكبي موجة عمليات القتل الجماعي التي استهدفت المدنيين العلويين في المناطق الساحلية، مشددة على ضرورة اتخاذ خطوات فورية لضمان عدم استهداف أي شخص أو جماعة على أساس طائفتهم، مؤكدة أن الجرائم الأخيرة هي “جرائم حرب”. 

وتضمن التقرير شهادات شهود عيان من سكان المناطق المتضررة وذوي الضحايا وأقاربهم، واستند إلى أدلة مرئية وتقارير من مختبرات مثل مختبر أدلة الأزمات ومنظمات حقوق الإنسان. 

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه الحكومة السورية اتهامات متزايدة، بالتقاعس عن حماية المدنيين وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة للتحقيق في الانتهاكات، مما يزيد من الضغوط الدولية لمحاسبة المسؤولين وتقديم ضمانات فعلية لإحقاق العدالة، في ظل استمرار موجة الفظائع التي تثقل كاهل الشعب السوري وتعصف بمصداقية السلطة الجديدة. 

بداية جرائم الساحل السوري

بدأت الأحداث بتاريخ 6 آذار/مارس الماضي، عندما شنت جماعات مسلحة تابعة للنظام السوري السابق (الفلول)، هجمات منسقة على مواقع أمنية وعسكرية في محافظتي اللاذقية وطرطوس، ورداً على ذلك، نفذت وزارتا الدفاع والداخلية، بدعم من ميليشيات مساندة، هجوماً مضاداً أدى إلى تصاعد كبير في العنف. 

وبعد يومين أعلنت السلطات السورية استعادة السيطرة على المناطق المتضررة، لكن في الأيام التالية، شهدت المناطق الساحلية عمليات قتل متعمدة استهدفت المدنيين العلويين في البلدات والمدن على امتداد الساحل، خاصة في مدينة بانياس. 

وفقاً لمعلومات استقرت لدى منظمة “العفو” الدولية، قامت ميليشيات تابعة للحكومة السورية الانتقالية بقتل أكثر من 100 شخص في مدينة بانياس الساحلية خلال يومي 8 و9 آذار/مارس الفائت، واستند التقرير إلى معلومات من 32 عملية قتل متعمدة وموجهة ضد الأقلية العلوية، دون أي مبرر قانوني. 

التحقيقات والشهادات والأدلة

أجرت “العفو الدولية” مقابلات مع 16 شخصاً، شملت سكان مدينة بانياس ومناطق ساحلية أخرى داخل وخارج سوريا، فيما وثّقت مختبر أدلة الأزمات تسعة مقاطع فيديو وصوراً من وسائل التواصل الاجتماعي تم تداولها بين 7 و21 آذار/مارس 2025، كما أُجري تحليل للأسلحة وصور الأقمار الصناعية. 

أفادت إحدى المقابلات أن 32 من أقارب وجيران الضحايا، بينهم 24 رجلاً وستة نساء وطفلان، قُتلوا عمداً خلال الفترة من 8 إلى 9 آذار/مارس 2025، حيث قُتل 30 شخصاً في حي القصور بمدينة بانياس. 

وأكد شهود عيان للمنظمة أن رجالاً مسلحين كانوا يسألون الأشخاص عما إذا كانوا علويين قبل تهديدهم أو قتلهم، وفي بعض الحالات لاموهم على انتهاكات يُزعم أنها ارتُكبت في عهد نظام بشار الأسد.  

كما أفادت الشهادات بأن السلطات الجديدة أجبرت عائلات الضحايا على دفن أحبائهم في مواقع جماعية دون مراعاة الشعائر الدينية أو إقامة مراسم دفن علنية. 

دعوات مباشرة للمساءلة والمحاسبة

أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة “العفو الدولية”، صرحت أنه “يجب محاسبة مرتكبي هذه الموجة المروعة من عمليات القتل الجماعي الوحشية.. تشير أدلتنا إلى أن الميليشيات التابعة للحكومة استهدفت عمداً مدنيين من الأقلية العلوية في هجمات انتقامية مروعة – وأطلقت النار على الأفراد من مسافة قريبة بدم بارد. ولمدة يومين، تقاعست السلطات عن التدخل لوقف عمليات القتل”. 

وأضافت كالامار: “مرة أخرى، وجد المدنيون السوريون أنفسهم يتحملون التكلفة الباهظة في وقت تسعى فيه أطراف النزاع إلى تصفية الحسابات”، مشيرة إلى أن “القتل المتعمد للمدنيين أو القتل المتعمد للمقاتلين الجرحى أو المستسلمين أو الأسرى هو جريمة حرب، ويقع على عاتق الدول التزام بضمان إجراء تحقيقات فورية ومستقلة وفعالة ونزيهة في مزاعم القتل غير المشروع ومحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية”. 

وزادت: “سبق أن قاسى السوريون أكثر من عقد من الإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة والفظائع الجماعية التي ارتكبتها حكومة الأسد والجماعات المسلحة. وتخلق المجازر الأخيرة التي استهدفت الأقلية العلوية ندوبًا جديدة في بلد مثقل أصلًا بالكثير من الجروح التي لم تلتئم”. 

وأكدت الأمينة العامة للمنظمة، أنه “من الضروري أن تمنح السلطات الجديدة الحقيقة والعدالة لضحايا هذه الجرائم، لتُبرهن عن طيها لصفحة الماضي وعدم التسامح مطلقاً مع الهجمات على الأقليات.. في غياب العدالة، تخاطر سوريا بالوقوع مرة أخرى في دوامة من الفظائع وإراقة الدماء”. 

موجات جديدة من المجازر المروعة

 تأتي هذه الأحداث في وقت لا تزال فيه سوريا، بعد مرور قرابة أربعة أشهر على نهاية النظام الديكتاتوري، غارقة في حالة من التخبط والفوضى مع ضعف قدرة السلطة الجديدة على فرض الأمن وحماية المدنيين. 

في أول أيام عيد الفطر، بتاريخ 31 آذار/مارس، شهدت البلاد مجزرتين إضافيتين؛ إذ قُتل نحو 6 مدنيين من الطائفة العلوية في قرية “حرف بنمرة” قرب بانياس بريف طرطوس، ومجزرة أخرى أسفرت عن مقتل 6 مدنيين في حي كرم الزيتون بمدينة حمص. 

وفي تصريحات جديدة، أكد المتحدث باسم لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، ياسر فرحان، أن اللجنة ستستمع إلى الموقوفين وتوثق شهاداتهم، وستزور أماكن إيقاف المشتبه بهم، للتأكد من محاسبة المتورطين وتأمين الضحايا. 

وأشار فرحان في حديثه لصحيفة “القدس العربي”، إلى أن ولاية اللجنة تشمل المجزرة الجديدة في قرية حرف بنمرة قرب بانياس، وأوضح أن اللجنة، التي تحقق في أحداث السادس من آذار/مارس الحالي وما تلاها، لن تفصح عن نتائج تحقيقها حتى انتهاء الإجراءات القانونية، إذ لا يصدر قرار بالإدانة أو التبرئة إلا القضاء. 

وأضاف فرحان أن استنتاجات اللجنة وتوصياتها ستُسلّم لرئيس الجمهورية في تقريرها النهائي، مؤكداً على ضرورة دعم حق وسائل الإعلام في الوصول إلى مناطق الانتهاكات. 

مؤشرات على تصاعد الدموية في سوريا

أكد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” في آخر تقاريره، مقتل أكثر من 2600 شخص خلال شهر آذار/مارس 2025 في مختلف مناطق سوريا، من بينهم 2069 مدنياً، بينهم 1828 رجلاً وشاباً، و144 امرأة، و97 طفلاً وطفلة. 

وقُتل المدنيون وفق التقرير، نتيجة عمليات تصفية ميدانية واغتيالات وانفجارات ومخلفات حربية، مما يعكس استمرار دوامة العنف وتفاقم معاناة الشعب السوري. 

وتسلط هذه الأحداث الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون السوريون، وبخاصة الأقلية العلوية في المناطق الساحلية، مع غياب التدخل الفعّال من السلطات الجديدة لحماية الأرواح وضمان حقوق الإنسان. 

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم